الخصومة الجنائية وحقوق المتهم

الخصومة الجنائية وحقوق المتهم
د.ماجد احمد الزاملي
الخصومة الجزائیة رابطة إجرائیة قضائیة ینظمھا القانون، وھي تقوم عند إتصال الدعوى بالعنصر القضائي، وتنشأ ثلاثیة الأطراف من النیابة العامة والمتھم والقاضي وھي علاقة إجرائیة تُنشيء للخصوم حقاً في أن یطلبوا من القاضي الفصل في طلباتھم ، ویقابل حقھم ھذا التزام من القاضي بإصدار حكمه، بمعنى أنھا تتضمن تقابلاً وتعدداً في الحقوق().وھناك موضوع عام في جمیع أنواع الخصومات الجزائیة، وھو التنازع بین حق الدولة في العقاب وحق المتھم في الحریة الفردیة، فالنیابة العامة بصفتھا ممثلة للمجتمع تباشر جمیع نشاطاتھا في إطار الخصومة الجزائیة سعیاً إلى ھدف أساسي وھو اقتضاء حق الدولة في العقاب، بینما یقف وراء النشاط الإجرائي للمتھم حقه في الحریة، ومن أجل ذلك لا یجوز الإستناد إلى تصرفات المتھم الإجرائیة لإثبات حق المجتمع على حساب حق المتهم (). إذا كانت مصلحة المجتمع في تحقیق العدالة باقتضاء حقه في العقاب تقتضي فرض إجراءات تمس بحریة الشخص الخاضع للملاحقة الجزائیة إلاّ أنَّ افتراض البراءة في ھذا الشخص یقتضي بالمقابل إحاطة تلك الإجراءات بالضمانات التي تكفل احترام حریته الشخصیة، ودرء أي مساس بھا، إذ أن تلك الإجراءات تھدف إلى تحقیق المصلحة العامة، ومن ثم لا یجوز أن تمتد خارج نطاق ھذه الغایة().
ومن أجل حمایة قرینة البراءة، وترتیب أثرھا في توزیع عبء الإثبات، فإن القاضي یقع علیه واجب تحقیق كل ما یأتي به المتھم في دفاعه الجوھري تفنیدا للأدلة المقامة ضده وإلاّ اعتبر ھذا القاضي مخلاً بحق الدفاع. ولا یجوز للقاضي الاستناد إلي مجرد سكوت المتھم في الدفاع عن نفسه، أو إلى الامتناع عن الإجابة على ما یوجه إلیه من أسئلة لیستنتج منه ثبوت التھمة علیه، وذلك لأن المتھم غیر ملزم أساساً بالكلام أو بالإجابة، وإلاّ لما كان ھناك معنى لمبدأ الأصل في الإنسان البراءة(). وإجراءات التحقیق التي تقوم بھا النیابة العامة باعتبارھا سلطة تحقیق لا تختلف، لا في جوھرھا، ولا في غایتھا عن تلك التي یمارسھا قاضي التحقیق ، في الأنظمة التي تجعل التحقیق بصفة كلیة من اختصاص قاضي التحقیق، ولذلك فإن التسلیم بانعقاد الخصومة الجزائیة بمجرد اتصال الدعوى بقاضي التحقیق یفرض أن نسلِّم أیضا بانعقادھا عند اتصال الدعوى بالنیابة العامة باعتبارھا سلطة تحقیق. والحق في محاكمة عادلة برز تدريجيا عبر العصور، وإعتبرت الشريعة الإسلامية السمحاء منعطفا حاسما في تأكيدها على الحق في المحاكمة العادلة، ذلك أن حماية الحق تعتبر من ضمن الركائز الهامة المُحافظة على الكرامة الآدمية في كل زمان و مكان، حيث حرصت على حماية حقوق المتهم في كل مراحل الدعوى بما فيها مرحلة المحاكمة حرصاً لم تَرقَ إليه القوانين الوضعية، من خلال ما أثبته النظام الجنائي الإسلامي نصاً وواقعاً وتطبيقاً منذ أربعة عشر قرنا، قبل أن يكتشفها المجتمع الدولي الحديث وتقرر في المواثيق الدولية الوضعية. و نتيجة لإلتزام الدول ضمن إطار قوانينها الداخلية بهذه الأسس و القواعد ، وخصوصا المتحضرة منها ، حرص المجتمع الدولي إلى اعتمادها في إطار دولي ، فجاء ميثاق هيئة الأمم المتحدة ، و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و كذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية و البروتوكول الملحق به ، و طالبوا جميعا باحترام