هل يصلح بايدن ما أفسده ترامب؟

حميد الكفائي

كانت رئاسة دونالد ترامب بمثابة جرس إنذار للأوروبيين بأن حليفهم الأميركي لا يمكن الاعتماد عليه، بل يصعُب اعتبارُه حليفا، بعدما بدأ يتعامل معهم كتعامله مع خصومه.

وقد دفعتهم سياساته إلى التفكير بالاعتماد على أنفسهم، وعدم ربط مصالحهم الاقتصادية بالولايات المتحدة، بل فكروا بأبعد من ذلك، وهو اتباع سياسة أمنية ودفاعية مستقلة، فالأمن الأوروبي مسؤولية أميركية حتى الآن، يضطلع بها حلف الناتو الذي تشكل الولايات المتحدة عموده الفقري.

القائد الفعلي للاتحاد الأوروبي، مستشارة ألمانيا، أنغيلا ميركل، كانت أول من أعلن أن “على الأوروبيين أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم” ويرسموا سياساتهم جميعها بمعزل عن الولايات المتحدة.

وما حفز الأوربيين على التفكير بمسألة “تقرير المصير” هو الضرر الاقتصادي الكبير الذي لحق بهم جراء السياسات الأميركية الموجهة ضد منافسيهم وخصومهم كالصين وروسيا. و”تقرير المصير” هنا لا يقتصر على الأمن فقط، أو ما يعرف بـ”الاستقلال الاستراتيجي”، إذ لا يوجد إجماع أوروبي على هذا الأمر، بل يتركز، حاليا على الأقل، على “السيادة الأوروبية” التي تعني التحرر من القيود التي تفرضها واشنطن على أوروبا عند حصول خلافات حول السياسات الاقتصادية أو الاستراتيجية بين الطرفين.

ورغم أن الأوروبيين يفكرون منذ زمن بعيد برسم سياسات مستقلة عن الولايات المتحدة، فالرأي السائد بين المثقفين والكثير من رجال الأعمال الأوروبيين هو عدم الثقة بالسياسات الأميركية، فإن رئاسة ترامب جعلت هذه الأمور أكثر إلحاحا، إذ قادت إلى التدخل في السياسات التي تتبعها الدول الأوروبية، خصوصا في المجال الاقتصادي. لقد طالت “العقوبات الثانوية” التي فرضتها إدارة ترامب على بعض الدول، مثل روسيا والصين وإيران، الشركات الأوروبية أيضا، رغم أنها لم تكن موجهة ضدها ابتداءً، مما تسبب في إلحاق أضرار كبيرة بالاقتصادات الأوروبية، بما في ذلك (الحليفة) البريطانية.

لم تفرِّق إدارة ترامب بين المنافس والعدو والصديق في سياساتها الخارجية، إذ سادها التخبط والتسرع، بل إن بعض القرارات اتخذها ترامب أثناء مكالمة هاتفية مع زعماء الدول، دون استشارة أحد من حكومته، ناهيك عن حلفائه الأوروبيين والآسيويين، مما تسبب في استقالة وزرائه وكبار مستشاريه طوال فترة رئاسته. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فرضت إدارة ترامب تعرفات جمركية على الألومنيوم المستورد من الصين والاتحاد الأوروبي على حد سواء! مما جعل الأوروبيين يستفيقون من اطمئنانهم السابق، على مدى قرن من الزمن، بأن الولايات المتحدة قوة صديقة وحليفة، وليست منافسا أو عدوا.

كما تضرر الأوروبيون من العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على إيران التي وصفها رئيس وزراء السويد، كارل بليدت، بأنها هجوم كاسح على “السيادة الأوروبية”. لكن الجميع كان يقر للولايات المتحدة بقيادة العالم الحر، وصيانة أمنه عبر قوتها العسكرية الضاربة، ما يجعل الحلفاء يقبلون، ولو على مضض، بالقرارات الأميركية، خصوصا المتعلقة بمواجهة الإرهاب والدول الراعية له. لكن تلك القرارات كانت تُتخَذ بالتشاور معهم، أما في عهد ترامب فقد أصبحت تتخذ دون علمهم.

