تحديات الترجمة

تحديات الترجمة
ترجمة: هاشم كاطع لازم – أستاذ مساعد- كلية شط العرب الجامعة – البصرة
تأليف: أندرو ويلر Andrew Weiler
حين يتحدث المرء بلغتين فهذا لايعني أنه أصبح مترجما حيث أن الأمر أعقد من ذلك بكثير لأن القدرة الترجمية تعني المقدرة على تفسير النص ونقله الى اللغة الأخرى بشكل مناسب وفق الهدف الذي رسم له والجمهور الهدف آخذين في الحسبان ليس الجوانب اللغوية فحسب، أنما العوامل الأجتماعية والثقافية أيضا. من هنا تقتضي الترجمة توفر مجموعة من المهارات لتخطي العوائق اللغوية بهدف الوصول الى ترجمة ناجحة ودقيقة.
أن أحتراف العمل في ميدان الترجمة لايبدو أمرا سهلا مثلما يظن البعض وذلك بسبب التحديات التي يتعين على المترجمين واللغويين مواجهتها يوميا.
صعوبة التراكيب اللغوية
هناك نحو 7000 لغة متداولة في العالم ناهيك عن الكثير من اللهجات القائمة ضمن تلك اللغات. وكل واحدة من تلك اللغات تتميز بصفات فريدة من حيث الأصل والجذور والبنية ، واللغة تمثل موشورا يمتلك طريقته الخاصة في التعامل مع المصطلحات والتعبيرات والكلمات المركبة والأصدقاء الوهميين وحتى التعبيرات التي يوحي لفظها بمعناها onomatopoeic ، وهي بمجملها تعطي للغة ثراءها وفرادتها لكنها في الوقت عينه تشكل عقبة في التواصل مع متحدثي اللغات الأخرى. وعلى سبيل المثال ربما تفقد نكتة مضحكة تطلق في لغة معينة معناها لدى ترجمتها الى لغة أخرى. وربما لن يدرك الشخص المستمع المشارك في الحوار روح الفكاهة فيها. وربما يغدومثل هذا الأمر خطيرا خاصة في ميداني الأعمال والتسويق.
ومن الممكن أن تكون الترجمة الحرفية مضللة الى حد كبير. خذ على سبيل المثال اللغة العربية ، فهذه اللغة تقرأ من اليمين الى اليسار على خلاف اللغة الأنكليزية ، كما أن الضمائر في موقع الفاعل فيها تضمّن في الأفعال القابلة للتصريف. أن مثل هذه الأمثلة توضح لنا مدى تعقيد عمل كل لغة من اللغات ومدى الصعوبة التي يواجهها الشخص الذي يرغب في تعلم لغة أخرى أو يحاول ترجمتها.ومثل هذه الأختلافات تخلق أبهاما ، في الغالب ، لأن المفردات والتعبيرات أو الجمل يمكن أن تتنوع معانيها وفق السياقات المختلفة التي تستخدم فيها ، الأمر الذي يؤدي الى مظاهر سوء الفهم والتفسيرات الخاطئة ، وهذا يحتم على المترجمين أن يكونوا على بينة من ذلك. ومثالا على ذلك تعني عبارة “to hear something through the gravevine” باللغة الأنكليزية سماع الأشاعات. وترجمة مثل هذا التعبير حرفيا الى لغة أخرى مثل اللغة الفرنسية لن يقدم أي معنى مقبولا! كما أن كل لغة من اللغات تضم عددا من المفردات التي لايوجد لها مايكافئها حرفيا في اللغات الأخرى ، وهذا مايجعلها صعبة أثناء عملية الترجمة مالم يلجأ المترجم الى تغيير معناها الدقيق.
والعامل الآخر الذي يعقد فهم اللغات أكثر هو وجود اللهجات dialects التي هي عبارة عن أشكال لغوية تتحدث بها جماعات معينة في مناطق محددة. ومما يثير الأهتمام في هذا الخصوص أن الناس الذين يعيشون في مناطق من البلد نفسه يمكن أن يتحدثوا بشكل مختلف تماما مستخدمين مفردات لها شتى الأستخدامات فضلا عن أستخدام أصوات يتم تلفظها على نحو مختلف تماما. ومرة أخرى نورد مثالا من اللغة العربية ، وهي اللغة الخامسة في العالم من حيث عدد متحدثيها واللغة الرسمية في 22 بلدا. فرغم وجود 250 مليون متحدث باللغة العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فأن متحدثيها لايستخدمون اللغة العربية (ذاتها) في مختلف الأماكن فلكل بلد لهجته الخاصة مع وجود أختلافات حتى ضمن البلد الواحد نفسه ، فمثلا يواجه الشخص المغربي صعوبة في التواصل مع الشخص العراقي أذا استخدم الأثنان لهجتيهما العربيتين: وربما يلجآن الى أستخدام اللغة العربية الفصيحة التي تعلماها في المدرسة ، وهي ليست لغة منطوقة بأية حال. أن ماتتسم به مثل هذه اللغات من تعقيد يجعلها صعبة التعلم ألا أن ذلك يجعل منها لغات ثرية وآسرة. من هنا تشكل اللغات الجدلية عقبة أساسية يتعين على المترجمين المحترفين التعاطي معا ومن ثم التغلب عليها بهدف نقل الرسالة المطلوبة بدقة ، تلك الرسالة التي تتطلب معرفة واسعة ومهارات تفسير. كما يحتاج المترجمون الى معرفة لغوية متقدمة للوصول الى التعبيرات والمجاز واللهجة الهجينة واللهجات العامية المختلفة التي تشكل تحديات كبيرة.
