المسؤولية… الكفاءة والاخلاص والاداء

ان العيش في هذه الدنيا تقتضي تحمل مسؤوليات مختلفة عديدة بحكم القدرة والكفاءة و الانسان لا يحمل نفسه ما لا يطيق ففي هذا مشقة عليه وربما كانت آثار ذلك مضرة وتأتي بنتائج عكسية ، ولا يخلو الانسان من المسؤولية المكلف بها و لم ينضب معين الأمة ولم تزل أرحام نسائها تخرج الأفذاذ رجال ونساء من الذين يعرفون للمسؤولية قدرها ويؤدونها على أحسن وجه وأتمه، والمسؤولية تشمل جميع مناحي الحياة ويقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم(( ” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته،، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته)) اي ان كل الإنسان في حياته مكلف بتأدية مهام معينة تلقى على كاهله، ويختلف عددها وكبر حجمها من شخص لآخر حسب موقعه ومكانته، بحيث يكون كل واحد محاسب عن تلك المسؤولية التي يرتبط بها وعن نجاحه في القيام بها أو إخفاقه فيها من قبل أطراف أخرى على منه، فالمسؤولية أمانة، وعدم تأديتها والقيام بها بالشكل السليم عين الخيانة، وهي في يوم القيامة خزي وندامة وسقوط اخلاقي في الدنيا . والمقصود هنا بالذات المسؤولية ضمن إطارها العام، والتي تشمل مختلف المجالات المرتبطة بحياة الإنسان، لتعطيه القدرة على تحمل نتائج وعواقب كل ما يصدر عنه من أفعال وتصرفات، فالمسؤولية بالأساس نابعة من ضمير الإنسان، ومرتبطة ارتباطا وثيقا بالسمو الإنساني والارتقاء الأخلاقي،تبقى المسؤولية الأدبية هي اوسع واصعب اذا كان الضمير هو الحاكم في الامر فهي أوسع نطاقاً من المسؤولية القانونية التي يمكن الافلات منها وعنصرها ذاتي هو الضمير بينما عنصر المسؤولية القانونية هو موضوعي لسلطة الدولة وهي التي ساهمت بشكل كبير في انتشار ثقافة اللامبالاة وعدم الاستشعار بالمسؤولية فمثلاًعندما تصل بعد عناء إلى مرفق عام لإجراء معاملة ما فتجد أن الموظف لم يحضر، مع أن الدوام قد بدأ منذ ساعات، فعندئذ ستضطر إلى التضحية بوقت ثمين، وربما يطول ويكثر مجيئك ورواحك، وكل ذلك بسبب من لا يقدر قيمة العمل ولا يتحمل مسؤولية الوظيفة التي وقع عقدًا على تحملها وتقاضى عليها أجرًا ومن الاستمتاع اللحظي أهم شيء، بدون إعطاء أدنى اعتبار لمشاعر الآخرين وأحاسيسهم وما يضرهم أو ينفعهم، فيفترض المرء أنه لا حسيب له سوى ضميره، وما يتنافى بالمطلق مع الجانب الأخلاقي الذي يكرسه الدين الإسلامي والقيم الانسانية في العلاقات مع المسؤولية بالذات قال الله تعالى في كتابه: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]. فهذه الآية تدل على المسؤولية بمعناها العريض، فقد جاءت عبارة الأمانة في هذه الآية بمعنى المسؤولية تمامًا، انشغال المسؤول عن أداء مهام المسؤولية بأشياء أخرى سواء كانت أعمالاً خاصة، أو شؤوناً أسرية، أو ذهاباً ومجيئاً لا علاقة لها بعمله المنوط به، يُخل بمبدأ الأمانة التي على أساسها كُلِّفَ المسؤول بالعمل، كما أن فيه تضييعاً لحقوق من ترتبط مصالحهم بهذا المسؤول، وقلة متابعتهم، والتغاضي عن سوء أدائهم، وذلك يعود بالمفسدة على الإدارة نفسها حيث تظهر عليها ملامح سوء الأداء، كما أنه يضر المجتمع، بل يضر الموظف المهمل نفسه؛ لأنه يغريه بالتمادي في الباطل، ويغترُّ بهذا الإفضاء، فيستمر في الخطأ ظاناً أنه على المنحى الصحيح. وطغيان مثل هذه التصرفات على السلوك الإنساني هو أخطر ما يمكنه أن يقوض بنيان العلاقات الإنسانية والروابط الاجتماعية وكثير منا خاصة ممن نال حظا من التعليم ينقمون على جيل اليوم ضحالة المعرفة وقلة التجربة وعدم الكفاءة، وهذا التردي أمر ملاحظ، فإنك تجد المتخرج من الجامعة اليوم بمستوى طالب الثانوي قديمًا، لتخلى بعض المعلمين عن مسؤولياتهم وتعليم الطفل منذ صغره تحمل ما يستطيع من المهام، والقيام بما يجب عليه من واجبات مدرسية أمر له بالغ الأثر في شخصيته، ومن الأخطاء الشائعة قيام بعض أولياء الأمور بحل الواجبات الدراسية لأبنائهم، مما يدفعهم للتسيب ويبعدهم عن الاستعداد لتحمل المسؤوليات في كبرهم ،كذلك أصحاب الأقلام والكتاب والاساتذة والاكاديمين عليهم ان يعلموا أنهم مسؤولون عما يدرسون ويكتبون ومحاسبون على ما يخطون، وما أحسن قول القائل:

وما من كاتب إلا سيفنى ** ويبقي الدهر ما كتبت يداه

فلا تكتب بكفك غير شيء ** يسرك في القيامة أن تراه
مما لا يزيد إلا من زرع الحقد والضغائن في النفوس، وهذا مثال فاقع الدلالة على أن الخلل الحاصل ذاتي قبل أن يكون له دوافع خارجية أو أن يكون من سلطة فوقية.

من أكثر الصفات السيئة التي يتمتع بها شخصية الرجل عديم المسؤولية هو أنه يكون شديد الأنانية ولديه حب مبالغ فيه للذات، لأنه لا يفكر إلا بمصلحته فقط، ولا يستطيع أن يشغل باله بأمور أخرى حتى لو كانت من أهم واجباته تجاه زوجته وأسرته لأنه من المفترض أن يكون الرجل مسؤول عنهم وعن تلبية احتياجاتهم المادية والمعنوية، فهو مصدر السعادة والأمان بالنسبة لهم والتعامل معهم باحترام ورحمة ، وإلأ اتهم بضعف الشخصية وفقدان السيطرة على الأمور، وهذا لأنه يتوقع أن الناس المحيطين به يتحملون المسؤولية بالنيابة عنه وان مثل هذا الشخص الذي لا يتحمل المسؤولية هو عار على المجتمع لأنه يجعل المرأة تتحمل أعباء الأسرة كاملة من حيث المسؤولية الإجتماعية والمادية، ومسؤولية المنزل والأولاد بكافة مشاكلهم، مما يخلق لديها حالة من التوتر الشديد والتي تقود إلى إفتعال المشاكل وزيادة تفاقمها فيما بينهم، والتي تؤثر سلبياً على علاقاتهم.

عبد الخالق الفلاح باحث واعلامي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close