حينما صمتت البرنو

حينما صمتت البرنو

بندقية البرنو الصديقة الوفيّة للمقاتل الكوردي وهو يحتمي بجبال كوردستان في مواجهة الحملات العسكرية ضد شعبه في مختلف العهود التي مرّت على العراق منذ تأسيسه، كانت علاوة على كونها آلة حرب لابدّ منها في مواجهة أعداء قضية الشعب الكوردي، حلما عند فقراء الكورد في أن يكون صمتها يوما ما بداية حياة جديدة وكريمة لهم وأبنائهم. كما لم يبخل الشعب الكوردي يوما بتقديم مئات الآلاف من أبناءه شهداء في طريق تحقيق طموحاته، علاوة على دعمهم الپيشمرگة بكل ما يمتلكون على بساطته. فكانت قراهم الفقيرة المتناثرة بين سهول وجبال كوردستان تستقبلهم بحفاوة الكوردي وتقتسم معهم طعامهم وطعام أطفالهم، ما دفع السلطات دوما الى الإنتقام منهم بتدمير قراهم وبيوتهم. فهل تحقق للشعب الكوردي جزء ممّا كان يحلم به، منذ أن صمتت البرنو في العام 1991 لليوم!!؟؟

ثلاثون عاما مرّت دون أن تكون لحكومات بغداد سلطة حقيقية على إقليم كوردستان العراق، بعد أن أصبح الإقليم خارج سيطرة الحكومة المركزية وتحت الحماية الدولية بعد منع القوات العراقية من تجاوز خط العرض 36 ، وكانت حصّته 13% من برنامج النفط مقابل الغذاء. وسبعة عشر عاما مرّت وللإقليم نسبة بين 12.7 – 17% من الميزانية العراقية، عدا ما يدخل خزينته من إيرادات المنافذ الحدودية وتهريب النفط والعقود السريّة المذلّة في رهن النفط لتركيا لخمسين سنة قادمة وغيرها الكثير.

ثلاثون عاما وتحوّلت البرنو بعد صمتها الى مكاتب صيرفة وتهريب وغسيل أموال وفنادق فخمة ومنتجعات وقصور وطائرات خاصّة، ثلاثون عاما من الفساد والنهب المنظّم لثروات فقراء الكورد من قبل العائلتين الحاكمتين في السليمانية وأربيل. ثلاثون عاما إزدادت فيها مساحة الفقر والبطالة رُغم الميزانيّات الفلكيّة، ولم يشهد الإقليم أي تنوّع لمصادر الدخل الّا النفط، فلا تنمية حقيقية ولا مصانع ولا مزارع ولا بنى تحتيّة لتكون أساسّا للدولة الكوردية التي جعلتها العائلتان الحاكمتان تجارة لنهب الشعب الكوردي وسيفا مسلطا على رقابهم، وبقي إقتصاد الإقليم ريعيا كما الإقتصاد العراقي وتحت رحمة تقلبّات أسعار النفط. فهل حققّت العائلتان الحاكمتان ولو جزء يسير من آمال وتطلعات الشعب الكوردي!؟

في آيار/ مايس الماضي ونتيجة عجز حكومة الإقليم عن دفع رواتب معلمي دهوك لأشهر، إنطلقت تظاهرات مطلبية صاخبة واجهتها القوى الأمنية بقسوة وأعتقلت أعدادا من المعلمين والناشطين والصحفيين، في إعادة لسيناريو تعامل سلطات المركز مع المتظاهرين المطالبين بحقوقهم. وعوضا عن بحث السلطات هناك عن طرق لسد العجز في الميزانية، إستمرت السلطة في ذات النهج والتعامل مع الأزمة بقطع رواتب الموظفين في السليمانية لأشهر وخصم نسب تقدّر بعشرين بالمئة من رواتبهم في بعضها. ومن الطبيعي أن تخرج الجماهير متظاهرة للدفاع عن مصالحها، فكيف واجهت السلطات وجيوشها الالكترونية هذا التحرك الجماهيري؟

كما السلطة المركزية، إستخدمت القوى الأمنية في الإقليم الرصاص المطاطي والحي وقنابل الغاز المسيل للدموع في مواجهة التظاهرات المطلبية والمشروعة للجماهير هناك. وقد أسفر إستخدام القوّة المفرطة في مواجهة الجماهير عن أعداد من الضحايا والجرحى مع إعتقال العديد من المتظاهرين والناشطين، وكما سلطات بغداد كان الطرف الثالث موجودا في بيانات السلطة وجيوشها الألكترونية لإتهامه بإندلاع التظاهرات!!

فساد الأحزاب الكوردية ونهبها للمال العام وعدم صرف رواتب الموظفين والمعلمين وغيرهم، وإزدياد نسب البطالة ورقعة الفقر في المجتمع الكوردي ليست مشكلة كبرى بنظر الحزبين الحاكمين. فالجماهير الفقيرة والمتعبة عليها أن تتحمل كل الأوضاع السيئة والشاذّة وتقبل بسلطة العائلتين الحاكمتين من أجل حلم بناء الدولة الكوردية!! وهذا الحلم المشروع هو حلم الشعب الكوردي بأكمله، لكن هل على الشعب الكوردي تحمّل سرقات وفساد هاتين العائلتين وحزبيهما لحين إعلان الدولة الكوردية!؟ ولو فرضنا أنّ الدولة الحلم ستتحقق نتيجة تشابك المصالح الإقليمية والدولية بعد قرن من الآن، فهل على الشعب الكوردي أن يعاني من قطع رواتب أبناءه والعيش في ظل البطالة والجوع والفقر والقهر والتوريث وفساد السلطات حتّى ذلك الوقت!؟

أيّتها السيّدات والسادة لقد صمتت البرنو وهي تدافع عن حقوق الشعب الكوردي في الجبال بالأمس، وتلعلع أصوات الكلاشينكوف اليوم في المدن الكوردية لتقتل أبناء الشعب الكوردي ولتصبغ شوارعها بدماء شهداء الكورد الأبرياء ، ولا حلّ اليوم أمام الجماهير في الإقليم الّا بتبني شعارات ثوار تشرين في التغيير الكامل لشكل نظام الحكم، ببناء نظام ديموقراطي حقيقي وإنهاء سلطة العوائل الحاكمة. فالعربي الفقير والكوردي الفقير وباقي مكوّنات شعبنا من الفقراء والمعوزين والمضطهدين وليعيشوا بكرامة لا يملكون الّا أن يناضلوا كتفا الى كتف ضد فساد وسرقات ونهب زعمائهم الدينيون والقوميون.

” يمكنك قتل الثوار لكن لا يمكنك قتل الثورة” …. المهاتما غاندي

زكي رضا
الدنمارك
12/12/2020

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close