ملك اليمين (3)

ملك اليمين (3)، الدكتور صالح الورداني
————-
شرع القرآن للقضاء على ظاهرة ملك اليمين بطرق ثلاث :
الأولى النكاح..
الثانية العتق..
الثالثة الإحسان..
أما النكاح فقد جاء في سورة النساء:
( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ..)
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ..)
(وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ فَإنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ..)
في النص الأول مطالبة صريحة بنكاح ما طاب من النساء ومنهم ملك اليمين..
وهو ما يعني فتح الباب لدمجهن في المجتمع وتذويب الفوارق بينهن والأخريات من الحرائر وأصحاب البيوتات..
والأمر هنا ليس أمر شهوة وحب امتلاك للأنثى وإنما هو أمر تخيير ..
وليس في مقدور أي فرد أن يجمع هذا العدد من النساء..
وليس في مقدوره أيضاً أن يعدل بينهم..
ومن يملك اربعة نسوة ليس في حاجة الى زيادة من ملك اليمين..
وإن أقدم على هذه الخطوة فالدافع هو الرحمة والإحسان..
وهو ما يهدف إليه النص..
والنص الثانى جاء بعد عرض المحرمات من النساء واستثنى منهن ملك اليمين..
وهو ما دفع بالفقهاء الى اعتبار ملك اليمين لا حصانة لها..
اللهم الا القليل منهم من قال بغير ذلك..
قالوا: المراد بالمحصنات : المتزوجات ، وعليه فمعنى الآية وحرمت عليكم المتزوجات..
لأن ذات الزوج لا تحل لغيره إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من الكفار ، فإن السبي يرفع حكم الزوجية الأولى في الكفر..
ومذهب مالك أن السبي يهدم النكاح سواء سبي الزوجان الكافران معاً أو سبي أحدهما قبل الآخر..
والسؤال هنا : ما هو الموقف من ملك اليمين المحصنة ممن خارج دائرة السبي..؟
واذا كان من الجائز وطىء السبية المتزوجة فهل كان سبيها مشروعاً من غزوة مشروعة..؟
وإذ كان الاسلام قد حريم الزنا واعترف بصور النكاح السائدة بين أصحاب الملل فإن ملك اليمين تكون لها حصانتها كسائر النسوة..
ولا يجوز نكاحها طالما كانت مرتبطة بزوج..
والحصانة لا تتغير بوقوع المرأة في الأسر..
ومن أساسيات الدين احترام مشاعر النساء والرفق بهن..
من هنا لابد من إيجاد فهم آخر للنص يتفق مع ثوابت الاسلام الأخلاقية والتشريعية..
وقد قال بعض الفقهاء بأنه لا يجوز وطىء المحصنات من السبايا إلا بالنكاح أو الملك..
وهو ما يعنى وجوب خلوهن من الموانع الشرعية..
إلا أن أزمة الفقهاء على مستوى الماضي والحاضر هى اللجوء للروايات لفهم مقصود النص القرآني..
جاء في الكافي عن محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل ( والمحصنات من النساء الا ماملكت ايمانكم )؟
قال : هو أن يأمر الرجل عبده وتحته أمة ، فتقول له : اعتزل امرأتك ولاتقربها ، ثم يحبسها عنه حتى تحيض ثم يمسها ، فإذا حاضت بعد مسه إياها ردها عليه بغير نكاح..
ونترك للقارئ التأمل في هذه الرواية التي تداولها العديد من المفسرين الشيعة..
أما النص الثالث فيفتح الباب لمن لا يملك القدرة على الزواج بحرة أن يتجه للزواج بملك اليمين..
ويحدد النص أن الزواج بملك اليمين لا يجب أن يتم بصورة تخلو من الاحترام والتقدير لملك اليمين..
وهو ما يظهر بوضوح من خلال وجوب أن يتم النكاح بإذن أهلهن وأن تدفع مهورهن بالمعروف أي بما هو سائد ومتفق عليه..
وأوجب القرآن على المؤمنين عتق الرقاب وتحريرها كوسيلة ثانية بعد الزواج للقضاء على ظاهرة ملك اليمين..
وذلك من خلال كفارة القتل الخطأ وكفارة الأيمان وكفارة الظهار..
كما جاء في سورة النساء والمائدة والمجادلة والبلد..
وجعل من البر عتق الرقاب كما جاء في سورة البقرة..
وجعل من بين مصارف الزكاة الثمانية مصرف خاص لفك الرقاب كما جاء في سورة التوبة..
( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم )
من هنا أوجب القرآن الإحسان والبر بملك اليمين والأرقاء عموماً..
والإحسان والبر لابد وأن تكون نتيجته العتق..
قال تعالى : (لَّيْس الْبرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لَكِنَّ الْبرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ وَ الْمَلَئكةِ وَ الْكِتَبِ وَ النَّبِيِّينَ وَ ءَاتى الْمَالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبى وَ الْيَتَمَى وَ الْمَسكِينَ وَ ابْنَ السبِيلِ وَ السائلِينَ وَ فى الرِّقَابِ ) البقرة /177
(وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) النساء /36

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close