حقوق الإنسان عموما و تطبيق قواعد حماية المتهم و أسس المحاكمة العادلة عمليا ، مقرّين مسؤولية الدولة أمام القانون الدولي عن أعمال سلطتها القضائية. معالجة الحق في الإتفاقيات الدولية المندرجة في ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان سواءً العالمية أو الإقليمية، فقد تم إقراره أيضا في المبادئ الأممية الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة والإعلانات غير الملزمة، كما كان أيضا محل دارسة في الأنظمة الأساسية لمواثيق المحاكم الجنائية الدولية عامة كانت أو خاصة، التي تُعد بمثابة الشرعية الدولية التي تتفق عليها الإنسانية قاطبةً فقد أضحت مصدراً اعتمدت عليه الدول في وضع دساتيرها وصياغة قوانينها، كما أن أنظمة المحاكم الجنائية الدولية المؤقتة شكّلت هي الأخرى مرجعا قانونياً دولياً يؤكد الحق في المحاكمة العادلة كما يعد نظام روما أيضا ثمرة جهود حلم المجتمع الدولي في إرساء دعائم العدالة الجنائية، وكفلت حماية قواعد القانون الدولي الجنائي، ومباديء الشرعية الدولية من الخروقات والإنتهاكات التي يعرفها المجتمع الدولي والإنسانية جمعاء. إنَّ قواعد قانون المحاكمات الجزائية هي نقلة حضـارية خطتهــا الــدول المتمدينـة فــي مجــال الفكــر القــانوني، بعــد أن كــان هــذا الفكــر تســوده أســاليب البطــش والإرهاب عند التحقيق في أي جريمة، بحيث كان الناس يؤخذون بالشــبهات، وتهدد كرامتهم وتحجــز حريــاتهم، فكــانت ســلطة الدولــة إزاء حريــات الافــراد وحقوقهم مطلقة لا حدود لها، فجاءت الإجراءات الجنائية اليوم لتضــع القواعــد الكفيلة بـاحترام كرامـة الإنســان، وتبديــد منـاخ القهـر والإرهـاب الــذي يرافـق التحقيــق منــد وقــوع الجريمــة مــروراً بــالتوقيف الإحتيــاطي حــتى صــدور الحكم ،وفي سبيل بلوغ الإجــراءات الجزائيــة التي هــدفها الأساســي إقامة توازن عادل بين مصلحتين متقابلتين ومتعارضتين، مصلحة المجتمع في معاقبة مرتكب الجريمة، ومصلحة الفرد في حماية حقوقه وحرياته السياســية، فالعدالة لا يضرها إفلات مذنب مــن العقــاب بقــدر مــا يؤذيهــا إدانــة شــخص قــد يكون بريئاً ().
وبعد أن ظهرت فكرة الدولة التي اتخذت على عاتقها تنظيم عملية إنزال العقاب و محاكمة الخارجين على القانون ، متأرجحة بين تفضيل حماية حقوق و حريات المتهم و بين حماية الصالح العام في الكشف عن الجريمة ، أهمها المحافظة على حرية الإنسان و حرمة حياته الخاصة و تحريم التعذيب ، و التقيّد بحياد القضاة ونزاهتهم و اختصاصهم و حريتهم وإظهار الحقيقة ، و الالتزام بمبدأ الدفاع المقدس للمتهم.
ينبغي مراجعة وتدقيق التشريعات العربية المُنظمة للإجراءات الجنائية في محاولة للإلمام بضَمانات المُتهم و تدقيق جهود المشرع للتوفيق بين مقتضيات حماية الحرية الفردية من جهة وضرورات الكشف عن الجرائم ومحاكمة مرتكبيها من جهة أخرى, وإستخلاص إلى اي مدى تمَ إقرار ضَمانات للمُتهم،أي نحتاج إلى الرقابة والمتابعة من قبل المحاكم والقضاة المخضرمين وأصحاب الخبرة والفطنة , وإستخدام المنهج التحليلي من أجل تحليل مختلف النصوص المتعلقة بهذه الضَمانات. وندعو بشكل عام الى تبني سياسة اكثر تسامحاً واكثر ملائمةً وتناسباً مع مقتضيات العصر الحديث الذي يتسم بتشعب المصالح الجديرة بالحماية دون الوقوع في تشعب الحماية وتشابكها وأضعاف القانون الجنائي.
