الصراع على السلطة والتحالفات النخبوية الجديدة في العراق

كاظم حبيب
الصراع على السلطة والتحالفات النخبوية الجديدة في العراق
انتهاك صارخ لحقوق الإنسان والمجتمع
“يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء.”.
المادة الأولى، اللائحة الدولية لحقوق الإنسان
10/12/1948
ألوان اللوحة السياسية الراهنة في البلاد تبدو قاتمة جداً، والسماء تبدو مكفهرة لا تسمح للشمس بإيصال أشعتها ودفئها للناس أبناء وبنات الوطن المستباح، كما وكأن ليس هناك من ضوء في نهاية النفق الطويل الذي أدُخل العراق فيه من قبل التحالف الأمريكي-الإيراني والشيعي-الكردي قبل وبعد الحرب التي أطاحت بالنظام الدكتاتوري والفاشي عام 2003. فالصراع على السلطة يتخذ أبعاداً جديدة وتنشأ عنه تحالفات جديدة ومشكلات أكثر تعقيداً وإيذاء للشعب واستقلال الوطن وسيادته. ومع ذلك فهناك أمل يتجدد في نفوس المناضلين المدنيين والديمقراطيين البواسل الذين رفعوا راية النضال قبل وأثناء الانتفاضة التشرينية والمستمرة بصيغ مختلفة حتى الآن. وهو لا يقتصر على الأمل، بل يبدو أن جهوداً ما تزال غير كافية تبذل لمواجهة التكالب الشرس من جانب النخب السياسية المشاركة في الحكم الطائفي-الأثني المريض للإبقاء على النظام السياسي الطائفي-الأثني ومحاصصاته المذلة، مع استمرار صراعاتها للحصول على اقصى ما يمكن لكل طرف منها من الكعكة العراقية، من السلطة والمال والنفوذ! إن جشعهم للمال والسحت الحرام كالنار في الهشيم، “يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ”. إن بطونهم لا تشبع وجيوبهم لا تمتلئ، إنها، وبهم، تبرز الكوارث المحدقة بالعراق، بشعب العراق، بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية الديمقراطية. ومن لا يعي هذا الاتجاه الخطر الجاري على الساحة السياسية العراقية، فهو غير قادر، أو لا يريد أن يؤشر بوضوح جوهر العملية السياسية المشوهة الجارية والمناهضة لإرادة الشعب ومصالحه الفعلية التي تحاك في السر والعلن للعراق منذ أن تولى مصطفى الكاظمي الحكم، باعتباره جزءاً عضوياً من ذلك التحالف الجديد القديم بقيادة جديدة ليست أحسن بل أسوأ مما حصل للعراق حتى الآن.
إن المسائل المركزية الخمس التي تتحرك عليها إيران ومعها البيت الشيعي الطائفي تبرز في:
1) أن يبقى الحكم في العراق طائفياً محاصصياً تقوده القوى الشيعية الطائفية مع حليف ضعيف ومساوم يتمثل بالقوى والأحزاب السنية المشاركة في الحكم والمتصارعة فيما بينها أيضاً. مع تشتيت وإضعاف شديدين ومستمرين للقوى والأحزاب الكردية الحاكمة في الإقليم، مقترنة بمحاولة جادة لرفع أسهم ودفع قوى الإسلام السياسي الكردية في الإقليم إلى مقدمة الأحداث وتصدرها.
2) أن يبقى النظام السياسي العراقي حليفاً تابعاً للقيادة الإيرانية، وان يكون العراق شبه مستعمرة لها، بما يجعل منه عمقاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً لإيران في صراعاتها السياسية للهيمنة على منطقة الخليج ولعب دور أكبر كقوة إقليمية متنفذه في الشرق الأوسط.
3) أن يبقى للدولة العميقة في العراق، بكل مؤسساتها العسكرية (الميليشياوية الولائية) ومنظماتها الدينية ومكاتبها الاقتصادية وبنوكها العاملة ومجموعات الاختطاف والاغتيال، الدور الفاعل والمهيمن على قيادة الحكم في البلاد والموجه لها، وأن تحافظ على وحدة هذه الميليشيات وإضعاف ما يطلق عليه بميليشيات العتبات التي يقال عنها إنها تابعة للمرجع الشيعي الأعلى السيستاني، إضافة إلى سعيها لتوحيد البيت الشيعي تحت قيادة مقتدى الصدر وقبول نوري المالكي بذلك بالرغم منه ومن بعض قوى قائمته. إنها الضرورة الإيرانية في العراق!
