مشاهد ذات عبر / الجزء الثاني

د. حسن كاظم محمد

المشهد الأول

كنا نسكن حي الجامعة ببغداد، أحد أولادي ربّى كلبة سوداء اللون نوع “جرمن شِپرد” وكانت ذكية ووفية وتحرس الدار بأمانة. سافرت أنا وأم الأولاد في سفرة خارج العراق. أوصلتنا إلى باب الكراج مع باقي أفراد العائلة توديعاً. أثناء فترة الغياب كانت تدخل مكتبي صباحاً وتراقب باب الكراج وكأنما تنتظر حدثاً. في يوم العودة وحال وصول التكسي لباب الدار أسرعتْ فرحة وشبكتني باليدين والرجلين محركة رأسها يمينا ويسارا وتشم ثيابي. بعدها وقفت أمامي مبتهجة من تعابير الوجه ودورة الذيل المغزلية، ثم كررت نفس المراسيم مع أم الأولاد وانسحبت جانباً. سافر ولدنا للدراسة العليا ولصعوبة العناية بها، قررت أن أهديها لصديق لتكون في بستانه. جاء لاستلامها مع طبيب بيطري وسيارة حمل خفيفة. رفضت الخروج بشدة إلا بعد أن زُرقت بإبرة مخدر وأخذوها خارجا بنوم عميق.

العِـبرة:

هَـــلــي وفّـوا لازم آنـه وَفّـي

مِـلْح وزاد يبقى لْـيـوم حَـتْـفي

شلون تْـرُك بيت الـلَفّـه وِلـفي

شْگـد أخلص إله أبْداً مَـيِـكفي

المشهد الثاني

في ستينيات القرن الماضي، كنت أسكن وأعمل في قرية نائية جبلية شمال كردستان العراق أثناء خدمتي بما يعرف بالقرى والأرياف. المنطقة كانت معرضة للقصف الجوي بين فترة وأخرى. عندنا دجاجة من النوع المحلّي تنتج بيضا ولها عشرة فراخ، يجولون ويمرحون في فضاء القرية. فجأة تهرع الأم وفراخها قرب البيت وتفتح جناحيها والكل يختفون تحت المظلة الآمنة، وبعد لحظات نسمع أصوات القصف. وبعد انتهاء المهمة تفتح جناحيها لإخراجهم سالمين آمنين.

العِـبرة:

مِـن سِمعـت خَـطَـر جايِهه مْـن بْـعـيد

عُـرفَـت لـلجِـنح هَــم لـلحـمايه يْـفـيـد

مـنـو حَـذَّر مـنـو گـلهـه أكـو تـهـديـد

عِـدهــه مـوهـبـه تْـقـرّر شـنـو تْـريـد

المشهد الثالث

الحديقة الداخلية في المنزل عامرة بالزهور الموسمية والدائمية والأشجار المثمرة، وكانت مرتعا لمختلف الطيور المغردة والحمام بمختلف أشكالها والتي كنت أتابع حركتها بشغف وتأمل. في أحد الأيام شاهدت حمامة يصعب عليها المشي محاطة بأربعة حمائم يشجّـعونها على المشي. استمرت المحاولة بين فشل ونجاح لمدة يومين، ثم فارقت الحياة. عادوا لزيارتها يحركون بها ويشمّون جسدها لمدة يومين حتى يئسوا، ثم تركوا الحديقة كاملة لحين آخر. من جانبنا بعد ثلاثة أيام تخلصنا من الحمامة الميتة بطريقة حضارية. وبعدها عاودت الحمائم جميعا زيارة الحديقة كما كانت تعمل سابقاً.

العِـبرة:

أدّوا الـواجـب عَـمـل كامـل وشـامـل

بْكـل مَـحبّـه والوِفه وما مِـش مُقابل

هِـيّه سوله لـلمُـحب تحصـيل حاصل

طـيـر يِـنطـي لـلبشر حِـكمه بْـرسايل

وإلى اللقاء

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close