والحد من العقاب يعتمد على الابقاء على التجريم الجنائي وتخفيف الجزاء الجنائي ,ويذهب الى إقرار سياسة جنائية تتناسب مع مقتضيات العصر والتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي من خلال تخفيف العقاب وإقرار الظروف المخففة وبخاصة العقوبات السالبة للحرية طويلة المدة ، الامر الذي ادى الى تزايد وارتفاع نسبة العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة ، مانتج عنه الحاجة الى الاتجاه لبدائل عن العقوبة سالبة الحرية قصيرة المدة لاحقا واهمها عقوبة سحب الرخصة لمدة معينة والمصادرة في قضايا المرور عندما قضت المادة 43/الفقرة 3 من قانون رقم 11 لسنة 1975 الفرنسي ، ان ينطق القاضي بصفة اصلية بإحدى العقوبات المتعلقة بسحب رخصة القيادة او منع قيادة المركبة او مصادرتها او منع حيازة اوحمل السلاح او سحب الترخيص الممنوح للصيد او مصادرة السلاح ، اي الحكم بها بصفة اصلية لا تبعية او تكميلية .ان هذا لم يكن شأن القانونين الالماني والايطالي عندما ينطق القاضي بالعقوبات التبعية او التكميلية كعقوبة اصلية ولكن دون استحالة او تعذر الاتفاق بين المحكوم عليه والسلطة الادارية المختصة باللجوء الى بديل للعقوبة السالبة للحرية الى عقوبة اخرى كالغرامة او مراقبة الشرطة. اما الاتجاه الثاني الذي يذهب الى تجريم الفعل جنائيا والتحول الى الاجراء الاخر غير الجنائي، وهو ايضا اتجاها يذهب الى اقرار سياسة جنائية متسامحة من خلال التوقف عن المتابعة الجنائية واعتماد اجراءات غير جنائية تمهد وتساعد في سرعة اندماج المحكوم عليه مجددا في مجتمعه ، فضلا عن امكانية اللجوء الى حل النزاعات الذي يسبب الجريمة دون اللجوء الى الاجراءات الجنائية(). حين يكون الإنسان متهما في قضية جنائية يكون في مرحلة حرجة وفي أمس الحاجة إلى الحماية ويشعر بأنه ضعيف أمام قوة الدولة وأجهزتها، ومن أجل تحقيق توازن بين سلطة الاتهام (النيابة العامة) التي تمثِّل الدولة والمجتمع معاً، والشخص المتهم، فإنه يجب أن يتمتع المتهم بمجموعة من الحقوق والضمانات، ومن بين أهم هذه الضمانات هو الحق في الفصل في القضية التي قُيِّدت حريته على إثرها، في أن يتم الفصل فيها بالسرعة التي لا تخل بضمانات التقاضي أمام المحاكم الجزائية، أي ضرورة أن يتم انتهاء الإجراءات الجزائية التي تتخذ بشأن الجرائم في أسرع وقت ممكن، إلاّ أن السرعة التي نحن بصددها ليس من مقتضاها التعجيل بتلك الإجراءات على حساب ضمانات قررتها التشريعات الجزائية للمتهم والتي من شأنها احترام حقوقه الأساسية والمتمثلة بأصل البراءة أو قرينة البراءة. ويصدر امر القبض من قاضي التحقيق او المحكمة المختصة او من الجهة التي أجاز لها القانون وذلك في أحوال معينة. أو من قبل هيأة تحقيقية لها سلطة قاضي التحقيق. واما عن الاحوال التي يصدر فيها امر القبض فقد نص قانون اصول المحاكمات الجزائية على ان اصدار امر القبض يكون في الجرائم التي تزيد مدة الحبس فيها على سنة ، إلا إذا استصوب القاضي احضاره بورقة التكليف بالحضور ما عدا الجرائم المعاقب عليها بالاعدام او السجن المؤبد فيجب ان يصدر فيها امر القبض ابتداءً . أن المادة ( 102 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري اجازت لكل شخص ولو بغير أمر من السلطات المختصة ان يقبض على أي متهم بجناية او جنحة في حالات حددتها وهي الجريمة المشهودة ، إذا فرّ المتهم بعد القبض عليه قانونا ، أذا كان قد حكم عليه غيابيا بعقوبة مقيّدة للحرية ، ومن وجد في حالة سكر بيّن واختلال واحدث شغباً او كان فاقداً صوابه.
