بهاء الديــن نوري، مواقف واجتهادات.. لها ما لها، وعليها ما عليها !!

بهاء الديــن نوري، مواقف واجتهادات.. لها ما لها، وعليها ما عليها !!
– رواء الجصاني

رحل قبل ايام قليلة، بهاء الدين نوري، الشخصية السياسية العراقية البارزة، وهو في سنّ الثالثة والتسعين من العمر الذي شهد عقودا مديدة في تبني مواقف وقناعات فكرية آمن بها وتحمل بسببها الكثير من المشاق والجهود: سجنا وملاحقات، وتضحيات، في مختلف العهود التي مرّت بها البلاد العراقية، الملكية منها والجمهورية. كما شهدت سنوات النضال التي عاشها الفقيد ضمن حزبه الشيوعي، وقياداته لفترات زمنية طويلة، خلافات وصراعات ساخنة، ليس مع السلطات وحسب، ولكن ايضا مع رفاق دربه ومجايليه، بسبب مواقفه واجتهاداته المختلف عليها في عدد من القضايا الفكرية والعملية، وما ترتب عليها، أو بسببها، من مسارات وتوجهات، واجراءات، ضمن الازمنة والمواقع المختلفة ..
ان ما تتوخاه هذه السطور ليس تأرخة أو ايجازات عن سيرة ذاتية للفقيد، ولا تخطئة أو تصويب، ولا تأييد أو خلاف، لمحطاته التاريخية، ولدوره السياسي، بل تأتي تأشيرات توثيقية لما كتب، بشكل أو آخر عنه، قبل وبعد رحيله، من معاصرين ورفاق درب ومعارف ومتابعين، سواء المباشرة منها حول دوره ومواقفه، او في استعراض بعض محطات مواقفه السياسية، والتنظيمية من احداث عاصرها، بل وكان في الصميم منها سنوات وسنوات(1) ..
قلت “تأشيرات” وأعني ذلك تماما، لأن هذه الكتابة ليست تأرخةً، او مناقشة لسياسة حزب عريق، هو الحزب الشيوعي العراقي، خاصة وان عشرات المؤلفات قد ناقشت ووثقت وقيّمت تلك الشؤون، ويندر في الكثير منها ان لا يأتي ذكر بهاء الدين نوري: تعريفا به، او توثيقا له، وسواء بمعرض المديح او النقد لشخصيته، او الأتفاق والاختلاف مع اجتهاداته السياسية..
ان هناك شبه اجماع على اهمية دور ومكانة بهاء الدين نوري في مسيرة حزبه الشيوعي، وبالتالي في الحركتين: الوطنية العراقية، والقومية الكردية. وكذلك استذكارات لجرأته وشجاعته التنظيمية، ومثابرته في طرح الاراء والافكار، وبشكل خاص خلال فترة عمله السري في العهدين الملكي والجمهوري، أوفي نشاطه ودوره في فترة اعتماد الشيوعيين لنهج الكفاح المسلح طريقا لمعارضة النظام الدكتاتوري، لطغمة حزب البعث الحاكمة، في عهد رئيسه صدام حسين، بعد عام 1978 تحديدا..
وفي ذات الوقت، هناك تساؤلات وانتقادات، بل وأعابة، لجوانب عديدة من مواقف واجتهادات بهاء الدين نوري، ومسؤلياته التنظيمية حين تكلّفه، او تكليفه بمهام قيادية في تنظيمات حزبه الشيوعي، وهيئاته العليا بوجه خاص. وكل ذلك يحتاج لمراجعات ضافية، وتقييمات موضوعية بعيدة عن الذاتوية، والهوى الشخصي، او النكاية والشماتة، وانتهاز الفرص للطعون، والنواح . ولربما نجتهد فنصيب حين ندرج في التالي عددا من تلك المحطات المقصودة التي تتطلب المراجعة التي تأخذ بالحسبان الظروف الزمانية والمكانية طبعا، ومن ابرزهــا بحسب ظننا:
1/ اعتماد بهاء الدين نوري الصرامة والتشدد في العلاقات التنظيمية، والمغالاة في تنفيذ الضوابط الاجرائية، والتفرد بالقرارات، والطموحات المبالغ بها..
2/ اجتهاداته في الافكار والشعارات التي طرحها، وتبنيها، حين توليه المسؤولية الاولى في الحزب الشيوعي العراقي، اواخر الاربعينات – اوائل الخمسينات، الماضية، ومنها اسقاط العرش الملكي وأقامة نظام جمهوري شعبي..
3/ دوره مع رفاقه: زكي خيري وعامر عبد لله ومحمد حسين ابو العيس، لازاحة سلام عادل (حسين الرضي) من مهام سكرتير اللجنة المركزية للحزب عام 1959 بسبب الاختلاف في التقييم بشأن التعامل مع نهــج وحكم الزعيم عبد الكريم قاسم..
4/ قناعته، وحماسته الفكرية عام 1964 لما يعرف “خـط آب” والتوجهات المرنة لحد امكانية التخلي عن الدور القيادي للحزب الشيوعي، لصالح أحزاب “التوجه الأشتركي” ضمن ما كان قد طرح من الحزب الشيوعي السوفيتي عن نظرية “التطور اللارأسمالي” في بلدان اسيوية وافريقية وامريكية لاتينية، والتحالفات مع القوى “الثورية” الحاكمة فيها..
