هل تفكر امريكا بالتخلي عن العراق وماهي الاشكاليات والمحددات والاسباب ؟؟؟

د.كرار حيدر الموسوي

امريكا تعتقد ان التخلي عن العراق هو خسارة كبيرة في ظل هذا الظرف لاسباب ،ان امريكا التي تعداد سكانها مايقرب من 5% من سكان العالم تستهلك مايعادل25% من مصادر الطاقة في العالم، وهي اكبر اقتصاديات السوق مع الصين في العالم. لكن امريكا الان بحاجة لتعويض ما فاتها من خسائر كبيرة بفعل جائحة كورونا ،وتنظر الى العراق على انه احد مصادر التعويض هذه. وترى ان 40% من النفط والماء العذب في العالم يكمن في اوراسيا التي تمتد في بلدان اسيا السوفيتية سابقا الى الشرق الاوسط..

يخمن الخبراء الدوليين ان العراق يمتلك 10% من مصادر النفط والغاز في العالم، وان تلك الثروة مدفونة في اعماق اراضيه الممتدة من ميسان الى الانبار .. وعلى اساس ذلك فلا امريكا يمكن ان تفرط بالعراق ولا الصين. ولهذا استعجل الامريكان لكي تكون هناك مفاوضات مع الحكومة العراقية لترتيب نمط العلاقة القادمة وتسويغ التواجد العسكري بهدف قطع اي رابط موجود في العلاقة بين العراق والصين ، ولاسيما العلاقة الاستثمارية و الاقتصادية و التجارية. و إعاقة اي تسهيلات ممكن ان يكون للعراق اثر فيها لامداد طريق الحرير الذي عملت عليه الصين في السبع سنوات الاخيرة بشكل كبير. المخطط الامريكي يكمن في دعم حكومة مصطفى الكاظمي ودفعه لان يكون له حضوة في السلطة… واعداده ليكون الشخص المؤثر وان يحقق ماتريده امريكا من دون اعتراض . السيناريو المعد في التعويضات لايكمن في بيع النفط او الغاز لان النفط والغاز اصبح بضاعة ثمنها بخس، فعلى سبيل المثال ان سعر برميل الماء يتجاوز المائة وعشرون دولاروسعر برميل الكحول يتجاوز المليون دولار وسعر برميل العطور الراقية يتجاوز الاثنى عشر مليون دولار في حين ان سعر برميل النفط صافي السعر الحقيقي يتراوح بين الثلاثين و الاربعين دولار ..بمعنى ان سعر النفط لايعادل سعر مشروب كحولي ولا يعادل سعر عطر ولا يعادل سعر الماء .

