الملالي والقاء الكرة في ملعب بايدن ..!

الملالي والقاء الكرة في ملعب بايدن ..!
بقلم
د. سالم الكتبي
في خطوة غير مفاجئة لي ولكثير من الباحثين والمراقبين، المطّلعين على تاريخ ملالي إيران وملفاتهم المليئة بالمناورات والانحناءات التي تأتي غالباً تحت شعار “تجرع كأس السم”، وتجسد عملياً مبدأ “التقية” السياسية، الذي يطّبقه الملالي بامتياز من خلال لعبة توزيع أدوار يجيدونها تماماً، ويسميها المخدوعون في طبيعة هذا النظام وهويته الأيديولوجية “صراع سياسي بين المحافظين المتشددين والاصلاحيين”، هذه الخطوة هي الأحدث في “إشارات” ملالي إيران للإدارة الأمريكية المقبلة بعدما تأكدوا من انطلاق عملية نقل السلطة في البيت الأبيض إلى الرئيس المنتخب جو بايدن، واعني بذلك التصريحات المتسارعة والمتواترة، التي صدرت خلال الأيام القلائل الماضية عن قادة الملالي حول التفاوض مع الولايات المتحدة.
بدأت هذه الإشارات بتصريح الرئيس الايراني حسن روحاني الذي دعا فيه الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس بايدن إلى “تعويض” إيران عما وصفه بـ”أخطاء إدارة الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب”، حيث ذكرت وكالة “إرنا” الرسمية أن روحاني أعرب عن أمله “بأن تقوم إدارة أمريكا الجديدة، في أولى خطواتها، بالتنديد بسياسات دونالد ترامب، وكذلك المبادرة بالتعويض عن سلوكه المتمثل في انتهاك حقوق الإنسان ودعم الإرهاب”.
هذا التصريح يأتي بعد فترة وجيزة من تلميحات روحاني عن استعداد بلاده للتعاون مع الرئيس الأمريكي الجديد، إذ قال في وقت سابق معلقاً على نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية “نشعر أن الأجواء مهيأة لإقامة علاقات أوثق وأفضل مع جميع الدول الصديقة”، مضيفا أن “مشكلة الإدارة الأمريكية الحالية هي أنها لم تكن على دراية كافية بالسياسة الدولية وكانت تنفذ آراء المتطرفين في الداخل والكيان الصهيوني”، وهو تصريح لافت في مفرداته وفحواه، فـ “الشيطان الأكبر” تحول إلى أحد الدول الصديقة، وأن مشكلة الملالي مع الولايات المتحدة لا تتعلق بموضوعات وقضايا أمنية واستراتيجية حساسة بل تتعلق فقط ـ كما قال روحاني ـ بعدم توافر دراية كفاية لدى إدارة الرئيس ترامب بقواعد السياسة الدولية!
المهم أن روحاني في تصريحه السابق قد القى بكرة البداية في ملعب الإدارة الأمريكية الجديدة قائلاً إن بلاده مستعدة لإجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة، بشرط عودة بايدن إلى الاتفاق النووي لعام 2015 ، ورفع العقوبات التي فرضها ترامب، ثم عاد وأضاف شروطاً أخرى منها مسألة “التعويض” سالفة الذكر!
قد يستغرب البعض هذه التصريحات في التوقيت الراهن، الذي تُتداول فيه سيناريوهات عن احتمالية اتخاذ الرئيس ترامب قراراً بضرب المنشآت النووية الايرانية قبل مغادرته البيت الأبيض في يناير المقبل، ولكن تحليل الموقف يؤكد أن التوقيت مستهدف تماماً، فالملالي يريدون ضرب عصفورين بحجر واحد من خلال إطلاق بالون التفاوض مع إدارة بايدن، أولهما وضع عراقيل أمام أي قرار محتمل لعملية عسكرية ودحض أي مبررات يفترض أن يقدمها الرئيس ترامب للكونجرس حتى لو لم يكن بحاجة إلى موافقته على توجيه ضربة محدودة ضد تهديد للمصالح الاستراتيجية الأمريكية، وبمعنى آخر فهم يلقون بالكرة في ملعب الإدارة الأمريكية الجديدة ويضعونها في موقف الدفاع عنهم بحجة رغبتهم في التفاوض وحرصهم على العلاقات مع “الدول الصديقة” وهي ـ بالمناسبة ـ عبارة منتقاة بعناية كرسالة لمن يهمه الأمر في واشنطن، وثانيها التعجيل بوضع الملف الايراني على طاولة الفريق الرئاسي الأمريكي الجديد كي لا ينشغل هذا الفريق بملفات أخرى في وقت يعاني فيه الاقتصاد الايراني أشد المعاناة جراء أثر العقوبات القاسية التي فرضها الرئيس ترامب، ولا تستطيع إيران تحملها لأشهر أخرى، وربما عام أو عامين قادمين بانتظار أن يحسم الرئيس الجديد موقفه وقراره في هذا الملف.
