بطلان اجراءات التحقيق الابتدائي

بطلان اجراءات التحقيق الابتدائي
د. ماجد احمد الزاملي
يُعد البطلان جزاءً اجرائياً يرد على العمل الإجرائي الذي يخالف بعض أو كل شروط صحته، فيهدر آثاره القانونية ، فهو بطبيعته جزاءٌ اجرائيٌ لأن قانون الإجراءات هو الذي ينظمه ويرتبهُ لتخلف شرط أو أكثر من الشروط المعتادة في القانون (1) .العمل الإجرائي الذي تطلبه المشرع صراحةً أو ضمناً، سواءً تعلق بمضمون الإجراء أو بالشكل الذي يُصاغ فيه كذلك فهو جزاءٌ اجرائي من حيث المحل ,سواءً وردت أحكام الإجراء في قانون الإجراءات الجنائية أم في قانون العقوبات إذ أن محله هو الإجراء الجنائي. ويعني البطلان بذلك عدم ترتيب الأثر القانوني الذي نصت عليه القاعدة الإجرائية، لأنه يتسبب بعدم إستكمال العمل الإجرائي لشروط صحته أو شكله أو صيغته أو الكيفية التي نص عليها القانون، فيصبح الإجراء مع هذه الحالة وما يترتب عليه من إجراءات غير ذات قيمة قانونية.
التحقيق الابتدائي هـو المرحلـة الأولـي لإثبـات حـق الدولـة فـي العقـاب ويهـدف إلـى جمـع الأدلـة التـي مـن شـأنها إثبـات وقـوع الجريمـة ونـسبتها إلـى مرتكبهـا ومـدي جـدوى تقـديم المـتهم إلـى المحاكمـة الجنائية لإقرار هذا الحق في مواجهته ، وحتى توقع العقوبات عليه فلا بـد مـن فـر ض العقوبـة ولا يكـون إثبـات أن ذلك إلاّ بعد إثبات وقـوع الجريمـة وان شخـصاً محـدداً قـام بارتكابهـا ، ولا يَقبـل أن تـشغل المحـاكم بالتحري عن مرتكبي الجرائم وأدلة إدانتهم فلابد لمواجهة ذلك ولإثبات إقرار حـق الدولـة فـي العقـاب أن تقوم بهذه المرحلة جهة مختصة ومؤهلة للبحث عن الأدلة بدلاً من تركهـا لمـشيئة الخـصوم ، وفـي هـذه المرحلة تبدو الحاجة لها ملحة وذلك لتأكيد التوازن بين حق الدولـة فـي العقـاب وحـق المـتهم فـي الحريـة الفردية وكل هذا يقتضي أن تَعهد بهـا إلـى جهـة تتـوافر بهـا الحيـدة والاطمئنـان وأن يكفـل القـانون سـرعة التحقيق و هذا أمر يتوقف على ما يخوّله القانون لجهة التحقيق من سلطات من أجـل تحقيـق مهمتـه فـي البحث عن الحقيقة بحرية كاملة واستقلال تام. والتحقيق الإبتدائي مجموعة من الإجراءات تستهدف التنقيب عن الأدلة في شأن جريمة ارتكبت وتجميعها، ثم تقديرها لتحديد مدى كفايتها لإحالة المتهم إلى المحاكمة. ويُمثل التحقيق الإبتدائي المرحلة الأولى للدعوى الجنائية؛ وهي المرحلة التي تسبق المحاكمة. وقد وصف التحقيق بأنه (إبتدائي), لأن غايته ليست كامنة فيه، وإنما يستهدف التمهيد لمرحلة المحاكمة؛ وليس من شأنه الفصل في الدعوى بالإدانة أو البراءة، وإنما مجرد استجماع العناصر التي تتيح لسلطة المحكمة ذلك الفصل. أوجب القانون على المحقق أن يسمع كل شاهد على انفراد فنص في مادته(112) من قانون الإجراءات الجنائيةالمصري انه :” فلا يصح سماع شاهد في حضور غيره حتى لا تكون هناك شبهه في التأثير أو التأثر لكن يجوز للمحقق أن يواجه بعضهم ببعض وبالمتهم ولم يرسم القانون لتلك المواجهة صورة معينة . يجب أن يكون المحقق على علم تام بأحكام القانون وما يتصل بها من علوم أخرى كعلم الإجرام والعقاب وعلم النفس الجنائي ، أن يتمتع بالفطنة وحسن التصرف وبقوة الذاكرة والملاحظة وسرعة الخاطر في تتبع الوقائع والأحداث والإجراءات والربط بينها بما يضمن للمدعى عليه ممارسة حقه في الدفاع عن نفسه وإثبات براءته . كما يتوجب عليه أن يكون مؤمناً برسالته في استظهار الحقيقة ، فيتخذ كل الوسائل الكاشفة عنها في صبر ومثابرة ، وأن يتميز بالسرعة في اتخاذ الإجراءات وعدم التباطؤ في جمع الأدلة ، وعدم التردد في مباشرة الإجراء الذي يراه سليماً ، وذلك كله بغير إهدار لحقوق الخصوم أو إخلال بمقتضيات الدفاع. كما يجب عليه الإلتزام بمبدأ سرية التحقيق بكتمان مجرياته ، لما في ذلك من ضمان سيره في مجراه الطبيعي. ولا يخفى على أحد أنّ من أبسط قواعد الحياد هي الاستقلالية ، فقاضي التحقيق لا يُمثل خصومة ضد المتهم ، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته ، وعلى هذا فإن عمل قاضي التحقيق أنما يقوم على استجلاء الحقيقة لا أكثر ولا أقل ، واستصدار القرار بالاتهام أو بالظن وعلى المحكمة المختصة الحكم إما بالإدانة أو بالبراءة .
