هل تيتَّمَ البرنامج النووي الإيراني؟

هل تيتَّمَ البرنامج النووي الإيراني؟
ساهر عريبي

فقد البرنامج النووي الايراني أباه يوم الجمعة 27 نوفمبر 2020 بعد أن أعلنت إيران اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده في عملية نوعية يبدو أن التحضير لها جرى بدقة طوال سنتين على الأقل. عملية أعادت الذاكرة إلى مطلع هذا العام عندما نفّذت طائرات أميركية مسيّرة عملية اغتيال القائد الإيراني قاسم سليماني الذي لم تبرد حرارة فقده في إيران إلى اليوم لتأتي هذه العملية لتنشأ جرحا إيرانيا لم يندمل بانتظار انتقام توعد به قادة إيران.

فإن كان سليماني أباً للنفوذ الإيراني في المنطقة الممتد جغرافيا من اليمن وإلى لبنان مرورا بسوريا والعراق وغزة, فإن فخري زاده يوصف بانه أب للبرنامج النووي الإيراني وعقله المدبر كما وصفته صحيفة ديلي ميل البريطانية قبل سنوات.

الصحيفة التي توصف اليمينية نشرت مطلع هذا العام ماوصفته بوثيقة سرية تظهر أن إيران كانت تحاول بناء سلاح نووي منذ عام 2002, وقد ظهرت عليها ملاحظة مدونة من محسن فخري زاده رئيس قسم العلوم النووية في إيران. إدعت الصحيفة أن الوثيقة حصلت عليها إسرائيل في عملية ادعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحصول عبرها على عدد كبير من الوثائق في عملية نفذها جهاز الموساد داخل إيران عام 2018. وقد عرض نتنياهو في ذلك العام وفي معرض حديثه عن العملية, عرض صورة لفخري زادة وقال معلّقا“ تذكّروا هذا الوجه“!

واليوم تذكّره العالم! فخسارة إيران لهذه الشخصية العلمية لاتعوض وخاصة بالنسبة لبرنامجها النووي, ويثار اليوم سؤال مشروع عن مستقبل هذا البرنامج, فهل تيتّم هذا البرنامج بعد رحيل فخري زاده كما تيتم النفوذ الإيراني كما يرى البعض بفقدان سليماني وعجز خلفه قاآني عن أدار دور الأبوة؟ أم ان البرنامج النووي الإيراني تجاوز مرحلة اليتم؟

بداية لابد من الرجوع إلى المصادر اللغوية التي تعرّف اليتيم بمن فقد أباه قبل سن البلوغ, فهل إن البرنامج النووي النووي الإيراني لم يصل إلى مرحلة البلوغ , فأصبح يتيما بحاجة إلى من يعوض رعاية الأب فخري زادة, أم أن هذا البرنامج قد تجاوز مرحلة البلوغ وبذلك فإن فقدان أبيه لا يصيره يتيما؟

يتوقف انطباق وصف اليتيم على هذه البرنامج على طبيعته وأهدافه, فإن كان الهدف منه الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في مجال توليد الطاقة الكهربائية او علاج الأمراض وغيرها من الاستخدامات كما تقول إيران, فإن البرنامج النووي قد تجاوز مرحلة البلوغ بعد ان أثبت قدرته على التخصيب التي لا يقدر عليها من وصل لهذه السن! فنسبة التخصيب التي تجاوزت الأربعة في المئة, تكفي لتشغيل المفاعلات النووية ومفاعلات الأبحاث التي تنتج النظائر المستخدمة في الأبحاث العلمية وفي العلاج من الأمراض المستعصية مثل السرطان.

واما إن كانت أهداف هذا البرنامج عسكرية تهدف لإنتاج قناة نووية ورؤوس صواريخ نووية, فلاشك أن هذه البرنامج لم يصل بالفعل إلى مرحلة البلوغ على هذا الصعيد, ولايزال امامه شوط طويل للوصول إلى مراحل التخصيب اللازمة لذلك والتي تتجاوز نسبة الـ 80٪ من نسبة اليورانيوم من النظير 235 في اليورانيوم الطبيعي 238, بالرغم من أن النسبة الطبيعية هي 0.7% وقد نجحت إيران في مضاعفتها أكثر من ستة مرات مع خزين كبير تجاوز الالفي كيلوغرام من اليورانيوم المخصب.

ولذلك فإن البرنامج النووي الإيراني تيتّم فعلا برحيل راعيه وأبيه وعقله المفكر فخري زاده. لكن من حيث القوة بتعريف المناطقة وتعني القدرة على فعل الشيء فإن هذا البرنامج قد تجاوز مرحلة البلوغ, وأن هذا البرنامج لولا العقوبات الدولية ومراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولولا إعلان إيران بانها ليست بصدد إنتاج قنبلة نووية, فإن هذا البرنامج كان سيصل في غضون سنتين إلى إنتاج قنبلة نووية.

لكل ذلك فإن رحيل الأب فخري زادة لم ييتّم البرنامج النووي, فقد ترك زاده من بعده قاعدة علمية وبنى تحتية نووية راسخة يترعرع في أحضانها هذا البرنامج الذي أصبح الشغل الشاغل لإسرائيل والولايات المتحدة, ولعل ردة الفعل الإسرائيلية على هذا الاغتيال تكشف عن هذه الحقيقة إذ اعتبرت أن خطر البرنامج مازل قائما.

يتأرجح البرنامج النووي الإيراني اليوم بين الحقوق المشروعة وفقا لإتفاقية الحد من الأسلحة النووية وبين الطموحات اللا مشروعة لإيران, التي تزيد من مشروعيتها من وجهة نظرها, التهديدات الإسرائيلية المتواصلة لإيران , والعداء الأميركي التاريخي لها, ومعاداتها من العديد من دول المنطقة التي تخوض سباق تسلّح تريد إيران أن تحرق مراحله بالوصول إلى المستوى الذي يمكنها من إنتاج قنبلة نووية وبذلك تتحول إلى رقم يقلب موازين القوى في المنطقة رأسا على عقب.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close