الأوروبيون الآن يتحدثون عن “السيادة الأوروبية”، التي تقتصر، في نظر كثيرين منهم على ما يبدو، على استقلال القرار الاقتصادي الأوروبي، وضمان عدم تأثر أوروبا بالقرارات الأميركية. ولكن ماذا عن “الاستقلال الاستراتيجي” الذي يتضمن اضطلاع أوروبا في الدفاع عن أمنها بنفسها ورسم تحالفاتها وسياساتها الأمنية والعسكرية بعيدا عن الولايات المتحدة، وبمعزل عنها؟ فإن كان الشريك الأميركي لا يمكن الوثوق به اقتصاديا، فكيف يمكن الاعتماد عليه أمنيا وعسكريا؟ وإن كان لا مفر من التنافس مع الولايات المتحدة على التجارة والنفوذ، فهل يمكن أن يكون المتنافسون دائما أصدقاء أو حلفاء؟ ثم ماذا يعني هذا بالنسبة لحلف الناتو؟ هل سيبقى حلفا عسكريا متماسكا، كما كان أيام الحرب الباردة؟ أم سينتهي كليا وتكون هناك حاجة لتنسيق جديد بين الطرفين؟

بدت سياسات ترامب خلال سنواته الأربع، وكأنها تسعى حثيثا لإضعاف الاتحاد الأوروبي وعرقلة تقدمه وتوسعه، وقد تجلى ذلك في تشجيعه بريطانيا على الانسحاب من الاتحاد، وتقديمه وعودا لها بإبرام اتفاقية تجارية واسعة، يمكن أن تعوضها عن خسارتها من فقدان عضويتها في الاتحاد الأوروبي. إلا أن مثل هذه الاتفاقية أصبحت بعيدة المنال مع خسارة ترامب في الانتخابات الرئاسية.

ويشعر مسؤولون بريطانيون، خصوصا الذين عوَّلوا على الدعم الأميركي للتعويض عن خسارتهم في أوروبا، بأن التعويل على علاقة اقتصادية مثمرة مع الولايات المتحدة هو سراب لا يمكن تحقيقه في المستقبل المنظور.

لكن الواضح الآن أن دول الاتحاد الأوربي السبع وعشرين، غير متفقة، أو حتى متفاهمة، حول الطريق إلى المستقبل، وهل يمكنها فعلا أن تسعى إلى السيادة دون الاستقلال الاستراتيجي! فرنسا متحمسة كالعادة للسير في المسارين معا، السيادي والاستراتيجي، لكنّ هناك معارضين له في ألمانيا وبولندا، لذلك لا يبدو أن سياسة دفاعية أوروبية مستقلة في طريقها إلى التبلور قريبا. غير أن السياسة الاقتصادية المستقلة واضحة، وقد بدأ الاتحاد بتطبيقها.

الفصل بين الأمن والاقتصاد ليس سهلا، وصانعو القرار في الدول الغربية التي تحتمي بأميركا أمنيا، وتتنافس معها اقتصاديا، وتسعى لأن تكون مستقلة سياسيا، يفكرون الآن بإجراءات جديدة لتعزيز التكامل بين الأمن والاقتصاد والسياسة.

فإن كانت الدولة تتكِل على دولة أخرى في أمنها، فلا يمكنها أن تكون مستقلة اقتصاديا أو سياسيا، وقد تضطر إلى “التساهل” في القضايا السيادية، التي لم يعد لها تعريف محدد في عالم اليوم، الذي تعتمد فيه الدول على بعضها في كل شيء. وإن كان الاتحاد الأوروبي قد تمكن من وضع سياسة اقتصادية موحدة، وأسس لعملة واحدة متماسكة، اليورو، التي مر على صدورها 22 عاما، وأصبحت العملة العالمية الثانية، بعد الدولار، من حيث الأهمية، فإن الاتحاد مازال يحبو في رسم سياسة أمنية واضحة له، فدوله السبع وعشرون مازالت تتصرف كدول مستقلة وبعضها، كهنغاريا وبولندا والنمسا، تحكمها حكومات يمينية تتردد في الوثوق بسياسة أمنية مشتركة، بينما غادرته بريطانيا مفضلة الإبحار منفردة.

لا شك أن انتخاب جوزيف بايدن رئيسا للولايات المتحدة، سوف يؤثر إيجابيا على قرارات الساسة الأوروبيين، ويجعل عملية الاستقلال الاستراتيجي والسيادة أقل إلحاحا، لكن عجلة التماسك الأوروبي قد انطلقت، ولن تعود إلى الوراء، خصوصا بعد انسحاب بريطانيا، التي كانت تعرقل عملية التماسك، وصياغة سياسات اقتصادية وأمنية موحدة. صحيح أن بايدن متمسك بحلف الناتو، باعتباره ابن المؤسسة السياسية الأميركية التقليدية، ورجلا عركته السياسة على مدى خمسين عاما، ارتقى فيها مناصب رفيعة قبل أن يصبح رئيسا، لكن الأوروبيين، خصوصا بعد تجربة رئاسة ترامب المريرة، مصممون على سلوك طريق الاستقلال في قراراتهم الاقتصادية والسياسية والأمنية، مهما كان طويلا وشائكا.

