الدين والتدين

الدين والتدين، الدكتور صالح الورداني
————
إن القاعدة الأولى التي يجب معرفتها في عالم الأديان هى أن الأديان لم تأت لتحول الناس لملائكة..
وهى لم تنجع في هذا..
ومجتمعات الرسل لم تكن مجتمعات ملائكية..
وهو ما يشهد به القصص القرآني..
وما تشهد به سورة التوبة فيما يتعلق بمجتمع الرسول (ص)..
وقد أبرزت لنا هذه السورة العديد من الشرائح المنحرفة المنتشرة حول الرسول..
ولم يتمكن الرسول من تغييرها..
والمعجزات التي ملكها الرسل كان الهدف منها هو إثبات صدقهم وارتباطهم بالله سبحانه لا إدخال الناس في دعوتهم وكسبهم الى صفهم..
ولو كان الأمر بهذه الصورة لآمن الناس بإبراهيم (ع) بعد خروجه من النار حياً..
وما كانت هناك هجرة للرسل من مجتمعاتهم التي لم يحققوا فيها الهدف من بعثهم ورسالتهم..
وما نخرج به من هذا هو أن الدين لا يكره أحدا على اعتناقة ولا يلزم الاخر بشرائعه وأحكامه..
وهو لكونه يرتبط بالحياة الدنيا فهو في حقيقته علاقة مدنية مجتمعية آمن به من آمن وكفر به من كفر..
وهو حالة مدنية ترتبط بالحياة الدنيا لا بالآخرة..
والعبادات والأحكام والشرائع وجدت للحياة الدنيا لا للآخرة..
والله سبحانه لن يستفيد منها شيئاً إنما المستفيد هو المجتمع والناس..
وهذه الأحكام والشرائع لم تأت لتخلق جيلاً من الرهبان والوعاظ والمتسولين باسم الدين..
وإنما جاءت لفلاح الأمة وصلاحها وتقدمها..
وإذا لم يكن هناك فلاح وصلاح وتقدم في الدنيا فليس هناك دين..
ولا نصيب في الأخرة..
إن الدين في حقيقته يرتكز على ركيزتين هما : الإيمان والعمل الصالح ..
وما دون ذلك فأمور مذهبية لا يقوم على أساسها معتقد ولا يبنى عليها حكم ولا يجوز حولها تنازع..
والدين لم يكن أبداً وظيفة..
ولم يكن أبداً تمثله دولة أو جماعة أو مؤسسة أو حزب أو مذهب..
ولم يكن أبداً ضد الآخر وضد الحوار حول أدق القضايا وأكثرها حساسية..
والله سبحانه حاور الملائكة..
وحاور إبليس رغم عصيانه..
وهو ما كشف لنا أن الباب مفتوح على مصارعه لمناقشة جميع قضايا الدين- الحساسة منها والتقليدية- والتحاور بشأنها لا إلزام الناس بها..
وهذا كله ينفي تلك الصورة القاتمة المخيفة عن الدين التي أسستها الروايات والمذاهب وبرز على أساسها الإرهاب المعاصر..
من هنا إذا أردنا أن نفهم حقيقة الدين فمن خلال القرآن لا من خلال الروايات والمذاهب..
إن الدين في حقيقته يقوم على أساس النصوص الصريحة المحددة من خلال الكتاب وليس من خلال الروايات..
وهوكما حدد الكتاب يرتكز على ركيزتين هما : الإيمان والعمل الصالح..
وقد جاء ذكر الإيمان والعمل الصالح في أكثر من خمسين آية قرآنية..
ومن العمل الصالح العدل والإحسان والتسامح والرحمة والسلام والبناء والتعمير وهو ما استخلف الإنسان في الأرض لأجله..
وإذا كان الدين كما حدد البعض هو وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل وهذا يشتمل العقائد والأعمال..
أو أن الدين أصله المعاملة وطرفاه العبد والرب..
إلا أن المسلمين اليوم ركزوا على العقائد وأهملوا العمل..
وهذه العقائد التي تتعصب لها المذاهب والفرق شئ وأصول الدين وثوابته شئ آخر..
الدين من صنع الله وهو دوماً مع مصلحة العباد وأمنهم وسلامتهم..
والعقائد والمذاهب من صنع الرجال..
وسلطة التكفير والتحريم بيد الله وحده ولا يملكها مذهب أو فقيه..
وفكرة دولة الخلافة التي تنادي بها وتسعى لتحقيقها الفرق السلفية التكفيرية الجهادية والتي استحلت من أجلها الدماء والأموال ، فكرة وضعية من صنع السياسة ولا صلة لها بالدين..
وحفظ الدماء والأموال حقيقة ثابتة في جميع الشرائع والأديان،ومن ينقض هذه الحقيقة لا دين له ولا وطن..
وإن من يعمل على فرض الدين بالقوة لا يعمل باسم الدين وإنما يعمل باسم المذاهب المتعصبة التي تم إلصاقها بالدين..
أما التدين الحقيقي فهو التمسك بحقيقة الدين وجوهره لا شكلياته ومظاهره..
التدين يكمن في العمل الصالح ..
وكلما أكثر المرء من العمل الصالح كلما كان أكثر تديناً..
وليس التدين بإطلاق اللحية وتقصير الجلباب والتحلي بعمامة والإكثار من الذكر والصلوات والاعتكاف في المساجد والصروح..
قال تعالى : لَّيْس الْبرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لَكِنَّ الْبرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ وَ الْمَلَئكةِ وَ الْكِتَبِ وَ النَّبِيِّينَ وَ ءَاتى الْمَالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبى وَ الْيَتَمَى وَ الْمَسكِينَ وَ ابْنَ السبِيلِ وَ السائلِينَ وَ فى الرِّقَابِ وَ أَقَامَ الصلَوةَ وَ ءَاتى الزَّكَوةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَ الصبرِينَ فى الْبَأْساءِ وَ الضرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولَئك الَّذِينَ صدَقُوا وَ أُولَئك هُمُ الْمُتَّقُونَ .. البقرة /177
جاء في مجمع البيان للطبرسي : بين سبحانه أن البر كله ليس في الصلاة فإن الصلاة إنما أمر بها لكونها مصلحة في الإيمان و صارفة عن الفساد ،و كذلك العبادات الشرعية إنما أمر بها لما فيها من الألطاف و المصالح الدينية و ذلك يختلف بالأزمان و الأوقات، فقال ليس البر كله في التوجه إلى الصلاة حتى يضاف إلى ذلك غيره من الطاعات التي أمر الله بها..

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close