التحقيق الإبتدائي هو مجموعة الاجراءات التي يباشرها الجهاز القضائي المكلف بالتحقيق قصد التثبت من الوقائع المعروضة عليه ومعرفة كل من ساهم في اقترافها ثم احالة مرتكبيها الى جهة الحكم لتوقيع الجزاء المناسب لهم عند الاقتضاء مع مراعاة مصلحة المجتمع من جهة ومصلحة المتهم في كفالة حقه في الدفاع عن نفسه ومصلحة المتضرر من جهة اخرى مع اختلاف الامر بين تشريعات تسند سلطة التحقيق الى جهاز مستقل وتشريعات لا تأخذ بنظام قاضي التحقيق وأخرى تأخذ بنظام مختلط. وقد حدد قانون الاجراءات الجزائية كيفية سير جميع اجراءات الدعوى الجزائية بدءا بمرحلة البحث التمهيدي الاولى ثم مرحلة التحقيق القضائي الابتدائي الى غاية مرحلة المحاكمة ولما كان التحقيق الابتدائي يجد سند شرعيته في تنظيم التشريعات الاجرائية له بالنص عليه و تحديد مجاله ونطاقه كمرحلة لاحقة للبحث والتحري وسابقة على المحاكمة ويناط بقاض مختص هو قاضي التحقيق. تظهر أهمية نظرية البطلان حيث أنها تقف سدا” منيعا” في وجه إي مخالفة لأحكام قانون الإجراءات الجزائية ابتدأ من أول إجراء من إجراءات الدعوى الجنائية وانتهاء بصدور حكم بات فيها أو انقضائها , لأن المصلحة العليا للدولة تتنازع في هذه الدعوى وذلك في إيقاع القصاص بالمتهم مع مصلحة المتهم بعدم إيقاعه, وهنا تكون الضرورة ملحة للتوفيق بين هاتين المصلحتين مع توفر الضمانات الكافية التي نص عليها الدستور وقانون الإجراءات الجزائية فيما يخص الحريات الفردية بهدف الوصول إلى محاكمه عادلة للمتهم لكي يستطيع من خلالها ممارسة حق الدفاع المقدس والاستفادة من القرينة القانونية التي تقول إن الأصل في المتهم البراءة حتى ثبوت الإدانة . ويعتبر بطلان اجراءات التحقيق الابتدائي من اهم الجزاءات المقررة في قانون الاجراءات الجزائية، لعدم مراعاة احكامه التي تستهدف الوصول الى الحقيقة تحقيقا لمصلحة العقاب مع كفالة ضمانات تلتزمها السلطة حيال الخصوم مع مراعاة للحريات الاساسية ومصلحة الخصوم. ومعناه عدم ترتيب الاثر القانوني الذي نصت عليه القاعدة الاجرائية ،لان العمل الاجرائي المتخذ بناءا عليها لم يستكمل شروط صحته او شكله او صيغته او الكيفية المنصوص عليها في القانون فيصبح الاجراء وما يترتب عليه من اجراءات لا قيمة لها قانونا وهو بذلك يختلف عن غيره من الانظمة المشابهة كالسقوط والانعدام اوعدم القبول.
