محطة رقم 7 الفرزة الثانية

محطة رقم 7 الفرزة الثانية
وما دمتُ في صدد تحليل واقع الانسان وحقيقته أعود الى الوهم القومي الذي يتعصب له كثير من الناس
فالقوميات التي ظهرت ونادى بها اقوام على مدى العصور والاجيال وما زالت تجول وتصول في عقول
الناس ما هي في واقعها الا مفاهيم متوارثة رثّة استعبدت الناس وخلقت لهم حزازاتٍ واحقادًا أدتْ الى
ان تظهر على أشكال من التطرف العنصري واصبح للنظرة القومية شأنٌ واعتبارت في وسطنا العربي والانساني
فتَبَنّاها الانسان وخلط الاوراق على نفسه لِـيَـتَسيّـدَ القويُّ على الضعيف ومن طريف ما قرأتُ ان الديانات
الوثنية في الهند تُقَسّم البشر على منظور آلهتهم فالرأس الى المتنفذين والاشراف والايدي الى الماهرين
والفنيين واما الارجل والاقدام فهي الى السُوَقة وباقي الناس .
وفي عصرنا الحديث استغلت بريطانيا هذا المفهوم باوساط دولنا الناطقة بالعربية لتأليبها على الدولة
العثمانية التي أطلقت عليها لقب الرجل المريض فنجحت في خلق تيارات قومية لتمزيق وحدتها وتم لها ذلك
وبعد سقوط الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى وَقَعَتْ الدول العربية فريسةً بين ايدي الدول الغربية
المنتصرة وهي بريطانيا وامريكا وفرنسا وروسيا على غرمائها وهم المانيا واليابان والدولة العثمانية فتقسمت
الكعكة فيما بينها واختارت لها رجالاً يحكمون شعوبها ويمثلون مصالحها واصبح للمواطن العربي اوطانٌ
وحكوماتٌ تسلطت على شعوبها وتحدد دخول المواطن العربي الا بجواز وتصريح بعد ان كان بلدًا مفتوحًا
لكل رعايا الدولة العثمانية وهؤلاء الحكام كما اسلفت لا يستطيعون الخروج عن الاطار المرسوم لهم واماعن
سياستهم مع مواطنيهم فلا شأن لأسيادهم بما يقومون به بل ويدعمون استبدادهم وقمعهم لشعوبهم
بتقوية منظوماتها المخابراتية وتزويدها بوسائل التعذيب والدعم اللوجستي لقمع اي معارضة للسلطة وكان
العراق حصة الاسد البريطاني الذي يعمل مع اتباعه من الحكام العرب ويعمل في الجانب الاخر مع حلفائه
دول الغرب على زرع افكار وفلسفات غربية مادّية علمانية لتكون العامل الممزق لنسيج الوحدة الاجتماعية
داخل كل بلد عربي بخلق فجوة بين الدين والعامّة من الناس في الدول الاسلامية وأول مَنْ تأثر بهذه الافكار
العلمانية هو الضابط العثماني أتاتورك فأقام دولةً تركيّةً علمانيّةً وسَلَخَ جلدها الاسلامي وتقمصت القميص
الغربي وفرض العلمانية بالقوة فلم يَنَلْ عنبَ اليمن ولا بَلَحَ الشام .
وفي العراق تأسس الحزب الشيوعي بمساعدة الاتحاد السوفياتي آن ذاك سنة 1932 ويُقال أنّهُ تأسس قبل
عام 1932 اسسه بعض النفر من الشيعة النجفيين فلم تجد لفكرهم صدًا بين صفوف المواطنين ولكن
بعد ان تسلم سكرتارية الحزب الشيوعي يوسف سلمان يوسف المعروف بفهد في 1932 اتاحت الظروف
له ارساء قاعدة جماهيرية باعتباره حزب ثوري يلبي طموح غالبية الشعب العراقي وهم من العمال والفلاحين
وكان الممول له الاتحاد السوفيتي في وقته والموجه الى سياسته .
وفي بداية الخمسينات زرعت فرنسا حزب البعث العربي الاشتراكي بشعاره المُغري وحده وحرية واشتراكيه
والبداية كانت في سوريا ثم انتقلت افكاره الى العراق وكان المؤسس له فؤاد الركابي وهو من الشيعة والمشرف
والامين العام له المسيحي المسلم ميشيل عفلق وتبنى تمويله هو الغرب .