المقترح الذي تراه امريكا ناجعا، وتدرسه كثيرا الان في عراق ديسك، وهي المؤسسة التي تهتم بملف العراق مع امريكا في الخارجية الامريكية والتي اعدت المسودة الاولية للاتفاقية مع العراق والملاحق المرفقة بها؛ كما انها مع وزارة الدفاع باشرت باعداد خطة لاعادة الاموال المكتنزة من القيادات السياسية ومن قيادات الفصائل المسلحة .. تكمن الخطة التي تقدموا بها الى دونالد ترامب المشغول بالانتخابات الرئاسية ؛؛ في اعتقالهم بوساطة قوات مكافحة الارهاب مع قوات جوية امريكية( قوات خاصة) تقوم بنقلهم الى سجون قريبة من السفارة الامريكية قرب مقر قيادة العمليات المشتركة، وقريبة من مقر المجلس الاعلى لمكافحة الارهاب؛؛ وتقوم العملية على نفس الفكرة التي قامت عليها امريكا مع السعودية عندما امرت محمد بن سلمان بان يعتقل الوليد بن طلال واحمد بن عبد العزيز و محمد بن نايف ونايف بن احمد ونواف ابن نايف ووضعتهم في فندق تابع لعائلة ال ماريوت وال سعود وهو فندق ماريوت خمس نجوم ،واخذت منهم مايعادل ثلاثمائة مليار دولار تحولت الى الخزانة الامريكية، بصيغة تعاقدات على اسلحة وخدمات استشارية في مجال مكافحة الارهاب.. و بذات الأسلوب فعلته روسيا بوتين ،عندما طلب وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو من بشار الاسد بان يدفع ثلاث مليارات، وهي اموال في ذمة الحكومة السورية للفعاليات العسكرية للجيش الروسي ، وعندما طلب التأجيل ،ابلغه بانه يمكن الاستحصال من اقطاب الفساد الذين كان اهمهم عائلة ال مخلوف الذي كان ابنهم رامي مخلوف هو الاشهر.. وكان مخلوف يملك مايقرب من احد عشر مليار دولار… وايضا قام بشار الاسد باعتقال اكثر من ثمانية وعشرين رجل اعمال سوري من بينهم ابن عمه دريد الاسد؛ ووضعهم قيد الاقامة الجبرية بحجة التلاعب بالبنك التجاري السوري، وامتلاكهم ميليشيات غير نظامية بدأت تتجاوز على القوات الحكومية في مناطق داخل اللاذقية وحماة. وبالتالي مثلما فعل محمد ابن سلمان وبشار الاسد كان المفروض ان يفعل مصطفى الكاظمي بالرغم من عدم امتلاك الرجل لعناصر القوة و الشجاعة و عدم قدرته الشخصية ،ولكنه كان سينفذ اوامر الامريكان بالأدوات الامريكية لو ان ترامب فاز بالرئاسة لدورة ثانية .

ولكن الحقيقة قد تكون ؟؟؟بهدوء مر خبر خفض الولايات المتحدة لعدد دبلوماسييها العاملين في بغداد ، لم يبق من الدبلوماسيين الامريكان الفاعلين في اكبر سفارة امريكية في العالم سوى اقل من (15) دبلوماسيا ، سيعتبر الكثير من العراقيين هذا القرار اعترافا امريكيا بالفشل المستمر ، لاسيما ان واشنطن لم تعد تفكر بفتح قنصليتها المهمة في البصرة منذ اغلاقها في ايلول من عام 2018 بسبب قصف وتهديدات امنية ، فالولايات المتحدة تجر اذيال الخيبة منذ بدأ التوتر الامريكي الايراني يتصاعد في الساحات الامامية والخلفية ،كان العراق ومايزال الساحة الاهم لهذا الصراع واثمن الساحات لكلا الطرفين ،وعندما عجزت الولايات المتحدة عن تمكين الاقرب الى رؤيتها من الفوز بالمناصب الكبرى الاساسية في تشكيلة الحكومة العراقية ،عد ذلك تراجعا واضحا للنفوذ الامريكي وخسارة سياسية كبيرة يقابلها تقدم حاسم للدور الايراني ، ولان صراع الطرفين الامريكي والايراني يتركز في بعديه الجيوسياسي والجيوستراتيجي على مفاتيح كبرى للفوز بنتائج هذه المنازلة ، كان اهم هذه المفاتيح يقع في قبضة ايرانية واضحة حتمت خفضا دبلوماسيا امريكيا بما يعني تراجعا واضحا واقرارا بتضاؤل الاهتمام والحضور الامريكي في العراق
تحاول وزارة الخارجية ان تبعد عن نفسها تهمة التخلي عن العراق بادعاء المراجعة الدورية للتهديدات وضمان امن العاملين في سفارتها وقنصلياتها ،لكن العارفين ببواطن الامور يدركون ان المؤشرات باتت واضحة عن مقدار الحرج الامريكي في العراق ،فقد بات هذا البلد يشكل خاصرة رخوة في الستراتيجية الامريكية في المنطقة ،وان تعزيز الوجود العسكري فيه ليس لاهميته البالغة في هذه الستراتيجية بل لكونه خرج عن سلم الاولويات ولغرض المحافظة على الوجود الامريكي على المدى البعيد ، ولولا الالتزام الامريكي باستمرار التصدي لداعش ، لجاء قرار الانسحاب العسكري مماثلا لقرار الانسحاب من سوريا ،امريكا تشعر انها في ورطة حقيقية بالعراق وعلاقاتها ببغداد هي الاضعف حاليا منذ عام 2003 كما يقول مصدر دبلوماسي مطلع ،وازمة الثقة بين بغداد وواشنطن تتصاعد ولم تعد امريكا مسموعة ومؤثرة حتى في القضايا التي تقلقها ،فمابين التزاماتها الضخمة وطموحاتها وامالها الكبيرة ،لايبدو ان اصدقاء امريكا وحلفاءها قادرون على تغيير جدي في المواقف العراقية من الازمة المتصاعدة في المنطقة ، ويشعر الامريكان انهم لايجنون مكاسب جدية في مقابل التزاماتهم العسكرية وانفاقهم الكبير ،بل ان القوى المناوئة لهم تمارس ضغطا كبيرا وتهديدات متواصلة تحرجهم امام حلفائهم الاقليميين ، وهناك من يسعى لكي يكون بديلا عن العراق في المنظور الستراتيجي ،خصوصا مع الاقرار المتزايد بان ايران نجحت في اختراق جبهة اصدقاء امريكا واستطاعت تدوير مواقفهم لصالحها ووضعتهم على سكة التكسب من المشاركة في السلطة العراقية.