وبعد أن أدلى الرئيس الايراني بدلوه، خرج قمة هرم السلطة في نظام الملالي، وهو المرشد الأعلى على خامنئي ليحذر “من الوثوق بالأطراف الأجنبية من أجل إيجاد حلول لأي مشاكل قد تواجهها الجمهورية الإسلامية”، بينما أمسك محمود واعظي مدير مكتب الرئيس الايراني، بخيط الدور المرسوم له في إطار لعبة توزيع الأدوار، ليؤكد أنه لن يكون أي مفاوضات جديدة بشأن الاتفاق النووي، ولكن مايهمني ـ شخصياً ـ في تصريح واعظي هو اعترافه الرسمي بأن إيران ليست وحدها “المسرورة” بهزيمة ترامب انتخابياً بل الدول الحليفة للولايات المتحدة أيضاً، وقال “من الطبيعي أننا في إيران نرحب بالفشل الذي مني به ترامب”، وهو كلام يخالف تماماً تأكيدات الملالي بأن نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية لا تهمهم من قريب أو بعيد!
واعظي يخالف هذه المرة ـ عن قصد وللمناورة إعلامياً وسياسياً، تصريحات رئيسه روحاني، ويقول “المفاوضات حول الاتفاق النووي جرت في إطار مراحل، إلا أن ما حدث هو أن الدول الأخرى لم تف بالتزاماتها لذا فإن شرطنا الأهم هو احترام الالتزامات من قبل جميع الدول في إطار الاتفاق”، ويمضي قائلاً “لن تكون هناك مفاوضات جديدة حول الاتفاق النووي إذ أن المفاوضات بشأنه جرت وانتهت”! اللعبة هنا واضحة هذه المرة، وإلا فكيف للرئيس روحاني أن يعلن استعداد بلاده للتفاوض، ثم يعود مدير مكتبه ليقول أنه لا مفاوضات جديدة وأن باب التفاوض مغلق؟!
لنترك واعظي جانباً، فقد يبدو للوهلة الأولى أن هناك خلافاً بين روحاني وخامنئي حول المفاوضات، ولكن علينا أن نؤكد أولاً أن أي قرار يتعلق بالسياسة الخارجية الايرانية يجب أن يحظى بضوء أخضر من المرشد، وبالتالي فحديث روحاني عن أنه “لن يترك أي فرصة لرفع العقوبات عن بلاده” وأنه يرى “فرصة” في انتخاب إدارة أمريكية جديدة، لا ينطلق من فراغ، بل من ايماءة موافقة، ولو صغيرة، من لدن المرشد، الذي اعتاد في مثل هذه المواقف محاولة امساك العصا من المنتصف بحيث يترك هامش مناورة لمن يصفهم البعض بالاصلاحيين مثل روحاني، للتحرك لتحقيق أهداف النظام، مع ترك الحبل أيضاً للمتشددين لمهاجمتهم والتنديد بسلوكهم السياسي، وهي لعبة يجيدها الملالي جيداً كي تتاح لهم فرصة التهرب والتملص من أي عواقب أو فشل محتمل، والقاء تبعاته على جناح معين في النظام لا على النظام ككل، وفي ذلك مصلحة للجميع باتفاقهم وتوافقهم وتراضيهم!
من المهم أيضاً أن يلاحظ المراقب أن حديث خامنئي عن رفض فكرة التفاوض لرفع العقوبات تتمحور، لا على التفاوض مع الولايات المتحدة، ولكنها تركز ـ من دون تصريح مباشر ـ على رفض الاعتماد على الجانب الأوروبي كوسيط لرفع العقوبات الأمريكية، حيث يبدو من قراءة مجمل التصريحات المنشورة على لسان المرشد الايراني الأعلى، أن استيائه من الموقف الأوروبي ربما يفوق ما يكنه للسياسة الأمريكية، حيث ذكر عقب فاصل من الانتقاد الشديد للمواقف والسياسات الأوروبية حيال طهران: “من يتطلع إليهم البعض لرفع العقوبات، يكنون العداء لإيران، وظروفهم الداخلية غير واضحة، ولا يمكنهم اتخاذ مواقف واضحة بشأن القضايا الدولية، ولا يمكن الثقة بكلامهم، ووضع الخطط بناء على ما يصرحون به”، وهو نقد يراد به على الأرجح دول الاتحاد الأوروبي، وهذا يعني ضمناً أن خامئني يريد تعاملاً مباشراً مع الإدارة الأمريكية الجديدة بعيداً عن الوسطاء الأوربييين الذين يعتقد الملالي أنهم لم يلعبوا دوراً ايجابياً في تخفيف الضغوط الأمريكية عنهم طيلة السنوات الأربع الماضية، وهذا التحليل يتماهى تماماً مع تأكيدات روحاني بأنه يتمسك بفرصة وجود إدارة أمريكية جديدة، لأنه لن يتحدث بهذا الشكل المباشر من دون موافقة المرشد ودعمه ـ ولو كان خفياً ـ كما أشرنا سالفاً.
المباراة بدأت وأشواطها لا تزال طويلة، والملالي دفعوا بالكرة إلى ملعب فريق الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، ويجب على الأطراف والقوى الاقليمية الأخرى المتأثرة سلباً بالتهديد الايراني أن تلقي بكلمتها بقوة وسرعة، فالوقت لا ينتظر.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close