وفي حالة ما إذا كانت التهمة الموجهة للمدعى عليه جناية وتعذر على المدعى عليه توكيل محام لأي سبب كان كأن يكون مُعسر الحال أو لم يجد من يقبل أن يتوكل عنه من المحامين ، فله أن يطلب من قاضي التحقيق أن يُعيِّن له محامياً يدافع عنه ، وفي هذه الحالة على قاضي التحقيق أن يعهد بأمر تعيين محام للمدعى عليه إلى نقيب المحامين في مركزه ، أما إذا لم يكن في مركز قاضي التحقيق مجلس نقابة قام الأخير بتعين محام بنفسه ، وأعتقد لو أنّ المشرّع جعل أمر تسخير المحامي أمام قاضي التحقيق في ما إذا كانت التهمة جناية أمر وجوبي كما في حالة الحضور أمام محكمة الجنايات لكان أفضل ,حتى لو رفض المدعى عليه توكيل محامٍ وذلك ضمانة وحماية لحقه بالدفاع . وعلى المحقق أن يتأكد أولاً من شخصية الشاهد بأن يطلب منه بيان اسمه ولقبه وسنه وصفاته وسكنه وعلاقته بالمتهم قبل سماع شهادته.
بطلان الشهادة:
تبطل الشهادة إذا تمت بطريق غير مشروعة إذا خالف ما أمر به الدستور أو القانون أو الأحوال العامة . وعلى ذلك إذا صدرت أقوال من الشاهد بطريقة الإكراه سواءً كان بالوعد أو الأغراء على أقل درجة وهو من النظام العام يجب على المحكمة أن تحكم به من تلقاء نفسها كما يجوز التمسك به من أي شخص ولو لم يكن هو من وقع عليه الإكراه كما نصَّت الـمادة (302) /2 من قانون الإجراءات الجنائيـة المصري (كل قول يثبت من أنه صدر من أحد المتهمين أو الشهود تحت وطأة الإكراه أو التهديد به يهدر ولا يعول عليه). أيضاً تبطل شهادة الشاهد إذا لم يحلف اليمين القانونية بأن يقول الحق وهذا ما نصت عليه المادة (283) من قانون الإجراءات الجنائية المصري وأيضا ًتبطل شهادة الشاهد إذا شهد على إجراء باطل قام به كالتفتيش وجود مضبوط أشياء غير المصرح بها في إذن التفتيش .
وقد تولى كل من التشريع والقضاء جنباً الى جنب وضع حالات البطلان و تحديد معالمه عبر مراحل متتالية منذ القانون الفرنسي القديم الصادر سنة 1970 الى غاية اليوم، واستقر على ان العيوب التي تصيب اجراءات التحقيق ليست على مستوى واحد من حيث الاثار المترتبة عليها. فمنها ما يوجب القانون مراعاتها تحت طائلة البطلان، و منها ما يستهدف بها مجرد التنظيم والارشاد و التوجيه فلا تستوجب البطلان، و على غرار بقية المشرعين, فالمشرع الجزائري في تنظيمه لاحكام بطلان اجراءات التحقيق الابتدائي بين جميع الحالات بل فرق بينها من حيث الاثار القانونية المترتبة عليها. ذلك انه اخذ من جهة بنظرية البطلان القانوني حسب المواد 38،،157،48،198،من قانون الإجراءات الجزائية اذ حدد حالات البطلان بنص صريح فخول بصفةٍ صريحة حق تقرير بطلان الاجراءات لمخالفة شكليات معينة، كما انه اخذ من جهة اخرى بنظرية البطلان الجوهري في المادة 159 قانون الاجراءات الجنائية و قد اكتفى بالمبدأ العام الذي يجب ان يؤخذ بعين الاعتبار عند الحكم بالبطلان و هو عدم مراعاة القواعد الخاصة بالاجراءات الجوهرية التي يترتب على مخالفتها اخلال بحقوق الدفاع.
