طاولة وحزن وشخص واحد

طاولة وحزن وشخص واحد
ريام الشمري
في ساعات الصباح الشتائي البارد المتجمد تنتشر الضوضاء في أنحاء المدينة وترتفع الجلبة فيسرع الناس بالذهاب للالتحاق بعملهم, أما أنا استقبلته بالغم والمرض، تنتابي حمى يعقبها برد وارتجاف, والضعف شل أعضائي جميعاً حتى شعرت بقلبي يتفتت وجشمت على نفسي كآبة لا استطيع وصفها, وما أبالي لأنه يوم يضاف إلى أمثاله مثل أيام بؤسي وشقائي, ارتديت هندامي ونزلت للمقهى الذي اعتدت الجلوس فيه, جلست على كرسي الشتاء مع كوب شاي ساخن والصداع لا يزال في رأسي والألم في ظهري, حتى أفكاري تبدو مريضة فكأن الم ما أصابها أيضاً, كان المقهى فارغ بارد حتى امتلأ شيئاً فشيئاً ودارت أكواب الشاي على الشاربين.
إما المارة فيتجولون بالشوارع بوجوه عابسة كئيبة غير مرحبة, وبعضهم يرتدي ألبسة ثقيلة دافئة خوفاً من المرض, كان الضجر يكاد يقضي علي والمرض يعذبني وذكريات الماضي تملؤني شوقاً وتعبث بي حنيناً واكتئاباً, سمعت شخصاً من الجالسين يطلب تشغيل الراديو,
فما أكاد سمعت صوت ناظم الغزالي بدأ بالغناء حتى رهف سمعي واذا بي أنساق مع صوته فنسيت أهم ما كان يشغل خاطري, أشعلت سجارتي ونظرت من نافذة المقهى فرأيت حسناء جميلة بخدودها الوردي واقفة مع رفيقاتها، تتحدث معهن بشغف وكأنها تريد أن تلتهم الحكايات التهاماً,كانت كالطفلة تفيض بالحيوية والنشاط, لعوبةً مرحة تسلي رفيقاتها كثيراً, ظللت أنظر اليها وهي على تلك الشاكلة، حتى رأتني أنظر اليها فذابت خجلاً من نظرتي الخيالية، وصبغ الاحمرار وجهها وبقيت ساهمة واجمة خجله واضعة خديها اللطيفين بين ذراعها الناعمتين.
فشعرت بأنها لازالت صبية لينة رقيقة المحيا، سريعة العطف وتتأذى من النسيم,فقليل من الهواء يسبب لها بالألم,وما أنا ألا هرم لا يستطيع أن يزج نفسه في أتوان الحب, لم تعد مثل هكذا أشياء تدخل إلى رأس بسهولة، من كان مثل سني, فمن مثلي ليس على جمجمته ألا خصيلة صغيرة من الشعرات التي اصطبغت باللون الأبيض, وجسمي المعروق الناحل كأنه دجاجة هزيلة تنتف ريشها.
نظرت نظرة واحدة من حولي أعادتني إلى جادة الصواب ورأيت الأشياء كما كنت أراها, يا الله أي شيطان سول لي وما الفائدة منه,إنها الغباوة يا صبية الغباوة فقط ,فأنت بحاجة لدفئ رجل صادق بعهده ليس لرجل مثلي، مسن وحياته مطوية, وأني لو فعلت لكان ذلك مبعثاً للهزأ والسخرية مني,لأنني في سن تمنعني من اللهو على حساب الناس أو أن أكون شريراً, إما عاطفتي، يا صبية هذه العاطفة التي إنحرفت بها عن القصد وخلقت لها سبباً لم يخطر لي ببالي.
وهكذا عدت إلى البيت أجر ذاتي ونفسي جراً، بوجهي الشاحب والمرض مصه الهزال يثير الإشفاق, وبركب ويدان ورأس يهتز كله كأنه مصاب بمرض خاص، وعادت إلي طبيعتي الخجولة التي تتجنب الناس من حولي، متسللاً الى سجني المنزلي كمن يريد الإختباء.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close