الطائفية تتغول على الشيعة بعد ان ارعبت سنة العراق

الطائفية تتغول على الشيعة بعد ان ارعبت سنة العراق

لقد تفائلنا خيرا بعد انطلاق انتفاضة تشرين وظننا انها قبرت الطائفية في العراق بعد ان تمكنت من طرد مقننها وباني اسسها رئيس الوزراء السابق عادل عبدالمهدي. لكن يبدو مع مرور الايام والشهور ان اسرائيل وامريكا وروسيا يعملون بجدية وبصورة حثيثة على ترسيخها وعولمتها في المناطق الاسلامية. كما ان الشعب رفع الراية البيضاء واستسلم لارهاب الطائفيين العراقيين نتيجة مساندة النظام الدولي لهم والتغاضي عن وحشيتهم طيلة الثمانية عشر سنة الماضية.
من المؤكد بان مفهوم الطائفية في العراق ما كان له حظ من النجاح لولا وجود حاضنة عراقية وخلل اجتماعي واخلي يتقبل انتشاره. ان لوم امريكا واسرائيل هو في حقيقته هروب من مناقشة حقائق كانت موجودة على ارض العراق قبل الغزو الامريكي عام 2003. من الصحيح ان عملاء المنافي الطائفيين التكفيريين كان لهم دور كبير في اغراء امريكا لاحتلال العراق لكن المناخ الطائفي وتوتراته من شمال العراق الى جنوبه ومن غربه الى شرقه كان ينخر الجسد العراقي.
انه لمن المخجل والمعيب والمخزي ان يبيع خونة العراق في الخارج وطن سبق ان تركوه لقدره. لقد فتحوا باب الفتنة الطائفية على مصراعيها وحولوها الى صراع سياسي ايديولوجي مسلح. ظهر ان همهم لم يكن محاربة دكتاتورية وظلم النظام السابق انما كانوا مجرد عصابة تاجرت بالمذهب للاستيلاء على ثروات العراق وسرقتها لمصالحهم الانانية. لقد ارتضوا لانفسهم ان يكونوا بيادق لخدمة اسيادهم في ايران وامريكا واسرائيل.
لقد وقع في فخ الخيانة ايضا بعد كارثة الاحتلال علماء دين كبار في الداخل والخارج فافتوا لهم سوء صنيعهم وباركوا لهم دخولهم وراء الدبابة الامريكية. ثم حرضوا وافتوا بضرورة شرعنة الدستور الطائفي الذي قنن عملقة طائفة وشيطن اخرى. دستور مزق البلاد ليؤسس بلد المذهب الواحد بدلا من بلد الحزب الواحد سابقا.
بمرور السنين تغولت احزاب مليشياوية تكفيرية عاثت في ارض العراق فسادا لتغيير التركيبة السكانية فهجرت وقتلت وسجنت وشردت الالف المؤلفة من مواطني محافظات ديالى وصلاح الدين والانبار وكركوك ونينوى ومحافظات اخرى. وقد اعان حكومة بغداد المليشياوية القادة الاكراد القوميين العنصريين لارهاب وسفك دماء اهل السنة العرب. لكن ثالثة الاثافي خيانة قادة اهل السنة العرب انفسهم لمكونهم خصوصا الاخوان المسلمين الذين اصبحوا ذراع امريكا وايران ضد المقاومة الوطنية المسلحة. تمكنت امريكا من شراء ضمائر زعماء عشائر سنية ارتضوا ان يكونوا مليشيات مسلحة ضد اهلهم لحماية ومعاونة جيش الاحتلال.
من جهة اخرى فقد اخبرنا القران الكريم في مواطن كثيرة ب “ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم” وان الله لا يظلم احد بعد ان حرم الظلم على نفسه وحرمه بين العباد. ان الله كذلك عادل ورحيم ويحب عباده ويغفر لهم “ان الله يامر بالعدل والاحسان وايتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعضكم لعلكم تذكرون”. فلا ينبغي ان نستغرب او نتعجب على مئال الشعب العراقي اليوم ونقول بانه قدر مقدر من الله رجما بالغيب وننسى اعمالنا. ان ما وصل اليه العراق من تدمير مزق نسيجه الاجتماعي وحطم اقتصاده واعادته الى هيمنة المستعمرين الاجانب كان بسببه.
فعندما ظلم العراقيين انفسهم حقت عليهم هذه الاية الكريمة “واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا”. لقد تماهل وتكاسل اغلب العراقيين من تحمل مسؤولية التغيير ولم يتسلحوا بالتسامح والتعايش مع اخوانهم الاخرين من المذاهب والاديان والقوميات الاخرى حفاظا على الوحدة الوطنية. جاء المترفين مع الاحتلال وعلى الرغم من ان الله امرهم بالاصلاح والعدل لكنهم ابوا ذلك ففسقوا بانحيازهم الى اسيادهم الطائفيين التكفيريين الظالمين المحتلين فجاء العذاب والتدمير نتيجة لذلك فلا نحصد اليوم الا ما زرعناه بالامس.
ان من الحقائق الصادمة التي يريد الكثير من العراقيين كتمانها بحجة انها قد تفتح بابا من ابواب الفتنة هو تغول التعصب الطائفي والقومي. اما اليوم فقد نسينا باننا في قلب الفتنة التي احرقت الاخضر واليابس منذ 18 سنة. لكن من اجل اخفاء مؤامرة تمزيق العراق مورس التدليس والتحريف التاريخي وشيطنة الاخر.