إن أهمية دراسة موضوع بطلان إجراءات التحقيق الابتدائي سواءٌ أكان المشرع قصد من خلال تنظيم تلك الإجراءات تحقيق مصلحة معتبرة بوضع جملة من الضمانات التي تعبِّر عن جوهرالعمل الإجرائي والشرعية الإجرائية او كان قد قصد حماية أطراف الدعوى الجزائية أو لضمان الإشراف القضائي و حسن سير العدالة تطبيقاً لمبدا دستوري ” الأصل في الانسان البراءة” ، و مخالفة هذه الضمانات الإجرائية هي سبب البطلان الذي إما أن يكون مطلقاً، أو نسبياً و الذي يؤدي في النهاية الى تجريد الاجراء المَعيب من آثاره القانونية . و لهذا فقد اكتفت جُل التشريعات بصياغة قواعد عامة تُبين كيفية تقرير البطلان ذلك انه تصعب الاحاطة بكافة صور وفروض تعييب العمل الاجرائي ووضع قواعد اجرائية مانعة .والخصومة الجنائية بكافة مراحلها تهدف للوصول إلى الحقيقة وتطبيق أحكام القانون وإحقاق الحق , لذا يجب ان يكون هناك إلتزام بقواعد قانون الإجراءات الجنائية , من المُسلم به أن الشكل كان له في العصور القديمة أهمية بالغة، وكثيراً ما كان الإسراف في التقيُّد بالضوابط الشكلية يؤدي إلى الإفراط في تقرير البطلان والإكثار من حالاته، وبالتالي يؤدي إلى إهدار الحق أو الموضوع لخطأ في مراعاة الشكل ولا جدال في أن هذه الشكلية المفرطة لم تعد تتلائم والاتجاه الحديث في تشريعات الأصول الجزائية التي غدت تتصف بالسهولة والبعد عن التعقيد. واذا ما قرر القضاء الغاء اجراء باطل و كذلك الاجراءات اللاحقة له، وجب ان يُسحب من الملف اصل و نسخ الاجراء الباطل و الاجراءات اللاحقة له و حفظهما بكتابة ضبط المجلس، كما انه لا يمكن للجهة القضائية ان تأمر بسحب الاجراءات الملغاة من ملف التحقيق الاّ بكيفية غير قابلة للتجزأة اتجاه جميع الاطراف فلا تستطيع الجهة القضائية استعمال هذه الاجراءات لصالح اطراف ضد اطراف اخرى لم تحضر الجلسة(2). والمشرع حدد عند تشريعه للقانون الجنائي الإجرائي جملة من القواعد الشكلية والموضوعية ، وألزم قاضي التحقيق اتباعها توفيراّ للضمانات الفردية التي تناشد المحاكمة العادلة أينما كانت. ورتب على أي مخالفة لأحكامها جزاءً ثقيلا ألا وهو البطلان، وهذا الأخير لا يبطل الإجراء وحده فقط، بل قد يمتد للإجراءات التي تليه. كما وسَّع من دائرة الجهات التي تملك الحق في الطعن بالبطلان في هذه الإجراءات، وحدد مسطرة دقيقة يجب اتباعها قبل المصادقة على هذا الجزاء إذا كان مبرراً.
المشرع هو الذي يتولى بنفسه تحديد حالات البطلان بحيث لا يجوز للقاضي أن يقرر البطلان في غير هذه الحالات، وميزة هذا المذهب أنه يحول دون تحكم القاضي وتعسفه في تحديد أحوال البطلان، وأما عيب هذا المذهب فهو قيامه على تنبؤ المشرع سلفاً بأحوال البطلان، مع أنه من المتعذر أن يوفق المشرع في تحديد أحواله بشكل مطلق. ونظراً لعيوب هذا المذهب فقد أخذت به القوانين بشكل قليل، ففي القانون السوري نجد النص على هذا النوع من البطلان في بعض المواد مثل المادة / 145 / أصول محاكمات جزائية التي تنص على بطلان قرار الاتهام إذا لم يوقع عليه قاضي الإحالة أو إذا لم يتضمن أسم القاضي .