لكن الاستقلال لا يعني الافتراق كليا عن الولايات المتحدة، التي ستبقى قائدا للعالم الحر دون منازع خلال الخمسين سنة المقبلة، بل يعني أن تكون هناك خيارات متعددة أمام الأوروبيين لاتخاذ القرارات التي تخدم مصالحهم، بدلا من التبعية الاضطرارية الحالية للولايات المتحدة. ولكن، هل يتمكن الأوروبيون من نيل الاستقلال الحقيقي في ظل الهيمنة السياسية والاقتصادية والمالية والنقدية الأميركية على المؤسسات العالمية؟

مازال معظم التعاملات المالية العالمية يمر عبر النظام المالي الأميركي، ومازال الدولار العملة الوحيدة التي يثق بها العالم، ومازال البنك وصندوق النقد الدوليان مؤسستين تهيمن عليهما الولايات المتحدة، ليس عبر قوتها الاقتصادية والمالية فحسب، بل عبر مساهماتها المالية الكبيرة في ميزانيتيهما. فهل يمكن أن تُسهِّل الولايات المتحدة، سواء أكانت تحكمها إدارة ديمقراطية أم جمهورية، تعاملات مالية واقتصادية تضر باقتصادها؟ أو تنفع خصومها؟ بالتأكيد لا يمكن، لذلك لابد للاتحاد الأوروبي أن يكون مستقلا مؤسساتيا أيضا، أي أن يطور نظاما نقديا وماليا يُمْكِنه استخدامه دون المرور بالنظام المالي الأمريكي، وهذا غير ممكن خلال الثلاثين سنة المقبلة، حسب خبراء، إذ يحتاج النظام المالي إلى 50 عاما كي يتكامل ويكتسب ثقة عالمية.

هناك رأيان في الولايات المتحدة بخصوص العلاقة مع أوروبا، مع استثناء آراء الجماعات اليمينية المتطرفة، التي اتخذت من ترامب زعيما لها، فهذه الجماعات عاشت دائما على الهامش، وهيمنتها الأخيرة طارئة على الرأي العام الأمريكي، ومن المؤكد أنها سوف تنحسر مستقبلا، بعد أن اتضحت خطورتها على النظام الديمقراطي الأميركي، إثر هجومها المسلح على مبنى الكونغرس.

الرأي الأول يعتبر توطيد العلاقة مع الاتحاد الأوروبي المستقل ضروري جدا، حتى وإن اختلفت سياساته وتوجهاته مع السياسة الأمريكية، وهؤلاء كثيرون في إدارة الرئيس بايدن، يتقدمهم وزير الخارجية، أنتوني بلِنكِن. لكن آخرين يرون أن على الاتحاد الأوروبي أن ينسجم مع السياسة الأميركية، إن أراد أن يكون حليفا لها، ويستفيد من القوة الأمريكية الاقتصادية والعسكرية، وهؤلاء أيضا ليسوا غائبين عن إدارة بايدن، ولابد أنهم سيضغطون لزيادة المساحات المشتركة مع الولايات المتحدة.

سياسات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالطاقة والتكنولوجيا والتجارة والاستثمارات تختلف عن، بل تتعارض مع، السياسات الأميركية. وقد أظهر الاتحاد الأوروبي استقلالية جريئة في خياراته وتعاملاته الخارجية، فمضى قدما في توقيع اتفاقية الاستثمار الشاملة مع الصين على الرغم من إعلان مستشار الأمن القومي الأميركي الجديد، جيك سولافان، بعد يومين فقط من توليه منصبه، بأن إدارة بايدن-هاريس ترحب بالتشاور مع الشركاء الأوروبيين بخصوص “الاهتمامات المشتركة حول ممارسات الصين الاقتصادية”، وهي دعوة للأوروبيين للتوصل إلى موقف مشترك بخصوص الصين.

لكن الأوروبيين، بقيادة ميركل، اتخذوا موقفهم وفق مصالحهم، وبمعزل عن المصالح الأميركية، ولاشك أن هذا الموقف سوف يُغضِب إدارة بايدن، ويُحرِج موقف المساندين للاتحاد الأوروبي في الإدارة.

الأمر الآخر الذي يزعج الأميركيين عموما، واستقطب عقوبات فرضتها إدارة ترامب، هو إقدام ألمانيا على إنشاء الخط البحري الناقل للغاز من روسيا إلى أوروبا (نوردستريم2). ويواجه بايدن الآن مأزقا يتعلق بكيفية التعامل مع هذا الأمر! هل يُبقي على العقوبات التي فرضها سلفه على المشروع، ويساهم في توتير العلاقة الأمريكية الألمانية؟ أم يلغيها، رغم أن الخط يتعارض مع السياسة الأميركية الساعية لإبقاء الضغوط على روسيا، في الوقت الحاضر على الأقل؟ كثيرون يرون أن بايدن سيكون مرنا، كي يحتفظ بعلاقات جيدة مع أوروبا، ويستفيد مستقبلا من توثيق العلاقات الألمانية الروسية.. يتبع.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close