حول الموازنة مرة أخرى السرقة بعيون وقحة

سمير عادل

لا نضيف شيئا إذا قلنا إن الموازنة لعام ٢٠٢١ التي قدمها الأبن البار لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي مصطفى الكاظمي إلى البرلمان لتمريرها هي أكبر عملية نصب واحتيال على أغلبية جماهير العراق، وهي ما زالت قيد المناقشة في البرلمان.

لقد تحدثنا في مقابلات ومقالات حول الخطوط العامة للموازنة واهم النقاط فيها ولا نكرر ما أشرنا إليه، ولكن في هذا المقال سنعمل معادلة حسابية بسيطة كي نبين زيف وأكاذيب وخداع الكاظمي ووزير ماليته حول تلاعبهما برواتب ومعاشات العمال والموظفين، إذ عبر الكاظمي بغضب ولوح بورقته كدليل قاطع في مؤتمر صحفي وأمام الكاميرات وبشكل هوليودي بأنه لم يستقطع من الذين يتقاضون فتات المعاشات.

لنشرح هذه المعادلة بشكل بسيط كي يفهمها أولئك الذين يزايد عليهم الكاظمي ويمن عليهم، لكي يدركوا كم أنَّ رئيس حكومتهم محتال ولا يختلف عن سابقيه قادة الأحزاب الإسلامية البغيضة مثل المالكي والعبادي وعبد المهدي، بل أنه اثبت انه أسوئهم بالكذب والخداع وكثرة تشكيله اللجان التحقيقية اكثر من سلفه لطمس الحقيقة حول الجرائم التي ترتكب يوميا بحق جماهير العراق. ويجدر بالذكر أن الكاظمي وهو الشخص الوحيد في العملية السياسية منذ احتلال العراق عام ٢٠٠٣ باركه صندوق النقد الدولي وأعلن عن سعادته فور إقرار الموازنة من قبل مجلس الوزراء وإرسالها إلى البرلمان. فما أقدم عليه الكاظمي من عملية سرقة للعمال والموظفين بشكل سافر لم يستطع أن يقدم عليه حتى أساتذته بالنصب والنهب مثل المالكي.

إن واحدة من الأشياء التي يتذرع بها الكاظمي ووزير ماليته علاوي في عملية الاستقطاع المهول لرواتب ومعاشات العمال والموظفين هي انخفاض أسعار النفط في خضم الأزمة الاقتصادي العالمية بسبب وباء كورونا. إن مقارنة موازنة عام ٢٠١٤ بعد اجتياح داعش لثلث مساحة العراق وانخفاض أسعار النفط إلى دون ٣٠ دولار وتسليم الخزينة فارغة من قبل حكومة المالكي وحاجات الطبقة السياسية ومرجعتيها الدينية لشراء الأسلحة والمعدات وإعادة ترتيب جيوشها وميليشياتها مقارنة مع هذه المرحلة، كل ذلك حصل ولم يبلغ الوضع الاقتصادي ما وصل إليه من السوء في موازنة الكاظمي، ومع هذا لم تتجرأ حكومة العبادي بالإقدام على ما ذهب إليها حكومة الكاظمي اللصوصية بامتياز، غير فرض سياسة تقشف بسيطة مقارنة مع مسودة الموازنة الحالية.

والجدير بالذكر أن وقاحة حكومة الكاظمي في تمرير موازنته تستند على مسالتين، الأول الدعم الأمريكي السياسي والمعنوي والمادي لها مقابل تنفيذ شروط مؤسساتها المالية مثلما أشرنا إليها، والثانية تسويق نفسها كذبا وخداعا بأنها جاءت تلبية لمطالب المنتفضين او مطالب انتفاضة أكتوبر. والمسالة الثانية تفسر القمع الذي تعرضت لها ساحة الحبوبي من قبل التيار الصدري الذي يدعم الكاظمي في مساعيه الاقتصادية وإطفاء جمرة الانتفاضة بشكل نهائي دون أن يحرك الكاظمي ساكنا.

