هجرة العرب نحو الغرب، الامريكيتين تحديدا ! (*) ح 2

هجرة العرب نحو الغرب، الامريكيتين تحديدا ! (*) ح 2 د. رضا العطار

ان مراحل الحياة في حركة المهاجر تتمثل دون شك في مظاهر الهجرة وصورة المهاجر العربي الذي تلفظه امواج الحياة على شواطئ غريبة، تجبره على منازلة الاقوياء في عقر دارهم، ما هي الا جولة في مكائد الزمن حتى يخرج النازح من حومة الكفاح كريما، يحتل الصدارة في مرافق الصناعة والتجارة، حتى يمتد احيانا نفوذه الى الاوساط السياسية الحاكمة. وهنا يطغي ظلال الاضواء البهيجة بالنسبة اليه على الاضواء الداكنة، لكن يمكن ان يحدث العكس، حيث تطغي الاضواء الداكنة البائسة على الاضواء المضيئة المسرّة، كما كان يحدث في الغالب. فقد طغت موجة الحنين الى الوطن وزاد الشوق لرؤية الاحباب الى درجة حدا بالشاعر الوهاج نسيب عريضة الذي لاقى من اثقال الحياة في الغربة ما حبب اليه حياة الوطن على علاتها، قوله:

احب بلادي وان لم انم * * * قرير الجفون بأحضانها

فكم أنّت النفس من بأسها * * * وناءت بأثقال اشجانها

تود الرجوع الى عشها * * * وليس الرجوع بأمكانها

ففي القرن التاسع عشر، كانت الهجرة زمن العثمانيين محظورة رسميا ومباحة عمليا،
تتم على ايدي المهربين. كانت البواخر الصغيرة حالما ترابط في ميناء بيروت، يهرع السماسرة ذوي الحناجر القوية الى اسواق المدينة والقرى، لأذاعة نبأ وصولها وموعد سفرها، فيتسابق القرويون الى استدانة المال اللازم للسفر من المرابين، عن طريق رهن كل ما يملكون من عقار واثاث، وتبدأ عملية التهريب.

السمسار يسلم المهاجر الى العسكري ( العثماني ) حرس الشواطئ، والعسكري يصعد به من وراء الكمرك الى قسم البضائع، ومسؤول القسم يدخله في الباخرة بصفة حمّال.
وفي الباخرة يتسلمه القهوجي ويضعه في احد المستودعات. وبهذه الحالة يصل المهاجر الى مرسيليا، ومنها يتسلمه سمسار جديد وينزله في خان، ولا تحمله باخرة تنقله الى امريكا إلاّ حينما يفرغ جيبه من الفلس الاخير.

وهناك في الباخرة يلتقي بأمثاله من المهاجرين ويعيش معهم عيشة القطيع، فإن صعدوا الى ظهر الباخرة تعرضوا للحر والبرد والامطار والرياح ان لم تكن عواصف، وان احتشدوا في الطابق السفلي كادوا يختنقون وكم مرة سلط عليهم البحار انابيب الماء الساخن لمنعهم من الاحتجاج على سوء المعاملة، وكم مرة حملتهم الباخرة الى حيث لا يقصدون وانزلتهم البلد الذي لا يوافقهم. والسعيد منهم من يجد على المرفأ انسانا في انتظاره. اما من لم تتوفر لديه هذه الوسائل ففراشه رصيف الشارع وطعامه الكسرة الباقية من زاد السفر في جعبته.

هكذا بدأت حياة الأديب في المهجر، الخاطر مكسور والمعنويات في درجة الصفر، لا امل ولا نجاة الا في العمل. ولكن في اي حقل يعمل وهو الغريب الخالي الوفاض ! التجارة تستلزم رأسمال. والزراعة تستهلك المهاجر جهود السنين الطويلة وما هو في حدسه الا عابر سبيل، يستعجل الثراء ليغذي اهله الجياع في الوطن وليدفع ما استدان من المرابي وليعود الى اهله في اقرب وقت.

من هذه الضائقة الخانقة تولدت في المهاجر مهنة ( الكشة ) – والكشة هي صندوق من الصفيح يسع لنقل 50-80 كيلوغرام، يحتوي على انواع من الخردة الرخيصة، يشده البائع الى ظهره بسيور من الجلد – فالمهاجر اذا وجد من يأتمنه على القليل التافه من لعب وامشاط وصابون، يطوف بها على المنازل طارقا ابوابها عارضا سلعه بالأيمائة والأشارة على ربات البيوت. وبعد التجوال طوال النهار في احياء المدينة يعود بغلته الى صاحب المتجر ليحاسبه على ما باع وما بقى ويجدد محتويات صندوقه استعدادا لجولة الغد.

هذه هي المشقات التي عاناها ادبائنا في اسفارهم، هو نوع الحياة التي عاشوها في المراحل الاولى من هجرتهم، هو جحيم كان لا بد من المرور به في الطريق الى النعيم. كفاح لاقى فيه المهاجر الجوال من عنت الطبيعة ومن عداء الانسان ما لم يلاقيه ابطال الاساطير ولكنه كان له المنجي الوحيد الذي يجد فيه النواة الصالحة لزراعة الآمال، نواة احسن البعض استثمارها فجنوا الاستقرار والاستقلال المادي، وبعضهم نزف عليها طاقة الشباب وهدر اغلى حقبة من عمره دون جدوى.

قال الشاعر صيدح يناجي مدينته دمشق قائلا :

يا مسقط الرأس والارحام تجمعنا * * * حاشا تغيرني في حبك الغِيرَ

انسى يميني ولا انساك يا وطنا * * * فيك بدأ – ليته فيك انتهى – العمر

اوصيك بالروح اقبلها متى انطلقت * * * الى ظلالك حيث النهر والشجر

حيث القباب على الاجداث حاضنة * * * مجد الجدود الذي ضاقت به الحفر

وحين جمعت سهرة لجماعة من الاصدقاء العرب المهاجرين في دار شيخ ثري في كراكاس عاصمة فنزويلا. وكان قبل الهجرة معلما في قرية في لبنان، الذين جاؤا لتهنئته بدخوله عامه السبعين. وهو في حال من النعمة يحسد عليها. فسأله احد الحضور فيما لو انه يشعر بسعادة الغانم الظافر في هذا اليوم. فأجاب :
( ليس هذا اسعد يوم في حياتي، بل اسعد يوم في حياتي كان يوم احصيت ما في جيبي من الارباح بعد التجوال بالصندوق طيلة ثلاث سنوات، فوجدتها قد بلغت ثلاثمائة ليرة، استطعت ان اشتري بها حمارا احمل عليه صندوقي بدلا من حمله على كتفي وان اوغل في التجوال الى مسافات بعيدة لا يصل اليها من يزاحمني على الرزق.

كم طويت القفار مشيا وحملي * * * فوق ظهري يكاد يقصم ظهري

كم قرعت الابواب غير مبال * * * بكلال، وقسر فصل وحسر

كم تعرضت للعواصف حتى * * * خلت ان الثلوج في القفر قبري

كم توسدت ضخرة وذراعي * * * تحت رأسي وخنجري فوق صدري

بمعنى ان الوطن الام لم يستطع ان يسعف هذا المعلم من محنته، لكن حماره اسعفه.
الحلقة التالية غدا !

* مقتبس من كتاب ادبنا وادباؤنا في المهاجر االامريكية لجورج صيدح بيروت 1957

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close