امريكا في وضع غير مريح في العراق ،وهذا يكفي لدفع الادارة الامريكية ومراكز الضغط والتفكير لحساب جدوى هذا الالتزام المكلف ،بما سيؤول الى التعامل الجاف والضغط المتزايد باتجاه تخيير الحكومة العراقية في العديد من السياسات ،اما ان يكون العراق مع امريكا ، او ان يتحمل سلسلة عقوبات وتحذيرات ومجازفات ،كان اخرها وضع جماعة من الشخصيات العراقية على لائحة العقوبات ذات الصلة بالصراع الامريكي الايراني ، وستصدر قوائم جديدة كما يتوقع المطلعون في سياق الضغط السياسي.

ان الالغاء المتكرر لزيارة رئيس الوزراء العراقي الى واشنطن ، ورسائل التحذير الجافة تنذر بخريف جديد للعلاقة بين واشنطن وبغداد ،وهو ماسيؤدي الى اهتزاز معادلة الاستقرار السياسي والامني في العراق ،اذ ان هذه المعادلة تعتمد على توافق ضمني ايراني – امريكي واي اهتزاز في هذا التوافق والتعهد الضمني سيعني رجحان كفة فريق على اخر ، واضطراباً سياسياً ينتهي الى تصدع امني وركود اقتصادي ،يأتي هذا التهديد في وقت تحتاج فيه حكومة السيد عبدالمهدي الى فترة هدوء واستقرار لتتفرغ لالاف المشكلات ذات الطبيعة المهددة للاستقرار المجتمعي والسياسي ، قدر العراق في هذه اللحظة التاريخية ان يكون محطة التوازن الكبرى في منطقة لاتعرف الاتزان والاعتدال ،ومع تخلخل معادلة التوازن هذه ،يكون العراق قد انخرط تدريجيا في معركة الصراع بين طرف اقليمي واخر دولي من دون ان يكون له في ذلك قرار او ارادة واعية ،وسيخسر الكثير مع توالي تدخلات وضغوط المتصارعين عليه وفي داخله.

أنه منذ أن استكملت الولايات المتحدة سحب جنودها من العراق عام 2011، تركزت السياسة الأمريكية حيال العراق، بشكل ضيق على إلحاق الهزيمة العسكرية بتنظيم داعش، مع قليل من الإلتفات إلى السياسات العراقية المحلية، معتبراً أن هذا الأمر خطأ.