عوامل ثقافية
لكل مجتمع طريقته الخاصة به للتواصل والتعبير عن أفكاره ورؤاه وشفرة أتصاله حيث يتعلق الأمر باللغة والرموز والفهم والأختزال وغير ذلك. ومثل هذه العوامل تولّد أمكانية كبيرة لمظاهر سوء الفهم ، لذا تشكل العوامل الثقافية تحديا آخر للمترجمين الأمر الذي يدفع لأمكانية تكييف الرسالة بفعل الأختلافات الثقافية التي تتدخل لدى التواصل بين شخصين من خلفيتين ثقافيتين متباينتين. وهذا بدوره يؤدي الى نشوء تفسير مختلف تماما من رسالة ما تحمل في الواقع معنى آخر. ومثالا على ذلك هناك بعض الأيماءات غير المهذبة في بعض البلدان والثقافات التي تستخدم بشكل طبيعي في ثقافات أخرى وهو أمر يمكن ان يؤدي الى أساءة غيرمقصودة في الثقافة الأخرى.
أذن هذا أمر لابد أن ينتبه اليه المترجمون فالعمل الترجمي في الواقع لايمكن أن يكون فاعلا مالم يتم تفسيره وفهمه بشكل صحيح. خلاصة القول أن السياق الثقافي للبلد الذي تنتمي أليه اللغة المقصودة يجب أن يؤخذ بعين الأعتبار. وفي بعض الثقافات يتواصل الناس بشكل ضمني ، وماعليك ألا أن تقرأ في مابين السطور فيما يتصرف الناس في ثقافات أخرى بشكل مباشر وصريح ، وهذا بدوره يثير جوانب سوء فهم أخرى. وتتسم بعض الثقافات بالحيادية وتتصف أخرى بالعاطفية وبكونها معبّرة وهو مايعقد عملية التواصل في مابين الأفراد.
وتبرز جوانب أخرى لدى التعامل الشفهي ، فعوامل مثل لغة الجسد ونبرة الصوت والوضع الجسماني تؤدي دورا مهما لدى محاولة فهم شخص أجنبي. وفي بعض البلدان لاينظر الناس الى بعضهم البعض اثناء الحديث وهو مظهر من مظاهر ابداء الأحترام بالنسبة اليهم. وعلى خلاف ذلك يعمد معظم الأوربيين على نحو طبيعي الى النظر الى محدثيهم أثناء التواصل.
أن تأثير الثقافة هام للغاية ، لذا يتعين على المترجمين أن يكونوا على دراية بالثقافة التي يعكفوا على ترجمتها الى اللغات الأخرى. من هنا نلاحظ أن الوكالات والشركات التي تقدم (خدمات الترجمة) تتعامل مع لغويين ناطقين باللغة الهدف مع التوثق من أن كلا من اللغة والثقافة تفهمان تماما وتترجمان بدقة.