يكون البطلان نسبياً إذا انصبت المخالفة على قاعدة من القواعد الأصولية الجوهرية المتعلقة بأحد الخصوم، هذا ويمكن تصحيحه بالتنازل عنه صراحة أو ضمناً أو السكوت عليه. والتفريق بين القواعد الأصولية الجوهرية المتعلقة بالنظام العام وتلك المتعلقة بمصلحة أحد الخصوم كالمدعى عليه مثلاً أمر بالغ الدقة. وفي حالة البطلان النسبي فإنه يتوجب على قاضي التحقيق عندما يتبين أن أحد معاملات أو إجراءات التحقيق شابها عيب يؤدي إلى بطلان هذا الإجراء بطلاناً نسبياً، يتوجب عليه أن يدعو الفريق المتضرر من هذا الأجراء ويطلب منه تحديد موقفه من إثارة موضوع البطلان. الأصل أن البطلان لا تترتب أثاره إلّا متى تقرر بحكم أو بأمر من قضاء التحقيق وهي قاعدة متعلقة بالنظام العام. والقاعدة أنه متى تقرر بطلان الإجراءات زالت أثاره القانونية فيصبح وكأنه لم يكن وتطبيقاً لذلك فإن التفتيش الباطل لا يترتب عليه نسبة الأشياء المضبوطة إلى المتهم ، والاعتراف الباطل لا يجوز الاستناد إليه في الإدانة، والبطلان لا يؤثر في صحة الأدلة المنفصلة عن الإجراء الباطل فإذا ثبت مثلاً إن اعتراف المدعى عليه مستقل عن واقعة التفتيش الباطل ولا يتأثر به فإنه لا يوجد ما يمنع أخذ قاضي التحقيق بهذا الدليل المستقل ، فالبطلان لا ينال من العمل إلا للعيب الذي أثرّ في صحته وعلى ذلك فلا يمتد البطلان إلى الأعمال التالية والمترتبة عليه. أما فيما يتعلق بتأثير بطلان الإجراء المعيب على ما سبقه من أعمال فالقاعدة أن الإجراء الباطل لا يمتد تأثيره على الإجراءات السابقة لأن هذه الأعمال قد باشرت بمنأى عن العمل الباطل، وبالتالي فإنه لا تمتد إليه أثار البطلان وهذا الرأي هو الرأي الغالب إلا في حالة وجود العمل الإجرائي المركب والمتلازم فإن البطلان هنا يكون شاملاً كل العمل.
قد تختلط بعض المصطلحات القانونية الأخرى مع البطلان، و نظرا لكون هذا الأخير له أثاره الخاصة التي تختلف عن باقي المصطلحات الأخرى، استوجب منا الأمر تفريق البطلان و تمييزه عن بعض المصطلحات و الأنظمة الأخرى المشابهة له, مثل السقوط وهو منع مباشرة عمل أو مجموعة من الأعمال الإجرائية لعدم مراعاة المواعيد المحددة لذلك،وهو جزاء إجرائي ينصب على حق معين للخصم في مباشرة الإجراء لمخالفة أحكام القانون المتعلقة بالميعاد الذي يجب أن يباشر خلاله الاجراء،وبذلك فان السقوط يترتب عليه سقوط الحق في مباشرة الإجراء لانقضاء الموعد المحدد قانونا لذلك(3). أي أن السقوط جزاء اجرائي من شانه حرمان الفرد من حق إجرائي معين، ووجه الاختلاف بين البطلان و السقوط، أن البطلان يرد على العمل ذاته أما السقوط فيرد على حقه في اتخاذ عمل معين(4).
البطلان وعدم القبول:
قد يكون الإجراء غير معيب في صلبه، ولكنه يفتقر إلى احد المفترضات الإجرائية التي يتطلبها القانون لجواز اتخاذه. فالإجراء غير المقبول هو إجراء صحيح ولكن لم تتوفر واقعة مستقلة عنه و سابقة عليه يعلق القانون عليها جواز اتخاذه. فالدفع بعدم القبول هو الدفع الذي يرمي إلى الطعن بعدم توافر الشروط اللازمة لسماع الدعوى، وهي الصفة و المصلحة و الحق في رفع الدعوى باعتباره حقا مستقلا عن الحق الذي ترفع الدعوى بطلب تقريره كانعدام الحق في الدعوى. أما البطلان فهو جزاء يوقعه المشرع أو يقرره القاضي لتخلف إجراء معين ،فوجه الخلاف بينهما أن عدم القبول في كثير من الأحيان يمس جوانب إجرائية من النظام العام أي تلك الجوانب التي يجوز للقاضي إثارتها من تلقاء نفسه، كعدم حصول النيابة على شكوى من طرف المتضرر ففي هذه الحالة فان للقاضي الحق في الحكم بعدم قبول الدعوى العمومية لعدم وجود شكوى دون أن ينتظر من المضرور تقديم دفع بخصوص هذا الشأن. وللعلم انه متى توفر العنصر الإجرائي الذي كان منتفيا و كان الحق في اتخاذه مازال قائما فانه يجوز تجديد الإجراء الذي قضي بعدم قبوله. ونجد كذلك أنه لايجوز لكل من المتهم والمدعي المدني الطعن بالبطلان في اجراءات قاضي التحقيق أمام غرفة الاتهام ،وهو الموقف الذي عدل عنه المشرع الفرنسي بعد تعديل قانون الاجراءات الجزائية بموجب قانوني 04 حزيران 1993 وكل ما يمكنهما فعله هو الالتماس من قاضي التحقيق نفسه لرفع طلب البطلان. هذا بالاضافة الا ان اطراف الدعوى العمومية لم يتركوا وسيلة للطعن او التظلم ف ،كما نجد ان المشرع لم يتناول حالة ما اذا رفض قاضي التحقيق وجود بطلان عندما يعرض عليه الامر لرفعه لغرفة الاتهام ولا الآثار المترتبة على ذلك مما يتعين معه ايجاد احكام جديدة تسمح للمتهم و الطرف المدني و كذلك التظلم امام غرفة الاتهام عند عدم اجابة قاضي التحقيق عن طلباتهم المتعلقة بالبطلان الاجرائي خلال آجال معينة.
