ملك اليمين (1)

ملك اليمين (1)، الدكتور صالح الورداني
———
تعد فكرة ملك اليمين من الإشكاليات التى لم يتمكن من حسمها الفقهاء على مستوى الماضي والحاضر..
ومكمن الإشكال في تصوري يعود لغلبة العقل الروائي على العقل القرآني..
ويعود في الأساس الى عدم فهم الدين وهل هو حالة مدنية توافقت مع المجتمع العربي أم تصادمت معه..؟
أم هو حالة تشريعية جاءت لتلقي بالأحكام في مواجهة الواقع دون حساب..؟
وقد لعبت الروايات وأقوال الفقهاء الدور الأكبر في سوء الفهم حول فكرة ملك اليمين..
والقرآن وإن كان قد أقر هذه الفكرة فقد أقرها كحالة اجتماعية كانت متوطنة في واقع العرب كما هو حال الرقيق..
وكما أوجب الخلاص من ظاهرة الرق أوجب الخلاص من ظاهرة ملك اليمين بالتبعية..
من هنا لا يعد ملك اليمين سوى ظاهرة سلطت الأضوء عليها في وقتها..
ولا يعد من الأحكام القرآنية..
وكانت العلاقات بين الرجال والنساء وقتئذ فوضوية ولا تحكمها ضوابط خلقية..
جاء في البخاري وكتب السنن عن عَائِشَةَ : أَنَّ النِّكَاحَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ ابْنَتَهُ، فَيُصْدِقُهَا، ثُمَّ يَنْكِحُهَا..
وَالنِكَاحُ الآخَرُ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لامْرَأَتِهِ – إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا – أَرْسِلِى إِلَى فُلانٍ فَاسْتَبْضِعِى مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلا يَمَسُّهَا أَبَدًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِى تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ..
فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا، إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِى نَجَابَةِ الْوَلَدِ..
فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاسْتِبْضَاعِ..
وَنِكَاحٌ آخَرُ، يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا..
فَإِذَا حَمَلَتْ، وَوَضَعَتْ، وَمَرَّعَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ ..
حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، فَتَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِى كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ، وَقَدْ وَلَدْتُ وَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلانُ تُسَمِّى مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ..
وَالنِكَاحُ الرَّابِعِ، يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ الْبَغَايَا..
كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا،وجُمِعُوا لَهَا، فَدَعَوْا الْقَافَةَ لَهُمُ ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِى يَرَوْنَ فَالْتَاطَ بِهِ وَدُعِىَ ابْنَهُ لا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ..
والقائف هُوَ الَّذِي يَعْرِف الشَّبَهَ أي شبه الولد بالوالد وَهو الذي يُمَيِّزُ الْأَثَرَ أيضاً..
فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ (ص) بِالْحَقِّ، هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ..
ويلاحظ ان عاءشة لم تشر في روايتها الى ملك اليمين..
الا انه يمكن القول أن ظاهرة ملك اليمين حالها كحال تلك الظواهر الجاهلية الموروثة التي سلط القرآن الضوء عليها..
ولا يعنينا هنا سوء الفهم واستغلال ملك اليمين من قبل الخلفاء في مرحلة ما بعد رحيل الرسول (ص) التي زاد فيها الرق نتيجة الغزوات غير المشروعة..
هذه المرحلة التي سادت فيها الروايات على حساب القرآن..
وهى مرحلة نشأة المذاهب والفرق على أساس هذه الروايات..
وما يعنينا هو إضفاء المشروعية من قبل الفقهاء على هذه الغزوات..
واستغلالهم الروايات التي تتعلق بالرق وملك اليمين وإخضاع نصوص القرآن لها..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close