فرنسا بين ديمقراطية الأمس وعنصرية اليوم

فرنسا بين ديمقراطية الأمس وعنصرية اليوم

كان العالم الذي نعيش فيه ولا يزال يتحول من حال إلى حال وتتغير اخلاق ومباديء الامم وفق مصالحها. فالديمقراطيات التي ظننا انها مستقرة وقوية بدأت أمام اعيننا تتهاوى كما نرى في أمريكا وفرنسا. اما انظمة المنطقة العربية الدكتاتورية الملكية أو الجمهورية فقد وصلت الى منتهاها وايلة إلى الانهيار. كما ان الأمر لا يخص الحكومات وعقائدها إنما وصلت التغيرات الدراماتيكية إلى الشعوب العربية المسلمة. فنرى الاجيال العربية الحالية لم تستورث من اجيال القرن الماضي الصبر والكرامة بل تخلت عن مسؤلياتها الرقابية وتمر في أزمة اخلاقية ومفاهيمية ووطنية.خطيرة تنذر بعواقب وخيمة.
اما في فرنسا فقد كانت تحكمها نخب وطنية شجاعة منفتحة تعلمت من دروس استعمارها للجزائر وغيرها قيم الحرية والديمقراطية. حيث عممت الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في البلاد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. لقد ادركت بأن الخيار الانسب لتقدمها نشر مفاهيم القيم التي تعطي للشعب حقوقه واختياره الحر لطبقته السياسية الحاكمة. تمكنت نتيجة لذلك الاحتفاظ بالعلماء والباحثين والكوادر العلمية على اراضيها بل تمكنت ايضا من جذب كوادر كثيرة من الدول المتخلفة.
جاء اذن الكثير من المثقفين والفنانين والعلماء والكوادر العربية من المشرق والمغرب العربي إليها. ظنا منهم بأن الديمقراطية الفرنسية اضحت راسخة خصوصا بعد تاسيس الاتحاد الاوربي. اعتقدوا بان تلك القيم لا يمكن أن تتأثر بالازمات الإقتصادية أو النزعات العنصرية المتواجدة لدى جميع الشعوب بهذا القدر أو ذاك. ان من بديهيات القيم الديمقراطية في البلدان المتحضرة انها لا تسمح بتسويق الاراء العنصرية بل تجرمها اذا ما تجاوزت حدودها. لقد علمت ان اشاعة مفاهيم التسامح والحرية والمساواة تحصن النسيج الاجتماعي لتلك الدول.
ان اغلب المثقفين العرب الذين جاءوا إلى فرنسا من اجل اكمال دراستهم واجبرتهم الظروف البقاء فيها. كانوا على علم بمبادىء الثورة الفرنسية وقبلوا التعايش مع قوانينها لا سيما علمنة الدولة. ادركوا كذلك بأن العلمانية الفرنسية من حيث المبدا ليست ضد الأديان والعقائد الشخصية. علم المسلمون ايضا بأن فرنسا وعموم الأنظمة الديمقراطية تحترم العبادات كأداء الصلاة والصوم وقراءة القران وتحفيضه مثل التوراة والانجيل عند اليهود والنصارى.
من المؤكد بان المسلمين او جمعياتهم أو تنظيماتهم المسيسة ومنذ سبعينات القرن الماضي حتى الان لم تطالب أو تدعي أو تحاول العمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة على اسلمة فرنسا. لأنهم يعلمون علم اليقين بان اسلمة البلدان العربية بات بعيد المنال. فتخلى الكثير من حكام تلك الدول عن الاسلام نفسه ويحاربون بشراسة من يدعوا إليه. علما بأن هناك خيار أمريكي وبريطاني منذ خمسينات القرن الماضي لمساندة الدول الدينية في المنطقة العربية. لقد اثبتت التجارب من جهة اخرى بان احزاب الاسلام السياسي قد فشلت فشلت ذريعا في تقديم نموذجا اسلامي ينتشل المنطقة العربية ويخرجها من ظلمات التخلف إلى نور العلم والتقدم كنموذج دولة رسول الله أو عمر أو علي.
خبر المسلمون ايضا الاعيب الغرب فرنسا بريطانيا أمريكا مع حكام الدول العربية. يعلمون ابتزازهم لهم وبالتالي اجبارهم على تمرير مصالح الغرب الانية والانانية على مصالح دولهم وشعوبهم. كما ان الغرب كان ولا يزال يمسك ويتحكم بقواعد اللعبة السياسية سواء لدى الحكام العشائريين او العسكريين الدكتاتوريين الملكيين أو الجمهوريين سواء كانوا في السلطة أو المعارضة بما فيها الأحزاب الإسلامية.
يعلم اغلب مسلمي فرنسا بان احزاب الاسلام السياسي في هذا البلد كانوا مدللين منذ أواخر القرن الماضي. فقد استقبلت فرنسا وبريطانيا وامريكا رؤساء تلك الأحزاب على اراضيهم بالاحضان ودفعوهم دفعا الى القتال ضد الروس في أفغانستان وشجعوهم لتاسيس دولة اسلامية هناك.
بعد 11 سبتمر 2001 تغير الحال في تلك الدول. فتغيرت سياسات فرنسا وتخلت من حلفائها القدامى. فبدلا من منع تحركات الحركات والاحزاب الإسلامية تحاول الحكومة عبثا تمزيق المجتمع الفرنسي باشهار العداء للدين الاسلامي.
