ملك اليمين (2)

ملك اليمين (2)، الدكتور صالح الورداني
————-
جاء الإسلام ليحد من العلاقة الفوضوية التي كانت سائدة بين الرجل والمرأة في الجاهلية..
والتي أشرنا لصور منها فيما سبق من خلال رواية عائشة..
ولم يكن من الحكمة التصدي لهذه الصور واستئصالها دفعة واحدة..
من هنا التزم الإسلام في مواجهتها بنهج التدريج..
أي استئصالها على مراحل..
وعلى رأسها ملك اليمين..
وقد ذكر ملك اليمين في القرآن أربعة عشر مرة في سورة النساء والنحل والمؤمنون والنور والروم والأحزاب والمعارج..
وجميع هذه السور مدنية عدا سورة المؤمنون والروم والمعارج..
جاء في سورة المؤمنون : وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظونَ إِلا عَلى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَت أَيْمَنهُمْ فَإِنهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِك فَأُولَئك هُمُ الْعَادُونَ..
وجاء في سورة المعارج وَ الّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظونَ إِلا عَلى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَت أَيْمَنهُمْ فَإِنهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِك فَأُولَئك هُمُ الْعَادُونَ..
وجاء في سورة الروم : ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون..
في سورة المؤمنون والمعارج تخيير بين الزوجة وملك اليمين..
وسورة الروم تتحدث عن استنكاف الشراكة مع ملك اليمين..
وفي كلتا الحالتين إقرار بوجود الظاهرة في الفترة المكية..
وهى فترة لم يكن فيها قوة ولا نفوذ للمسلمين..
ولم تكن بها بالطبع غزوات..
وهو ما يشير الى أن وجود ملك اليمين كان لأسباب أخرى غير الغزو والسلب..
ويضعنا امام خيارين:
إما أن يكون ملك اليمين غير الرق..
وإما أن يكون امتدادا للرق..
في الحالة الأولى يكون ملك اليمين ظاهرة اجتماعية متعارف عليها ومتوطنة عند العرب من قبل الاسلام..
وهى أشبه بظاهرة ارتباط أو احتماء بعض الأسر الضعيفة والفقيرة بالبيوت الكبيرة ذات المكانة والنفوذ..
وفي الحالة الثانية يكون حاله كحال الرقيق..
وإذا سلمنا بالخيار الثاني فإن الإسلام كما جاء للقضاء على ظاهرة الرق جاء للقضاء على ظاهرة ملك اليمين أيضاً..
وما تشير إليه نصوص القرآن هو أن المسألة في دائرة التخيير بين الزوجة وملك اليمين..
وهو ما يعني أن من لا يقدر على عف فرجه بالزواج فيمكنه ذلك عن طريق ملك اليمين لكونه أيسر وأقل تكلفة..
ويعني أيضاً أنه من النكاح المشروع في تلك الفترة..
وحتى في زمن مشروعيته لم يكن متيسراً لغير القادرين..
وما عليه الفقهاء وأهل المذاهب هو أن ملك اليمين يختص بالإماء أي بالرقيق..
قالوا : إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح أو بالثمن ملك استمتاع بالمهر و النفقة أو ملك استخدام بالثمن..
ملك اليمين في قوله : ( أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) في السبي خاصة و هو مذهب الجمهور أي أهل السنة..
وجاء في أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن: ملك اليمين لم يرد في القرآن إلا بمعنى الملك بالرق..
وملك اليمين المراد به الإماء لأن الذكور من المماليك لاخلاف في وجوب حفظ الفرج منهم..
وجاء في فقه القرآن : إعلم أن الإماء يستباح وطؤهن باحدى ثلاثة أشياء : العقد عليهن بأذن أهلهن ، وبتحليل مالكهن الرجل من وطئهن واباحته له وان لم يكن هناك عقد ، وبأن يملكهن فيستبيح وطأهن بملك الايمان . وانما يملكهن بوجوه معلومة من الشرى والهبة والارث والسبي..
فإذا امتلك رجل امرأة حلَّ له أن يستمتع منها بملك اليمين ، والمرأة إذا امتلكت عبداً لا يحل لها أن تستمتع منه بملك اليمين..
وجاء في الكافي في الفقه : وأما ملك اليمين فيكون بأحد أسباب التمليك من بيع أو هبة أو صدقة أو غنيمة أو ميراث..
ويحل وطؤ الأمة المبتاعة والمسبية لشيعة مستحقي الخمس وآبائهم دون سائر الفرق لتحليلهم شيعتهم وآباءهم من ذلك لتطيب مواليدهم. ويحل الجمع بين كثير العدد وقليله من الإماء في الملك والوطئ..
وجاء في فتح الباري شرح البخاري قَالَ أَنَس : وَالْمُحْصَنَات مِنْ النِّسَاء ذَوَات الْأَزْوَاج الْحَرَائِر حَرَام إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ ، لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَنْزِع الرَّجُل جَارِيَته مِنْ عَبْده فيطأها..
وكذا فِي كِتَاب أَحْكَام الْقُرْآن بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَالْمُحْصَنَات ) ذَوَات الْأَزْوَاج الْحَرَائِر ( إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ ) فَإِذَا هُوَ لَا يَرَى بِمَا مَلَكَ الْيَمِين بَأْسًا أَنْ يَنْزِع الرَّجُل الْجَارِيَة مِنْ عَبْده فَيَطَأهَا..
وَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُحْصَنَاتِ ذَوَات الْأَزْوَاج يَعْنِي أَنَّهُنَّ حَرَام ..
وَأَنَّ الْمُرَاد بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْله ( إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ ) الْمَسْبِيَّات إِذَا كُنَّ مُتَزَوِّجَات فَإِنَّهُنَّ حَلَال لِمَنْ سَبَاهُنَّ..
هذه صور مما جاء في مصادر السنة والشيعة حول ملك اليمين..
وقد تبنى فقهاء السنة ومذاهبهم هذا التصور عن ملك اليمين على أساس مشروعية حكم الخلفاء وغزواتهم..
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا : لماذا تبنى فقهاء الشيعة هذا التصور وهم لا يعترفون بمشروعية الخلفاء ولا غزواتهم..؟
ثم ما صلة فقه الإماء وملك اليمين بواقعنا..؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close