5/ دوره ونشاطاته في مواجهة ما قبل، وبعد، انشقاق الحزب الشيوعي العراقي عام 1967 الذي ادى الى تشكيل ” قيادة مركزية” وتنظيم موازٍ، للحزب الاساسي الذي تقوده اللجنة المركزية..
6/ اجتهاده – اي بهاء الدين نوري- بخطأ وخطل تحالف الشيوعيين مع حزب البعث عام 1973 ومعارضته لذلك علانية خلال مؤتمر الحزب الثالث الذي انعقد ببغداد عام 1976..
7/ الاعلان عن تشكيله ، مع أرا خاجودور، وصالح دكله، ما عرف بـ “حزب العمل” اواخر عام 1978 في محاولة للضغط على حزب اليعث الحاكم في العراق، ومحاولة لتدارك ما يمكن تداركه بعد اشتداد الارهاب ضد الشيوعيين والوطنيين العراقيين..
8/ اجتهاده في موضوع التحالفات، والمواجهات، مع احزاب الحركة القومية الكردية ، وخاصة الاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة جلال الطالباني، اوائل الثمانينات الماضية، خلافا للآراء والمواقف والتوجهات المركزية لحزبه الشيوعي العراقي..
9/ العمل بأشكال مختلفة على تشكيل هيئات وتنظيم موازٍ للحزب الشيوعي العراقي، عشية، وخلال عام 1984 الذي تم فيه ابلاغه بسحب عضويته، واعتباره خارج الحزب، وما بعد ذلك..
10/ اجتهاده بالتعاون مع، او الاستفادة من، قوى خارجية، غربية، لأسقاط نظام صدام حسين الارهابي الدموي، ولغاية 2003 الذي شهد انهيار ذلك النظام، بدعم امريكي ..
وبلا اي تردد نشير الى ان جميع النقاط العشر السابقة تحتاج الى تقييمات واقعية، وتحليلات موضوعية، مع التذكير بأن بهاء الدين نوري قد كتب وأوضح حول تلك الشؤون التي تتباين الرؤى حولها، في حينهـــا، وكذلــك بعد حدوثها، عبر المقالات والحوارات والكراريس وغيرها (2).. كما تطرقت مؤلفات سيــرٍ عديدة، وكتب ذكريات لمسؤولين سياسيين عاشوا وعاصروا تلكم الاحداث ذات الصلة، وبتوسع حينا وايجاز احيانا اخرى، وجميعها تثير تساؤلات جديرة بالأهتمام، وان كان بعضها متشددا بهذا القدر او غيره (3) . ومن المؤكد في نفس الوقت ان جميع النقاشات المتشددة، أو المرنة، تأتي تعبيرا عن اهمية دور بهاء الدين نوري وموقعه في مسيرة حزبه الشيوعي، ومن ثم في مسيرة ومسار الحركة الوطنية العراقية عموما..
اخيرا بودي الأشارة الى انني قد شهدت وعايشت، وأطلعت على جملة تفاصيل حول التساؤلات العشرة اعلاه وبصور متعددة، بحكم مشاركتي في العمل السياسي، والتنظيمي التي ابتدأ عام 1965 وفي مواقع مختلفة ومنها عضوية لجنة تنظيم الخارج للحزب الشيوعي العراقي، في النصف الاول من الثمانينات الماضية، وذلك ما ساعد – بالنتيجة – في التعرف على الكثير من الوقائع موضع الحديث. وقد تعمدت ان تكون كتابتي هذه عامة، بهدفٍ اول، ألا وهو إشاعة التساؤلات والمراجعات، والنقاشات، مؤجلا ابداء الرأي الشخصي الان، ولحين آخر، اتمنى ان يكون قريبا، للمشاركة في تلك التقييمات، بل والحديث ايضا عن بعض شؤون خاصة في العلاقة مع الفقيد بهاء الدين نوري، ومنها خلال النشاطات السياسية والتنظيمية ببغداد اواسط السبعينات، وفي دورة ثقافية – سياسية دامت 21 يوما في صوفيا- بلغاريا ، صيّف عام 1978، وفي لقاءات ببراغ اواخر الثمانينات الماضية …
—– هوامش وإحالات ————————————————————–
1/ اصدر المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي نعياً برحيل بهاء الدين نوري، ونشر بتاريخ 2020.12.2
2/ كتاب “مذكرات بهاء الدين نوري” عن دار الحكمة/ لندن 2001.
3/ ومن بين تلك الكتب والسيّــر والمذكرات:
– كتاب “صدى السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم” تأليف زكي خيري، الصادر في السويد دون الاشارة الى الناشر، قدمت له سعاد خيري في 1995.9.20 .
– كتاب “مذكرات باقر ابراهيم” اصدار دار الطليعة – بيروت 2002 .
– كتاب “صفحات من السيرة الذاتية” لثابت حبيب العاني الصادر عن دار الرواد المزدهرة -بغداد عام 2014.
– كتاب “من الذاكرة- سيرة حياة، صالح دكله” اصدار دار المدى- دمشق 2000 .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close