لنعد إلى معادلتنا الاقتصادية، وهي أن الاستقطاعات من الرواتب لا تشمل من يتقاضى ٥٠٠ ألف دينار وما دون كما يقول لنا الكاظمي، طبعا هذا من الناحية الشكلية صحيحة، ولكن للنظر إلى عملية الخداع والتمويه الذي جاءت في الموازنة وهي تخفيض سعر العملة العراقية إلى نسبة ٢٢٪. اي عندما كان العامل او الموظف يتقاضى ٥٠٠ ألف دينار، وسعر الدينار العراقي مقابل ١٠٠ دولار يساوي ١٢٠ ألف دينار، يعني يساوي ٤٠٠ دولار، أما الآن يساوي الراتب المذكور ٣٤٤ دولار حيث خفضت العملة إلى ١٤٥ ألف دينار لكل ١٠٠ دولار. اي بشكل آخر فقد العامل او الموظف من راتبه وفقاً للقيمته السوقية ٥٦ دولار، وكما نعرف جيدا أن السوق العراقية تغطي حاجات المجتمع الاستهلاكية وحتى الإنتاجية من عمليات الاستيراد، وليس لدينا غير النفط نقوم بتصديره، وقبل أن ننتقل إلى الشطر الثاني من المعادلة، نريد أن نبين للقارئ أن دول العالم التي لها قدرات بالتصدير على سبيل المثال الصين تقوم بتخفيض عملتها اليوان مقابل الدولار كي تشجع على عمليات التصدير، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تشتكي من سياسات الصين في تخفيض عملتها مقابل الدولار، أما في العراق فتخفض العملة كي تسرق الجماهير بشكل فاضح. بيد أن هذا ليس كل المعادلة، ففي الموازنة تحرر أسعار الوقود او ترفعها بنسبة ٢٠٪. وهذا يعني إضافة أسعار إضافية إلى أسعار السلع بجميع تفاصيلها حيث تستهلك الوقود من اجل تصنيعها هذا اذا فرضنا بشكل خيالي لدينا صناعات محلية وعمليات النقل والتسويق لإيصالها إلى الأسواق وبغض النظر كانت السلع مصنعة محليا او تم استيرادها. اي سترتفع أسعار السلع أيضا بنسبة ٢٠٪ وهذا يعني انخفاض إضافي من القيمة السوقية لراتب او معاش من يتقاضى ٥٠٠ ألف دينار وما دون. وهذا يعني أن المبلغ (٥٠٠ ألف) انخفض قيمته إلى ٤٠٠ ألف دينار، وإذا أضفنا إلى قيمته بعد تخفيض العملة فستكون القيمة السوقية ل ٥٠٠ ألف دينار التي تَمِنّ حكومة الكاظمي على دفعها للعمال والموظفين تساوي ٢٧٥ دولار بعد أن كان ٤٠٠ دولار، هذا ناهيك عن خفض قيمة القدرة الشرائية ورفع أسعار بدلات الإيجار التي ستضاف إلى كاهل المجتمع برمته، ومع هذا يصر ويزايد علينا الكاظمي بأنه لم يقوم بتخفيض رواتب ومعاشات العمال والموظفين، فهل هناك أكثر صلافة ووقاحة وكذب وخداع من هذه الادعاءات.

طبعا لم نتطرق إلى السرقات الأخرى التي أدرجت في الموازنة بحق العمال والموظفين مثل تخفيض مخصصات الخطورة والزوجية والشهادات إلى نسب تصل إلى أكثر من ٥٠٪، فلقد أشرنا إليها في مناسبات أخرى.

أما فيما يخص رواتب أعضاء البرلمان وأصحاب المناصب الخاصة والمستشارين وجيش الموظفين في الرئاسات الثلاثة وقادة المليشيات التي أعدت الغطاء لكي تسرق حكومة الكاظمي جيوب العمال والموظفين، فإن تخفيض الرواتب لن تؤثر عليهم، لأن حجم معاشاتهم التي يتقاضونها دون اي وجه حق تبقى دون أيّ تأثير سوى مساحة بذخهم وإنفاقهم على ملذاتهم ومتعهم، بينما نرى العامل والموظف والعاطل عن العمل بالكاد يستطيع أن يؤمن معيشته ومعيشة أسرته.

وفيما تخص بنود الموازنة التي هي الأعلى من موازنات عام ٢٠١٤ -٢٠١٩ فهي تبين حجم التضليل الذي تمارسها حكومة الكاظمي حول تأمين الأموال للمؤسسات الدينية والمليشياتية والرئاسات الثلاثة لترسيخ وإدامة السلطة المليشياتية الإسلامية الفاسدة على حساب تأهيل المصانع والمعامل الحكومية ومعيشة العاطلين عن العمل ومعاشات العمال والموظفين، وقد تطرقنا إليها في مقابلاتنا ومقالاتنا فلا داعي هناك لتكراره.

بيد أن ما تزين كذبة وخداع الكاظمي ووزير ماليته هو تشجيع القطاع الخاص وجلب الاستثمارات كي توفر فرص عمل لأكثر من ١٢ مليون عاطل عن العمل، فالأحمق وحده سيصدق أن العراق وفي خضم الصراعات الإقليمية والدولية التي تحرك الأحزاب السياسية المحلية كبيادق الشطرنج سيتحول إلى بلد طبيعي ولاسيما على صعيد الاستقرار السياسي والأمني مثل الأردن او تركيا على سبيل المثال وليس الحصر لتامين حركة دوران الرأسمال دون قلق وخوف. وهذا يعني أنَّ حكومة الكاظمي تريد إدامة استمرار عمليات النهب والسرقة للأحزاب المليشياتية التي نصبته، وتحويل الكاظمي شخصياً إلى كيس ملاكمة يتلقى الضربات بدلا عنها، في حين يجب أن تعد الجماهير نفسها كي توجه ضرباتها إلى جذر العملية السياسية وقلعها ورميها في مزبلة التاريخ.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close