حركة الرسل والانبياء (ع)حركة يوسف(ع)

حركة الرسل والانبياء (ع)حركة يوسف(ع)، الدكتور صالح الورداني
———-
جاءت قصة يوسف في القرآن في سورة كاملة تحمل اسمه سوف نستعرضها هنا دون الاستعانة إلا بالقليل من نصوص القرآن تجنباً للإطالة..
وتبدأ القصة برؤيا يوسف وتآمر إخوته عليه وهو صغير، وتخلصهم منه بإلقائة في البئر ،ليلتقطه بعض المسافرين المتجهين لمصر، ويبيعونه هناك لأحد كبرائها وهو عزيز مصر..
وتلك هى بداية يوسف في مصر..
والفصل الأول منها..
أما الفصل الثاني فيبدأ من خلال بلوغه وإفتتان إمرأة العزيز به..
ولما رفض يوسف طلبها واكتشف أمرها من قبل العزيز مكرت به وإدعت أنه أراد بها سوءاً وطالبت بتوقيع أقصى العقوبات عليه..
إلا أن شهادة واحد من أهل المرأة أنقذت يوسف وبرأت ساحته..
والظاهر أن هذه المرأة كانت صغيرة السن وبلا أبناء وزوجها كبير السن زهد فيها ،فمن ثم هى تعيش حالة من القلق النفسي والحرمان الجنسي..
وهو ما يكشف لنا أن هناك خلل في العلاقة الزوجية نتيجة عدم التكافؤ بين الزوجين ،مما يعطي لنا صورة سلبية عن الأسرة المصرية والمرأة في ذلك الوقت..
ولما أشيع الأمر في المدينة وتناولت النسوة من أصحاب تلك المرأة سيرتها تملكها الغيظ وقررت أن تلقنهم درساً..
وهذا الفصل الجديد من قصة يوسف يعطينا صورة أكثر سوءاً عن المرأة المصرية في ذلك العصر، إذ أن الأمر تعدى إمرأة العزيز إلى نسوة أخريات ،لما رأوا يوسف تهافتن عليه وإنبهرن بجماله ،حتى غبن عن الوعي وقطعت السكاكين أيديهن، وبدا وكأنهن لم يرو رجالاً من قبل ..
وأصبح يوسف في مواجهة إمرأة العزيز المصرة على مراودته وصواحبها أيضاً..
إلا أن النتيجة كانت أن إختار يوسف السجن الذي دخله ظلماً بكيد النسوة..
وحدث أن رأى الملك رؤيا أثارته ولم يجد لها تفسيراً..
(وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ . قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ .
وهنا تذكر الساقي رفيق يوسف في السجن وأخبر الملك بأمره فأرسله إليه في السجن يستفتيه..
وجاء رد يوسف:
قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ .
ثم جاء دور المواجهة بين يوسف وخصومه في حضرة الملك وحاشيتة وتم تبرئة يوسف..
وهو ما جعل الملك يقرر أن يستعين به..
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ.
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ . وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ.
وهكذا تمكن يوسف في مصر وتسلم زمامها ليواجه أزمة خانقة كادت أن تعصف بها ،ليزداد قوة وشعبية بين المصريين، ويتمكن من نقلهم بالتالي من الوثنية إلى الوحدانية والدين الخالص..
وتسلم يوسف السلطة يعطي إشارة إلى عدم ثقة الملك بقدرات من حوله ،وعجز المسئولين عن مواجهة الأزمة القادمة وهو ما يعني عدم كفاءتهم..
ويعطي إشارة أخرى إلى بصمة غير المصريين أو الأجانب في تأريخ مصر وحضارتها..
ومن خلال موقف يوسف هذا استنبط البعض جواز قبول المناصب في الدولة الكافرة أو الظالمة..
ولما عمت المجاعة مصر وما حولها طلب إخوة يوسف من أباهم يعقوب(ع) أن يأذن لهم بالسفر إلى مصر لطلب العون من ملكها فوافق على حذر..
وكان ما كان بين يوسف وإخوته ومجئ يعقوب لمصر..
والسؤال هنا : هل حفظت مصر هذه القيمة الكبيرة التي استمدتها من ذلك النبي القادم من بعيد..؟
والجواب هو لا ، فقد انقلب المصريون على يوسف بعد وفاته،كما انقلبوا على الفاطميين من بعد، لتعود مصر مرة أخرى إلى الوثنية بمشيئة الفرعون الجديد ،ولترد الجميل لبني إسرائيل قوم يوسف الذين إستوطنوا مصر بأن استحوا نسائهم وقتلوا أبنائهم واسترقوا رجالهم..
وهو الأمر الذي أدى لظهور موسى من بعد ليقوم بدوره في إنقاذ بني إسرائيل وتحريرهم من عبودية المصريين..
وهكذا أهدى الله لمصر نبياً طاهراً فأراد نسوة مصر أن ينجسوه ،ولما أصر على الطهارة ألقوا به في السجن..
وهذه بالطبع نتيجة ليست في صالح مصر..
والسجون من قديم كانت سنة من سنن المصريين وتكتظ بالمظلومين والأحرار..
وهى سنة لازال يعمل بها حتى اليوم..
وهى ما تولد منها المثل الشائع : ياما في السجن مظاليم..
وعلى الرغم من تمكن يوسف في مصر وإحضاره والده، إلا أنه ليس هناك ما يشير إلى بقاءهما فيها..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close