خواطر بمناسبة مرور 100 عام على تأسيس الجيش العراقي البطل

خواطر بمناسبة مرور 100 عام على تأسيس الجيش العراقي البطل

احمد الحاج

الى الأمام سر …الى الوراء در ..ثابت ..يمينا تراصف ..امامك ..وازنا ، هروووول “طالعلك ياعدوي طالع ..من كل بيت وحارة وشارع ” ،هكذا بدأت مسيرتي مع اقدم واعرق جيش عربي في عموم الشرق الاوسط والذي يحتفل في 6/ 1 / 2021 بمرور 100 عام على تأسيسه عام 1921 م ، هكذا كنا نفعل في كل يوم فجرا ونحن بالفانيلات البيضاء -نص كم -ناصعة البياض في عز الشتاء القارس ، تتقافز فوقها اقراص الهوية الشخصية المعلقة في رقابنا بسلسلة معدنية والتي تحمل اسم المنتسب وصنف دمه ..
الى يميني كالعادة يهرول سركيس الارثوذكسي “من سكنة بغداد الجديدة “،والى يساري حافظ البصري “شيعي ” وأمامي مباشرة علوان الجبوري “سني” وخلفي جودت التركماني ” من محافظة كركوك ” والى جانبه عن يمين جوهر الكردي “سليمانية “، وسالم الصابئي “بابل” عن يسار ، كان ” طاهر “ديالى ” لايكف عن التنكيت حتى اثناء الهرولة، متناغما مع نكات عامر الجميلة “بغداد الرصافة “،فيما كان سعد الدليمي ” الانبار “، وذنون ” الموصل “،وناصر”ذي قار “وحسين ” كربلاء “، وعبد الرحمن “صلاح الدين” لايكفون عن لومهما ولكن بأدب واحترام ،اذ كانوا اكثر جدية وتناغما مع التدريبات العسكرية الصباحية والمسائية منهما …كما انهم كانوا يخشون من ان تكون نهاية هذه المزاح الثقيل عقوبة جماعية لأن الشعار في الجيش هو ” الخير يخص ، والشر يعم ” ولاعبرة في العقوبات الجماعية للشهادة الجامعية او اسم العائلة او لقب العشيرة او المركز الاجتماعي والدين والمذهب ،فهذه كلها تركن جانبا ويطبق عليها الشعار الثاني “خريج مريج ..كله بكعب الابريج ” لتنتهي بحلاقة نمرة صفر مع الزحف فوق الاحجار ،والتدحرج في الرمال والقفز من الشواهق و- الشناو – بأرقام فلكية حتى ارنولد شوارزنيجر, وفان دام ،ليس بمقدورهما الاتيان بنصفها ،والبقاء في العراء لفترة طويلة .
ولكوني الاطول بينهم فكنت الاسرع كالمعتاد في كل السباقات التي تلي الهرولة الصباحية وكنت اترك البقية وراء ظهري بمسافة ليست بالقصيرة – بس اول هده – في طريق الذهاب الى النقطة المحددة ولكنني لا البث ان اصل آخرهم في طريق العودة وأنا الهث من شدة التعب ،وقد تعلمت من هذا الدرس البليغ بأن “العبرة انما تكون بالخواتيم والنهايات والمطاولة والصبر في كل شيء ،وليس في الانطلاقات العاطفية السريعة المتهورة والبدايات الاندفاعية غير الناضجة والتي سرعان ما تتلاشى امام المطاولين وتخبو امام المتأنين المهرولين على مكث وتؤدة ممن يحتفظون بقواهم ولايستهلكونها ولايفرطون بها كلها في طريق الذهاب الاسهل ،تحسبا لطريق الاياب الاصعب”، او كما يقول الحكماء”العبرة بمن صدق لا بمن سبق “،كانت هذه التشكيلة العراقية القومية والدينية المتنوعة والمتعايشة بسلام ووئام تجتمع كلها يوميا لتناول الطعام ثلاث مرات من – قصعة واحدة – نسمع خلالها حكايات وامثال من اقصى شمالنا الحبيب مصحوبة بعسل وتين الشمال وكليجة الموصل..ننصت الى دارميات وابوذيات وزهيريات من جنوبنا الجميل مع التمر وحلاوة نهر خوز تختم عادة بمقاطع من طور المحمداوي بصوت احدهم ..حكايات عن بساتين وانهر وقنطرات ومزارع ديالى التي تخلب الالباب مشفوعة بالبرتقال والرمان ..قصص عن الفرات والنواعير والمآذن العريقة وحكايا الجود والكرم وحسن الضيافة في غربنا الرائع تنتهي بمقاطع من شعر البادية …
لم يكن لهذا الجيش ان يكون الاعرق والاقوى والاكثر تنظيما والاشد شجاعة واقداما وبسالة في عموم المنطقة طيلة تأريخه لولا هذا التناغم بين الطوائف والقوميات والمكونات في صفوفه بما بدا جليا في كل الحروب والمعارك التي خاضها في فلسطين واكتوبر وحرب الخليج الاولى وغيرها ..الشيعي والسني ، الكردي والعربي والتركماني ، المسلم والمسيحي والصابئي ، الاسود والابيض والاسمر كلهم سوية في خنادق ومواضع مشتركة ، همهم واحد ، خوفهم واحد ، جريحهم واحد ، حلمهم واحد ، شهيدهم واحد ، بلدهم واحد ، علمهم واحد ، …ولعل هذه واحدة من ” بركات التجنيد الالزامي ” التي تصهر المكونات كلها في بوتقة واحدة – وشحده اللي يحاول ان يثير فتنة طائفية او يتجاوز حدود الادب واللياقة مع البقية او يحاول تجريح او التقليل من شأن الاخرين ومناطقهم ومذاهبهم واديانهم ..يشوون على اذاناته بصل – !
عندما اصبت في رقبتي وصدري نهاية الحرب العراقية – الايرانية بشظايا قذيفة هاون عيار 120 ملم ..فإن من حملني الى المستشفى الميداني كان اياد البصراوي ، ويونس المصلاوي ، وكرار النجفي ولأنني صاحب نكتة ودعابة مستلهمة من التراث والفلكلور البغدادي ، فكانوا لايكفون عن ممازحتي وعلى طريقتي حتى وانا في تلكم الحالة المزرية التي يرثى لها وكان احدهم لايكف عن سؤالي مازحا ” اي ، شكال ابو المثل الشعبي ..اليدري يدري والما يدري يكول كضبة عدس ؟” فيرد الثاني ” لا اكيد كال عرب وين طنبورة وين “، ليرد الثالث “اكيد المبلل ما يخاف من المطر ” ، ولاريب في ذلك فالجيش العراقي الباسل هو عراق مصغر يجمع كل المكونات والطوائف والاديان في صفوفه ومتى ما حاول بعضهم تفكيك هذه المنطومة الرصينة والعبث بها فستتغير الاحوال الى ما لاتحمد عقباه، ولابد من الحفاظ على استقلالية هذه المؤسسة العريقة وابعادها كليا ونهائيا عن الصراع السياسي وعن المحاصصة الحزبية وعن التكتلات العشائرية والاحتقان الطائفي مهما كانت الظروف والاحوال..حفظ الله عراقنا الحبيب وجيشنا الباسل من كيد الكائدين وفتن المضلين وتفريق المفرقين ..آمين .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close