من المرجح أن يصبح العراق أكثر أهمية لإيران كقناة توفر الوصول إلى الأسواق والطرق التجاريةوساهمت هموم السياسة الخارجية الأمريكية الملحة مثل القمة مع كوريا الشمالية ومن بعدها القمة الأطلسية، في حرف اهتمام صانعي القرار عن النتائج التي أتت بها الإنتخابات البرلمانية العراقية التي أجريت في 12 مايو (أيار)، والجهود التي تلتها من أجل تشكيل حكومة إئتلافية. ويمكن للإنهماك الأمريكي في الإنتخابات العراقية أن يساهم في تهدئة القلق على صعيد ثلاث مسائل استراتيجية في المنطقة هي: هزيمة داعش، ومواجهة النفوذ الإيراني، وخفض عدم الاستقرار الإقليمي.

و أن المفاوضات المعقدة حول تشكيل الحكومة في السنوات الأخيرة كانت لها تبعات محرجة على المدى الطويل في ما يتعلق بالاستقرار الداخلي للعراق. وبعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2011، بدأت حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي تطييف المؤسسات الحكومية لمصلحة الغالبية الشيعية. ويمكن ملاحظة ذلك إلى حد كبير في قوات الأمن العراقية. وعلى سبيل المثال، كانت نسبة الشيعة في قوى الأمن الداخلي تعد نحو 55 في المئة، لكن هذه النسبة ارتفعت إلى 95 في المئة عام 2014. ثم استغل داعش التصاعد اللاحق في التوترات الطائفية للحصول على الدعم المحلي. ودعمت الولايات المتحدة اقتراح تولي المالكي رئاسة الوزراء عام 2006، وساعدت بذلك عن غير قصد في إرساء الأساس لطفرة داعش الدراماتيكية عام 2014 ، وهذا ما يفترض بالمسؤولين الأمريكيين أن يكونوا أكثر حذراً في اختيار المرشحين لمنصب رئيس الوزراء.

وإلى ذلك، كانت المعارضة داخل حكومة المالكي عاملاً حاسماً في قرار إدارة أوباما عدم تجديد اتفاق وضع القوات الأمريكية عام 2011، مما ضمن عدم وجود أي قوات أمريكية في العراق مع ظهور تنظيم داعش. وتكمن المشكلة في أن تشكيل الحكومة العراقية سيؤثر على ما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع الاستمرار في الشراكة مع قوى الأمن الداخلي كما فعلت خلال الحرب ضد داعش وبالتالي فإن حكومة المستقبل التي ترفض التعاون العسكري الأمريكي يمكن أن تهدد المكاسب التي حققتها بصعوبة القوات المسلحة العراقية ضد داعش، بمساعدة قوات خارجية، منذ عام 2014. وإلى ذلك يمكن لحكومة أخرى ذات نظرة طائفية صريحة أن تولد شروط الاستقطاب الطائفي نفسها التي ساعدت على بروز تنظيم داعش والجماعات المتطرفة الأخرى.

و أن إيران تمكنت من زيادة مكانتها في المنطقة من طريق بناء علاقات وثيقة مع بعض كبار المسؤولين الحكوميين العراقيين والميليشيات العراقية التي تقاتل داعش. ومن وجهة نظر إيران، فإن العراق حليف جديد مهم نظراً إلى تاريخ العداوة بين الحكومة الإيرانية وعراق صدام حسين والحرب الإيرانية-العراقية، ومن المرجح أن يصبح العراق أكثر أهمية لإيران كقناة توفر الوصول إلى الأسواق والطرق التجارية.

و أن النتائج الحالية للانتخابات تتيح للمسؤولين الأمريكيين فرصة المشاركة في التواصل الديبلوماسي لدعم عملية تشكيل الحكومة في العراق. ولا شك في أن المناورة للحصول على منصب في الحكومة الإئتلافية تشكل فترة خطيرة على الاستقرار في العراق، لكنها توفر فرصة للولايات المتحدة للمشاركة بشكل بناء مع القيادة المستقبلية للعراق، والعمل على منع عودة ظهور الجماعات المتطرفة مثل داعش، فضلاً عن الدفع ضد النفوذ الإيراني في العراق.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close