أضف الى ذالك احزابًا تُسمي نفسها بالوطنية انبثقت من داخل العراق منها الحزب الوطني الدمقراطي بقيادة
الاستاذ كامل الجادرجي وهذه هي ابرز الاحزاب التي اتذكرها في العراق.
والغاية الغربية واضحة من ورائها وما سيجنيه منها فهي يده العاملة في الاوساط الاجتماعية بنشر افكاره
المسماة بالوطنية والتحرريه والمستبطنة العمالة اولاً والاستحواذ على السلطة ثانيًا ويبقى الممول هو الموجه
وهو صاحب الارادة على الطرفين / الحكومة / وعلى الاحزاب في الداخل .
والذي قوّى وعزز وجود الاحزاب في الدول العربية هو دكتاتورية الحكام العرب والموروث العثماني للشعوب
التي رزحت تحت سيطرتها وابرزه هما الجهل والفقر وما زالا حاضرين الى يومنا هذا ولنا في الربيع العربي
خير شاهد الذي ازال حُكّامًا عملاءً انتهت صَلاحيتهم وجاء باخرين وكان الشعب العربي المضحي المخدوع
هو الضحية.
وكان للعراق حصة الاسد في هذا المعترك الدامي والمدمر لنسيجه الاجتماعي ووحدته الوطنية والذي تسلم
مسلسل التحرير هم العسكريون اللاعب القادر على تحقيق الهدف حيث تشكلت خلايا اطلقت على نفسها
بالضباط الاحرار وكان اول انقلاب عسكري في الدول العربية هو في عام 1952 بمصر وقد تطرقتُ الى ذكره
في المحطات السابقة ثم تلاه انقلاب 1958 في العراق .
وتبقى الاحزاب هي التي تقدم الضحايا من الناس الطيبين للوصول الى السلطة مُعللين الناس بأن القادم سيأتي
يألافضل والاحسن وما زال الشعب العربي يحلم بهذا القادم الافضل .
كما ان بريطانيا والغرب لم يتركا المؤسسات الدينيه التي لها دور في مجتمعنا العربي فتعاملت معها مثلما
تعاملت مع الاحزاب العلمانية التي تدعي الوطنية فجندوا عملاءً اخترقوا بهم المؤسسات الدينية السنية
والشيعية كما اشتروا ذمم البعض من رجال الدين وزرعوا العيون من قَبل سقوط الدولة العثمانية .
كما لم تنسَ بريطانيا ثورة العشرين التي قام بها رجال الدين الشيعة في العراق وما نالها منهم فأعطت قيادة
العراق نكايةً بهم الى السنة عند تأسيس الدولة العراقية ولكن القيادة الدينية الشيعة تجاوزت هذا الموضوع
على ان الحكومة مسلمة فالملك عربي مسلم فلا فرق عندهم وتشكلت الحكومة سنيةً فأصبحوا هم القيادة
المتنفذة وزاد علماء الشيعة بالطين بلّة أن أفتوا بتحريم وظائف الدولة بكل فروعها مما اتاح للسنة فرصةً
ذهبيّةً فصار الحلّ والعقد بيدهم فلا يتعين الشيعي في درجة وظيفية عُليا كانت او دُنيا الا ان يكون موثوقًا
بتبعيته لهم او الى برطانيا وعلى هذا تمت التشكيلة الحكومية للدولة الملكية فهي برلمانية تتألف من
مجلس للنواب واخر للاعيان وكلاهما يكونان بالتعيين من قِبل الملك وحاشيته وقد بينت ذلك وانتهى هذا
النظام بانقلاب العسكر صبيحة يوم 14 / تموز / 1958وللعلم أن تأسيس الجيش العراقي كان على وفق
التدريب العسكري البريطاني وباشرافها ومن هنا لا استطيع ان احكم بوطنية الانقلابيين الخالصة والدلائل
قد اظهرت الحقائق وتَبيّن زيف ما يدّعون ومثلنا يقول ماكو زور يخله من واوي .
**************************************************************
الدنمارك / كوبنهاجن الثلاثاء في 22 / كانون اول / 2020

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close