4) إبعاد الوجود السياسي والعسكري للولايات المتحدة الأمريكية من العراق وإضعاف مستمر للوجود العسكري الدولي الراهن، وإحلال غير معلن للوجود العسكري الإيراني الأوسع فيه، بما يحقق لها، بموجب تصريحات مستمرة للقادة السياسيين وأئمة إيران الشيعة الصفويين المدّعية بأن العراق كان وسيبقى جزءاً من الإمبراطورية الفارسية العظمى!
5) إبعاد العراق عن محيطه العربي، رغم إن المحيط العربي ليس نظيفاً ونظمه السياسية ليست ديمقراطية بل مستبدةً وقاهرةً لشعوبها وفاسدةً وتابعةً في آن واحد من جهة، والعمل على إضعاف دور تركيا في كردستان العراق لصالح نفوذ إيران، وإضعاف دور وتأثير القيادات الكردية في الأحداث الجارية على الساحة السياسية العراقية من خلال تكريس انقسامها وتوزع تعاونها أو ولائها لقوى داخلية وخارجية في غير صالح القضية الكردية برمتها من جهة ثانية.
لقد أدركت إيران بأن نوري المالكي رغم أهميته الكبيرة لها لم يعد قادراً على توحيد البيت الشيعي، رغم سعيه لكسب جزء من الكرد لصالح التعاون التبعي للبيت الشيعي، فإنها اتجهت إلى إبراز مقتدى الصدر، الذي يمتلك منذ البدء مستشارين وخبراء سياسيين وعسكريين إيرانيين يعملون بدأب في تهيئة الرجل ليلعب دورا أكثر حسماً من دور حسن نصر الله في لبنان، أي أن يعتلي “عرش” العراق، أن يكون الحاكم الأول في العراق، وأن يكون رئيس الحكومة الحالي مصطفى الكاظمي الممهد الفعلي واليد المنفذة لهذه الوصفة الإيرانية الجاهزة. وتبدو صورة الوضع الراهن على النحو الآتي، ما لم تطرأ عوامل جديدة في صفوف قوى الانتفاضة التي استطاع الكاظمي تجزئتها من جهة، ولعب مقتدى الصدر دور إشاعة الصراع في صفوفها في الموقف منه ومن أتباعه وما ينبغي عمله من جهة ثانية، ثم النداء الذي وجهه مقتدى الصدر لاستعادة وحدة “البيت الشيعي” الطائفي، أي لكل القوى والأحزاب الطائفية السياسية الشيعية الفاسدة، بمن فيهم المالكي وطغمته، لمواجهة أعداء الدين والمذهب من جهة ثالثة، وأعداء إيران، وأن لم يذكرها بالاسم صراحة، ولكنها كانت واضحة ضمناً رابعاً. وعلينا أن نتذكر خطبة مقتدى الصدر في تأسيس ميليشيا “جيش الإمام المهدي في تموز/يوليو 2003 قال مقتدى الصدر بأن أعضاء هذا الجيش سيكونون جزءاً من الجيش المستقبلي لـ” الإمام المهدي”، الإمام الثاني عشر للشيعة الغائب المنتظر، وأنه سيفتتح سفارات “إسلامية” في مختلف بلدان العالم، بالإضافة إلى تأسيس محاكم إسلامية، ومجلس وزراء إسلامي، بل واقترح رئيسا إسلامياً. كما دعا في نهاية الخطبة “الرأي العام” إلى مساندة “الدولة الإسلامية الجديدة.”! (أنظر: الصدر مسلحاً… من جيش المهدي إلى سرايا السلام”، موقع “أرفع صوتك”، مقالات، دون ذك اسم الكاتب، 15/03/2018). وإذا كان القطيع وكل الانتهازيين في فترة حكم البعث والدكتاتور يرددون اسم “القائد الضرورة” صدام حسين ويتبعوها بـ” حفظه الله!!”، وبالروح بالدم تفديك يا صدام، إذا بنا نسمع اليوم كثرة من نفس البعثيين السابقين، قادة وأعضاء في التيار الصدري يرددون بانتهازية وقحة اسم دكتاتور جديد “الزعيم القائد مقتدى الصدر، ويردفوها بـ “أعزه الله!” أو “دام عزه!!”، و” بالروح بالدم نفديك يا مقتدى”، فهل يا ترى ابتلى الشعب بقادة لا يعرفون غير لغة التهديد وقص الشوارب والاختطاف والتعذيب والقتل، ويمارسون ذلك فعلاً عبر أتباعهم والانتهازيين الذين ابتلى بهم العراق، كما حصل يوم الجمعة المصادف 28/11/2020 وسقط ستة شهداء وأكثر من 100 جريح ومعوق. علينا أن نعرف ما يجري في العراق حالياً:
** تجري الآن التهيئة الفعلية للانتخابات المبكرة دون تغيير في قانون الانتخابات والمفوضية، وإبقاء السلاح المنفلت بيد الدولة العميقة وميليشياتها المسلحةً، وكذلك إبقاء الفاسدين الذين نهبوا ثروة الشعب وأموال الخزينة يمارسون دورهم في الدولة والمجتمع، وملاحقة قوى الانتفاضة وتشتيتها بما لا يسمح لها بالتأثير على سير العملية الانتخابية في صالح النخب الحاكمة الحالية.
