خطر انزلاق العراق باتجاه التقسيم 

منذ تأسيس العراق بعد الحرب العالمية الأولى اي قبل اكثر من قرن من الزمان. لم يمر بلدنا في فتن عاصفة كالتي يمر عليها في هذه الظروف. فالعراق اليوم أمام استحقاقات مصيرية احلاها مر. لان اي خيار سوف يسلكه سينتقص اكثر مما مضى لما تبقى من سيادته. بات هذا البلد تائها ضائعا يقوده من لا ضمير له ولا ذمة. انه يسير على مفترق طرق.
بعد أن اهمل العراق والعرب هويتهم وضيعوا أسس دينهم بعد أن تخلى علماء ومثقفي وحكماء العرب عن مسؤلياتهم فتركوا الحبل على غاربه. بان الفراغ الاديولوجي واضحا ولا بد من ملئه من قبل المستعمرين الذين يتربصون بالعرب الدوائر. لهذا طرحت أمريكا قبل حوالي ثلاثة عقود مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تقوده اسرائيل. ما صفقة القرن التي فرضها ترامب الا ترجمة لذلك المشروع. مع مرور الوقت تهافت الكثير من الحكام العرب لتبني تلك الصفقة وذلك بالتطبيع مع العدو الاسرائيلي.
هناك دول عربية أخرى كالعراق تحاول اللحاق بالركب المستسلم لكن الهيمنة الايرانية عليه كانت حائلا لحد الان دون اللحاق بذلك التيار الامريكي الجارف.
تحاول الصين استغلال صراع القوى في الداخل العراقي واختراق المنطقة عبر أحياء مشروع قديم عمره اكثر من 22 قرن كان يسمى بطريق الحرير. اذ تحلم الصين من خلال هذا المشروع ايجاد موطىء قدم لها في الخليج العربي. لقد كان مشروع ميناء الزبير الكبير في البصرة عام 2011 اكبر مشجع لها. فمن حيث المبدا كان ينبغي أن يرتبط ذلك الميناء بشبكة السكك الحديدية العراقية المتجهة الى شمال العراق فدول اوروبا عبر تركيا او المتجهة الى شرقه فدول اسيا عبر ايران.
لكن السؤال الكبير هو أين موقع الخيارات الوطنية والمحلية في تلك المعادلات. فقد تحولت منطقتنا كلعبة شطرنج يتقاتل فوق ارضها وتحت سماءها قوى اقتصادية كبرى سوف لن تبقي للمنطقة شيئا من ثرواتها. لان فتح المنطقة على الرساميل الاجنبية الاسرائيلية الأمريكية الروسية الصينية في ظل ضعف المؤسسات الاقتصادية الوطنية يستعبد سكان المنطقة ويجعلهم رهائن لسياسات تلك الدول. هذه التحولات تذكرنا ببداية الغزو الاستعماري للمنطقة في القرن الخامس عشر اذ كانت الجيوش البريطانية والفرنسية انذاك في خدمة اقتصاد دولها. فما اشبه اليوم بالبارحة إذ أن القوة المسلحة للقوى الاستعمارية الجديدة في خدمة اقتصاد دولها لاستغلال ثروات الاراضي العربية.
نرى في العراق وسوريا وليبيا واليمن والسعودية والبحرين والامارات أن المنافسة الاستعمارية الشرقية والغربية تمارس تهديداتها لانظمة الحكم القائمة. بضرورة استحواذها على المناطق الاستراتيجية أو تهديدها بتغيير انظمتها السياسية.
لقد يأس الروس من العراق بعد احتلاله عام 2003 ولا يريدون الدخول في مستنقعه. في ظل هذه الفوضى دخلت الصين بعد زيارة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي إليها لتبلور مشروعها وتنافس الاخطبوط الأمريكي المرتبك الذي يحاول اليوم حشر العراق الموافقة على صفقة القرن كما فعلت الدول الخليجية.
أن الظرف عسير ويشير إلى أن طريق الاصلاح الذي وعد الكاظمي بتنفيذه يدور في حلقة مفرغة. فبعد ان تبنى مطالب انتفاضة تشرين الساذجة تمكن من الالتفاف عليها فطالب بانتخابات مبكرة ووافق البرلمان على تغيير قوانين مفوصية الانتخابات والدوائر الانتخابية. بالتالي فان مطالب الانتفاضة ترقيعية لا تغير أسس العملية السياسية ولا تلغي دستورها الطائفي ولا تفرض حل الاحزاب الدينية ومليشياتها. يبدو ان الحقيقة على الأرض تقول بأن أسس الطائفية تجذرت بدليل أن رئيس الوزراء لم يتمكن لحد الان من البوح حتى بالكلام لحل مليشيات الحشد الشعبي الحكومية التي تعبث بكل محافظات العراق. اما البرلمان العراقي فكان ولا يزال يمثل مافيات شيعية وسنية وكردية تاتمر بأمر أمريكا والسعودية وإيران وتركيا ولا يمتلك النواب أي اسس وطنية. حتى أصبحت كل دورة تلعن سابقتها. اضحوا كمثل قوم نوح عندما نادى ربه بالقول “إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا”
في نهاية المطاف نحو قريبين جدا من عتبة تقسيم ألعراق. فقد بدأ النفوذ الاجنبي الواسع النطاق يحاول التالف والتعايش مع الظروف الجديدة القادمة ويتبلور شيئا فشيئا تحضيرا لهذا الحدث. فمناطق الاقليم السنية تعيث فيها فسادا الشركات الاسرائيلية المدعومة من السعودية وأمريكا فتتحالف مع بعض شيوخ العشائر أو غيرهم. اما مستقبل الاقليم الشيعي فبالاضافة الى تصاعد النفوذ الايراني سيحاول النفوذ الصيني بمباركة طهران قطع الطريق أمام نفوذ أمريكا واسرائيل وحلفائهما. اما اقليم كردستان فهو مستقل عن العراق عمليا منذ عام 1991. لقد كان ولا يزاال مرتع للشركات الاسرائيلية والامريكية. وما استمرارية ارتباطه ببغداد حتى هذه اللحظة. فلاجل استنزاف الثروات العراقية وانتظار الاستقلال عندما تنضج الظروف ألمواتية محليا ودوليا.
من المؤكد بان الفكر الوطني العراقي تراجع تاثيره كثيرا نتيجة توحش المليشيات العقائدية والاستقطابات السياسية الاقليمية والعربية والاجنبية. كما ان خيارات الوطنيين تكاد تكون معدومة بعد كل التدخلات والاحتلالات الاجنبية وسطوة اذنابهما. اللهم احفظ العراق وانجي العراقيين مما تخطط لهم قوى الشر والظلم في قادم الأيام والشهور.
الدكتور نصيف الجبوري
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close