وعندما يقرر قاضي التحقيق إحالة القضية المعروضة للمحكمة فيعتبــرهذا قــرار إحالــة الــدعوى الجزائيــة، قــرارا للمعيـارين الموضـوعي والـشكلي، حيـث أنـه وفقـا للمعيـار الـشكلي يـصدر مـن جهـة قـضائية وفـق إجراءات تراعي فيها الضمانات الكافية للخصوم ، ووفقا للمعيار الموضوعي فهـو قـرار يـصدر فـي إدعاء بوقوع مخالفة للقانون وبوجود الإدعاء تقوم سلطة التحقيق بواجب التقرير والفحص لإثبـات مـن أن الواقعـة المـسندة تخـالف نـصوص القـانون . وبعـد ذلـك تقـوم سـلطة التحقيـق بالموازنـة والتـي تدور حول كفاية الأدلة أو عدم كفايتها فإذا قررت الكفاية فإنها تقوم بإحالة الدعوى وبذلك يعد هذا القرار عمل قضائي بسبب توافر جميع عناصر العمل القضائي فيه وليس حكما قضائيا. إن النظـام الـذي يعطـي للنيابـة العامـة سـلطة التحقيـق والتـصرف فيـه يعمـل علـى إهـدار الـضمانات الواجـب توافرهـا للمـتهم لأن التـصرف فـي التحقيـق إمـا أن يكـون بـالحفظ أو بإحالـة الـدعوى وكـلا القرارين يعتمدان على السلطة التقديرية للمحقق حيث أن أغلـب الحـالات تكـون بإصـدار قـرار بإحالـة الدعوى وهذا أمر منطقي لأن السلطة التي تتولى التحقيق هي نفسها السلطة التي تتولى التصرف فيه وهذا ما يؤدي إلى زيادة العبء على كاهل القضاء بزيادة عدد الـدعاوى والتـي يمكـن أن يكـون الحكم في أغلبها حكما ببراءة المتهم. إن قرار الاتهام هو ذاته قرار الإحالة وأن الإحالة التي تكون بعد قرار الاتهـام هـي مجـرد عمـل ٕ مادي وهو إيداع قـرار إرسـال ملـف الـدعوى إلـى الاتهـام وان المحكمـة المختـصة وبـذلك تكـون الـدعوى قد دخلت في حوزة المحكمة ونستند فيما نقول إلى أن قرار الإحالة هو الذي يدخلها حوزة المحكمة بيانـات تتعلـق بـالمتهم وبالتهمـة وبالجهـة المـصدرة للقـرار وهـذه البيانـات هـي مكونـات قـرار الاتهـام وبـذلك فـإن قـرار الاتهـام هـو فـي حـد ذاتـه قـرار إحالـة تتقيـد المحكمـة مـن خلالـه بحـدود الـدعوى إذا كــان المــشرّع يتطلــب للإحالــة صــدور وثيقــة اتهــام والتــي هــي ذاتهــا قــرار الشخــصية والعينيــة وإذا تطلب المشرع للإحالة تكليف المتهم بالحضور فإن ورقة التكليف بالحضور هي ذاتها الإحالة واقرار الإحالة.
———————————————-
.السعيد، كامل، 2008 ،شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، دار الثقافة، عمان، الطبعة الاولى 1-
(2)- احمد الشافعي، البطلان في قانون الاجراءات الجزائية، المرجع السابق ، ص 298
3-نبيل صقر ،البطلان في المواد الجزائية ،دار الهلال للخدمات الإعلامية، 2003، ص28.
(4)-علواني محمد علواني، شرح قانون الإجراءات الجنائية ، الدارالجامعية،2003، ص2596

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close