** السماح بتغيير مناسب في بنية مجلس النواب الجديد لصالح البيت الشيعي، ولصالح مقتدى الصدر وتياره السياسي والعسكري الميليشياوي في البيت الشيعي، من خلال حصوله على نسبة أعلى من الأصوات ومن عدد النواب وأسماء جديدة تسمح له بقيادة البيت الشيعي وتصدر الموقف السياسي وحكم البلاد، إضافة إلى تحالفه الجديد مع غريمه الشخصي السابق نوري المالكي. ويبدأ عندها استكمال الأهداف المركزية الأخرى التي وضعتها القيادة الإيرانية للبيت الشيعي في العراق.
** أن يلعب السلاح المنفلت والمال الكثير بيد النخب الحاكمة وأحزابها وميليشياتها الطائفية المسلحة الدور المعلى في تحقيق النتائج المرجوة لهم في الانتخابات القادمة، ولذلك فالنداءات بخوض الانتخابات دون توفير المستلزمات الضرورية والأساسية التي طرحتها قوى الانتفاضة ينبغي النظر إليها بعين الشك والريبة أو ضعف الوعي والانتهازية.
والسؤال هو: هل سيسمح الشعب العراقي، وقوى الانتفاضة والديمقراطية واليسارية بتمرير هذه الوجهة الطائفية الإيرانية والدولة العميقة في العراق، بالرغم من وجود محاولات جادة من جانب مستشاري الكاظمي لتبييض وجه مصطفى عبد اللطيف مشتت (الكاظمي) بتصريحات ووعود كاذبة، كما أن هناك محاولات يائسة منه بالظهور وكأنه المثقف الذي يهتم بالكتاب والكلمة، كما في ظهوره في معرض بغداد الدولي للكتاب برفقة رئيس مؤسسة المدى، المعرض الذي تنظمه هذه المدى سنوياً.
لا يمكن لقوى الانتفاضة الباسلة مواجهة الوضع الجديد بوضعها الحالي، فالعمل الذي تقوم به إيران ومعها البيت الشيعي وحلفاء جدد أكبر بكثير من قدرة قوى الانتفاضة الحالية على مواجهته. وإذا كانت جادة في مواجهة ذلك، فعلى عاتقها تقع مسؤولة العمل لتأمين وحدة صف كل القوى الشعبية والسياسية المناهضة للنظام السياسي الطائفي المحاصصي الفاسد، كل القوى المدنية والديمقراطية واليسارية التي يهمها تغيير الواقع الراهن ورفض الإملاءات السياسية الإيرانية على العراق والتبعية لها.
على قوى الشعب الكردي أن تدرك بأن عملها مع القوى والأحزاب السياسية الحاكمة لن يمنحها القوة والمنعة، فهذه القوى تتحكم بقوت الشعب العراقي كله، ومنه الشعب الكردي، وتجعل من القوت اليومي والتجويع الإرهابي مساومة مذلة لصالح استمرار هيمنتها على السلطة والمال والنفوذ في البلاد. إن وحدة العرب والكرد وبقية القوميات هو الطريق الوحيد القادر على مواجهة القوى الطائفية الفاسدة وما ترسمه من مستقبل غير زاهر وغير مستقل للعراق العزيز، للوطن المستباح حالياً بالطائفية والفساد والمثلوم باستقلاله وسيادته، بتبعيته المذلة لإيران أو للتدخل التركي المستمر في إقليم كردستان العراق وعموم العراق.
إن قوى النظام السياسي الحاكم في العراق ترتكب يومياً أبشع الانتهاكات ضد حقوق الإنسان، سواء أكان بالاختطاف أم بالقتل أو التعذيب في السجون والمعتقلات، أم عبر التجويع المستمر بعدم دفع الرواتب والمعاشات، أم بتفاقم الفقر وارتفاع إلى أعلى من 50% من السكان، أم بالنهب المستمر لموارد البلاد المالية والنفطية، أم بغياب التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أم بالفساد المالي والإداري وانتهاك مبدأ المواطنة والهوية الوطنية للإنسان العراقي أم بالتمييز ضد المرأة وغياب الرعاية للطفل العراقي. إنه النظام الطائفي البائس المصادر لحقوق الإنسان والمواطنة الذي يراد له أن يستمر في اليوم العالمي لصدور لائحة حقوق الإنسان، فلنعمل على تغير الواقع الراهن ولننتصر لحقوق الإنسان في العراق والمنطقة والعالم.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close