إنَّ أهميـة قـانون اصــول المحاكمات الجزائية ,تتمثل في حماية حقوق الافراد وحرياتهم ولا سيما المتهمين ، ويضع قواعد قانون العقوبات موضع التنفيذ ويبين الجهات المختصة باتخاذ الاجراءات المقيِّدة للحرية أو الماسة بها وحدود الصلاحيات التي تتمتع بها .المادتان (93 و 108 )من قانون إصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لسنة 1971 نصتا على القبض, ويقصد المشرّع على تقيد حرية المقبوض علية لفتره من الزمن تمهيدا لعرضه على الجهة المختصه . والقبض غير جائز قانوناً إلاّ إذا كان تنفيذاً لأمر صادر من قاضي التحقيق أو المحكمة أو في الأحوال التي ينص فيها القانون على ذلك ويجب أن يشتمل أمر القبض على اسم المتهم ولقبه وهويته واوصافه أن كانت معروفة ومحل إقامته ومهنته ونوع الجريمة المسنده إليه ومادة القانون المنطبقه عليها وتاريخ الأمر وتوقيع من أصدره وختم المحكمه . ويبقى أمر القبض نافذ المفعول في جميع أنحاء العراق وواجب التنفيذ لمن وجِّه إليه ويبقى ساريا حتى يتم تنفيذه أو الغاؤه ممن أصدره أو من سلطة أعلى منه مخوله قانونا ( المادة 94 اصول المحاكمات العراقي ) ويجب اطلاع الشخص المطلوب على الأمر الصادر بالقبض عليه ثم احضاره بعد التنفيذ إلى من أصدر الأمر . وإذا قاوم المقبوض عليه أو حاول الهرب فيجوز لمن كان ماذوناً بالقبض عليه قانوناً أن يستعمل القوة المناسبة التي تُمَكنَهُ من القبض عليه وتَحول دون هروبه على أن لا يؤدي ذلك بأية حال إلى قتله ما لم يكن متهماً بجريمةٍ معاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد. وهناك عدة إجراءات ينبغي اتخاذها لضمان حضور المتهم أمام قاضي التحقيق أو المحقق . للمحقق في جميع الأحوال أن يكلف المتهم بالحضور بمقتضى أمر يصدره وتحديد مدة للمتهم بأن يحضر في مكان وزمان معينين وهي غير ملزمة ولا تجيز لمن يُحمِّلها الحق في تنفيذها بالقوة لأن للمتهم الخيار التام لدى تلبيتها أو يرفض تلبيتها والأمر بالحضور ويطلق عليه أحياناً التكليف بالحضور ,والتكليف بالحضور جائز عن جميع الجرائم وغير مقيَّد بنوع دون أمر منها.
———————————————————————————————-

(1-سعید عبد اللطیف حسن، الحكم الجنائي الصادر بالإدانة، رسالة دكتوراه، كلیة الحقوق، جامعة القاھرة، سنة 1989.، ص 501
2–مأمون محمد سلامة، الإجراءات الجنائیة في التشریع المصري، دار النھضة العربیة، القاھرة، سنة2001,ص88-89
3- أحمد عبد الحمید الدسوقي، الحمایة الموضوعیة والإجرائیة لحقوق الإنسان في مرحلة ما قبل المحاكمة (دراسة مقارنة)،رسالة دكتوراه، كلیة الحقوق، جامعة المنوفیة، سنة 2007,ص74
4-حماية حق المتهم فى محاكمة عادلة : دراسة تحليلية تأصيلية انتقادية مقارنة ،مؤسسة المعارف للطباعة والنشر, 1998 – ، ص 62
5-لفتة هامل العجيلي،”حق السرعة ص35في الاجراءات الجزائية “،منشورات الحلبي الحقوقية ،الطبعة الثانية، سنة2012, ص35 . –
6-د. محمد عبد اللطيف عبد العال : مفهوم المجني عليه في الدعوى الجنائية : ،دار النهضة العربية , القاهرة ، الطبعة الاولى , 2006 ص16

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close