ان ما يثير الدهشة والعجب ان السلطات الفرنسية افصحت عن حقدها وكرهها لدين مسالم أصبح جزءا لا يتجزا من طيف المجتمع الفرنسي. ذلك الحقد دفعها لمناقضة مباديء ثورتها وجمهوريتها العلمانية في الحرية والمساواة والاخوة. إذ نرى لأول مرة تتجرأ حكومة فرنسية لاضطهاد اتباع دين كبير بتصنيف ممارساتهم العبادية على انها شكل من أشكال الارهاب والانفصالية. ان هذه الحملة لتهميش وارباك وارهاب المسلمين لعبادات يمارسونها في العالم اجمع دون اية مشكلة أمر خطير. ان السلطات الرسمية تبتكر نتائج غير صحيحة تتخيل حصولها وتعمل جاهدة لالصاقها بمسلمي فرنسا. كما انها تضخم بعض الحوادث وتفسر أخرى بغير محلها لوضع قواعد جديدة لالغاء الهوية الإسلامية. هذه الانتهاكات كانت مجال انتقاد من بريطانيا وأمريكا والمانيا. فالأمر مدبر لانه يستهدف المسلمين فقط إذ هناك الكثير من المدارس والجامعات الخاصة المسيحية واليهودية والبوذية لم تمس اطلاقا. انما تعمل بكا حرية وتلقى دعما حكوميا.
اليوم وفي هذه الظروف الصحية الحرجة يصار إلى صياغة قوانين ظالمة باجبار ائمة المساجد لتعلم العلمانية ومباديء الجمهورية. لا ندري ما الذي سيفرضوه على المسلمين كبديل لعلومهم الشرعية. فالسلطة السياسية تفرض دون طلب راي الجمعيات الإسلامية تشريع قوانين جديدة لارهاب عموم المسلمين كي يتخلون عن دينهم شيئا فشيئا. إنها تريد أن تؤسس لهم دين آخر ليس له اية علاقة بالاسلام. ان السلطات تتعمد خلط الأمور بين الارهاب الذي يرتكبه بعض المسلمين المنحرفين عن دينهم ووطنهم وانسانيتهم وبين الاسلام. علما بان جميع اؤلئك الارهابيين كانوا من غير الملتزمين ولا يرتادون المساجد.
من المعلوم أيضا ومنذ السبعينات لا تمارس السياسة الحزبية الإسلامية أو الفرنسية في المساجد لانها لا تريد الدخول إلى هذا المعترك وملتزمة بالضوابط الرسمية. لكن السلطات الرسمية نفسها تفرض على الجمعيات والمساجد التدخل في الشؤون السياسية لمصلحتها فتطلب منهم كتابة ببان يندد بهذا العمل أو ذاك. فعندما تحدث حادثة ضد كنيسة أو معبد او عندما تتعرض مجلة شارلي ابدو لهجوم ارهابي. على المساجد ان يتبرأوا من هؤلاء المسلمين. لا يحق لهم لوم الارهاب الفكري في الشتم والسب والاستهزاء لرسول المسلمين من قبل تلك المجلة أو السياسيين.
لم يدر في خلد المسلمين الفرنسيين بعد أن توطنوا هنا في هذا البلد وعملوا بكل جهدهم وساهموا في بناء فرنسا. أن تغدر بهم السلطات الرسمية في خريف عمرهم بعد أن تزوجوا وانجبوا اولاد ورسموا مستقبلهم في هذا البلد. بعد أن قطعوا كل ارتباط لهم بوطنهم الام. ان من المعلوم أن القانون الفرنسي الأساسي يحمي المسلمين سواء في حرية العقيدة او في تفسير العلمانية التي لا تسمح بسب وشتم رسول الله. لكن في حقيقة الامر أن من يسير زمام أمور الدولة القرارات الحكومية التي تتناقض احيانا مع الدستور ويعمل بها بحجة المصلحة العامة..
لقد ذكرنا مرارا وتكرارا بأن سبب استمرارية ظلم السلطات ضد مسلمي فرنسا واستضعافهم بسبب انانية وتشتت مسلمي فرنسا. فلو كانوا متحدين ويفقهون دينهم ويعرفون قوانين هذا البلد لسلكوا طريق المحاكم وامتلكوا الشجاعة لتقديم دعوى قانونية إلى المحاكم الأوروبية والامريكية ومحكمة الجنايات الدولية ضد الحكومة الفرنسية.
أخيرا لقد اختير وقت هذه الحملة ضد مسلمي فرنسا بعناية. ففي هذه الظروف استثنائية التي تعيشها فرنسا اليوم حيث يموت يوميا المئات من شعبها وتقع الالف الاصابات المرضية نتيجة وباء كورونا. لقد استغلت السلطات الرسمية هذه الظروف لتمرير قوانين مجحفة ظالمة. في الوقت الذي تعاني فيه المنظمات الانسانية والاحزاب السياسية المنصفة وجمعيات أهل الكتاب وحقوق الانسان واغلب الفرنسيين من ضرورة توخي الحذر خوف الإصابة بالوباء.. لقد مررت قرارات بلد حقوق الانسان دون رقابة من منظمات حقوق الانسان. كما ان بلد حرية الراي يقيد عبادة مواطنيه تحت مسميات حرية الراي ويتهمهم ظلما وعدوانا بالانفصالية.
الدكتور نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close