مع كل ذلك يرفض الكثير الاعتراف بالمشكلة العميقة والواقع الثقافي الديني المذهبي الذي افسد العقول. تكمن المشكلة اذن في تزييف التاريخ وتحريفه لخدمة اهداف ليست لها علاقة باسس الاسلام. اهداف مذهبية وقومية وعنصرية اوصلت العراقيين الى ما وصلوا اليه. لقد ترك الحبل على غاربه للكثير من علماء المذاهب لتفسير القران الكريم وسنة رسول الله وفق مصالح طائفية فئوية فرقت الامة ومزقت الصفوف.
فعلماء الشيعة العراقيين مثلا عملوا منذ تاسيس الدولة الصفوية من تحويل المذهب الى فرقة تعادي جميع طوائف المسلمين الاخرى وتعتبرها ظالمة. لقد منحت نفسها الحق التاريخي والديني بانها صاحبة الحق المطلق. صنفت نفسها بانها خير طائفة اسلامية ويجب على بقية الطوائف اتباع خطاها. لذلك فقد ابتكروا تاريخا مزيفا لتاليه قسم مختار من اهل بيت رسول الله واتخذوهم اربابا من دون الله. لقد حرفوا تاريخهم الناصع لخدمة اغراض مصالح علماءهم. جعلوا بعض اهل البيت اعداء لاغلب صحابة رسول الله من المهاجرين والانصار. لقد شوهوا تاريخ بطل الاسلام الامام علي ليصبح برايهم شيعيا رغم ان المذهب تاسس بعد استشهاده بمئات السنين. استمرت شيطنة اهل السنة وتزوير التاريخ بعد استشهاد الامام الحسين. هذه المقاربات والمماحكات تركت اثارا مدمرة على شخصية الشيعي المتدين وغير المتدين.
تحول هذا الكره والحقد لدى ضعاف النفوس ضد اهل السنة في ايامنا هذه الى حلف مقدس مع اشرس اعداء الاسلام امريكا من اجل الانتقام من عموم تلك المحافظات. حتى وصل الامر بسياسييهم كنوري المالكي والجعفري تصوير اهل السنة العرب بانهم جيش يزيد قاتل الامام الحسين. ثم جاء الدور الان لارهاب وظلم الشيعة العرب الوطنيين انفسهم.
فبعد ان اكتشف الشيعة الشباب الوطنيين حقيقة الطائفية ونتانتها وادركوا مؤامرات التقسيم التي تختفي ورائها. حولت حكومة المحتل في بغداد انظار العراقيين لجعل الحرب شيعية شيعية بعد ان كانت اول الامر شيعية سنية ثم سنية سنية. فمنذ انتفاضة تشرين عام 2019 قتلت قوات الحكومة والمليشيات المرتبطة بها وبايران المئات منهم رغم انهم من شيعة اهل البيت لكنهم وطنيون عرب مستضعفون.
من اجل اكمال الصورة فان كثير من علماء اهل السنة ايضا كانوا في خدمة الطغاة والدكتاتوريين لمدارات مصالحهم الانانية. فعلى عمومهم كانوا مع الحكام الظلمة ولم يتحملوا مسؤولية نصح السلاطين ومراقبتهم منذ العهد الاموي. حيث تحول الحكم من الشوروية الى الجبرية والملك العضوض. استمر هذا النهج حتى الان بحيث اضحى بعض العلماء لعبة بيد الحكام العرب المتصهينين يحللون لهم ما حرم الله. ويتخذون من اليهود والنصارى اولياء من دون الله.
كان اغلب اهل السنة حطبا للاحزاب العلمانية الاستئصالية اليسارية واليمينية والقومية ولم يعيروا اهمية كبيرة للثقافة والحضارة الاسلامية. بل ان بعض الاحزاب الدينية السياسية لا سيما الاخوان المسلمين كانوا يتعاملون ويتحالفون مع خونة الوطن الدكتاتوريين لانهم يحققون مصالحهم الحزبية. انهم يعتبرون انفسهم النخب التي لا ينازعها احد في العلم والفهم وسوف يستعيدوا مجد الاسلام بزعمهم.
اما اكراد العراق فقد وقعوا ضحية الحزبين الديمقراطي والوطني الكردستانيين اللذان يهيمن على قراراتهما امريكا واسرائيل منذ تاسيسهما. قادة هذين الحزبين ورطا اكراد العراق في تفاقم العنصرية والقومية وابعدوهم عن حب الوطن والاسلام. مما جعلهم ضد كل ما هو عراقي. فسهل للقادة الاكراد فصل كردستان عن العراق عمليا.
ما لم يراجع الشيعة والسنة والاكراد العراقيين اليوم قبل غد تاريخ مذاهبهم وقومياتهم وتخليصها من الشعوبية والعنصرية والفوقية ويعودوا الى اصل الاسلام المتسامح المتآلف المسالم الذي يقدس الانسان. فحرمة المؤمن كما يقول رسول الله خير من حرمة الكعبة ومن قتل نفسا فكانما قتل الناس جميعا. ما لم يلتزموا باولويات الاسلام في العدل والصدق والتعاون وحرية الراي. ان يفتخروا ايضا بهويتهم العربية الاسلامية او الاسلامية وضرورة انجاز الاستقلال الوطني والاعتماد على الله وعلى الشعب لبناء وازدهار العراق. عدا ذلك فان عودة العراق الى سابق عهده عندما كان منارة للمجد والفخر لكل المسلمين ستكون مستحيلة.
الدكتور نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close