الخبرة القطاعية
يتضمن عمل المترجم المحترف أحاطة كافية وخبرة في مجالات وأعمال معينة ويتعين عليه أن يتعاطى مع مواد مختلفة مثل الوثائق القانونية ووثائق التسويق أو المواقع الألكترونية وغيرها. وبصرف النظر عن الوثيقة التي تتم ترجمتها فأن من الضروري أن يكون المترجم ملما في المجال أو الحقل المعيّن لكي يكون دقيقا وموثوقا قدر الأمكان حيث أن عملية الترجمة تقتضي معرفة المفردات اللغوية ذات الصلة والأجراءات الصحيحة الخ. ولدى التعامل مع الوثائق التسويقية يتعين على المترجمين أن يترجموا الرسالة ويكيفوها مع ثقافة السوق الهدف وكذلك المجتمع ونمط الحياة. ومثالا على ذلك لدى ترجمة شعار بسيط فأنه لابد من تكييف الجملة في اللغة الأخرى حيث من المتوقع أن لاتتشابه القوافي في النصين (الأصلي والمترجم) أذا لجا المترجم الى الترجمة الحرفية. ومثل هذا الواقع يشكل عقبة كبيرة أمام المترجم ولن يتمكن من تخطيها سوى المترجم المبدع. وفي الترجمة القانونية يواجه المترجمون صعوبة بالغة لدى الترجمة الى لغة أخرى حيث يتطلب الأمر معرفة أختصاصية في هذا المجال لأن لكل بلد نظامه القانوني الخاص به ، فعلى المترجم أن يتعاطى مع ذلك وأن يكون على بيّنة بتلك الأختلافات. ولدى ترجمة أحد المواقع الألكترونية فأن الترجمة الحرفية لن تفي بالغرض المطلوب على الأطلاق حيث يتعين على المترجم أن يكيف النص بحيث ينسجم مع لغة البلد الآخر وألا فأن الترجمة لن تتسم بالأمانة والدقة المطلوبتين. من المهم أذن التقيد بمنهج (التوطين) localization وليس النهج العام للترجمة.
مرة أخرى الأمر لايتعلق بالطلاقة اللغوية فحسب أنما لابد من معرفة الثقافة وكذلك السوق الذي يماثل اللغة الهدف؛ كما أن الأمر يشمل تصميم الموقع الألكتروني خاصة مع لغات مثل اللغة العربية واللغة العبرية اللتان تكتبان من اليمين الى اليسار أو بعض اللغات الاسيوية. أن على المترجم أن يفي بتلك الشروط الخاصة للتوصل الى ترجمة ناجحة دون المساس بالرسالة الأصلية.
ترجمة المحتويات الخاصة
يتعين على المترجمين الذين يعكفون على ترجمة نصوص محددة مثل القصة أو الرواية الخيالية أن يترجموا العمل الأدبي باكمله ومعه السياق والعالم الخاص به وبيئته الى لغة أخرى. ومثل هذه العملية تضم بين دفتيها أبداعا في نقل القيم والتقاليد الثقافية بشكل يجعلها مفهومة للمتلقين كما لابد من تكييف تلك القيم دون تغييرها فعلى المترجم أن يظل أمينا للنص الأصلي. ولدى ترجمة الأفلام على سبيل المثال ينبغي أختيار المفردات والتعبيرات المناسبة أنسجاما مع كل مشهد من المشاهد مع الحفاظ على نوع من الترابط اللفظي ، وكل ذلك يؤكد دور الثقافة الهام في عملية الترجمة.
وتتناول الترجمة الأدبية نقل المشاعر والأحاسيس والعواطف وكذلك ترجمة الصيغ المجازية مع السعي الجدي لتكييف النص لضمان الدقة المطلوبة. مع ذلك يصعب في الغالب الحفاظ على سلامة أسلوب الكتابة ، وهو تحد آخر يحتم على المترجمين التعاطي معه. والشيء ذاته يحصل مع الشعر حيث ينبغي التعامل معه بأهتمام وحيطة للحفاظ على الرسالة الضمنية وأسلوب الكتابة فضلا عن جمالية النص مما يجعل ترجمة الأدب القصصي الخيالي دقيقا للغاية ويوجب أيلاء الأهتمام للعوامل الثقافية وكذلك هدف النص الأصلي.
كيفية التعامل مع التحديات
يتعين على المترجمين أن يحولوا التحديات الترجمية الى فرص مناسبة والعمل على أنجاز ترجمات ناجحة ودقيقة من خلال الألتفات الى النقاط الآتي ذكرها:
ابتعد عن الترجمة الحرفية: أجعل الترجمة تنسجم بدقة مع معنى الرسالة مع أستخدام التعبيرات المناسبة.
ينبغي أن تكون ضليعا بعملية الترجمة بما تحويه من مفردات فنية وأجراءات والأختصاص في حقول معينة.
عليك أن تقوم بالبحث والأستقصاء حيثما برزت الشكوك أثناء الترجمة.
لابد من أمتلاك مهارات التواصل: ومثل هذه الملكة ضرورية في ترجمة الرسالة دون تغيير هدفها مع الحفاظ على معناها الحقيقي.
يتضح من ذلك أن العمل في مجال الترجمات الأحترافية وكذلك العمل في الوكالات والشركات الترجمية يحتاج من الشخص أن لايقتصر على التحدث بلغتين فحسب ليكون مترجما. أن هذه المهنة تهتم كثيرا في أنتقاء المفردات المناسبة لنقل الرسالة الصحيحة بلغة أخرى وأن جودة عمل المترجم تتضمن ترجمة النصوص والوثائق وتوطينها بدقة وأمانة ، وهو عمل مضن دون شك.

Translation Challenges Faced by Translators

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close