الثقافة والفكر وتأصيل الموروث

الثقافة والفكر وتأصيل الموروث

الكثير من الدول تعمل وبشكل دائم على تنشيط الحياة الثّقافيّة والفكريّة والفنيّة في مجتمعاتهم من خلال برامج وفعّاليات مختلفة،لغرض إثراء الحياة الثّقافيّة لتعزيز العوامل المؤثرة في تنمية الحس الإبداعي، وتحويل الثّقافة والفكر والإبداع إلى واقع ملموس.وتنعكس على التّوجهات الإيجابية في التّعاطي الحكومي مع العمل الثّقافي، لخلق فضاءات غير تقليديّة بذلك، تستقطب بالضّرورة الأجيال الجديدة التي تمثل شريحةً كبيرةً من مجتمعاتهم ، إلى جانب تنوع المجالات الثّقافيّة التي تقدمها المؤسسات المعنية بالثّقافة والفكر والفنون ، لتأتي الخطوات في ظِلِّ غلبة التّوجه النّخبوي للثّقافة والفكر، و نوعًا من الحراك الثّقافي النّشط نسبيا فيخلق توجهًا عامًا لا يمكن إنكاره والرامي إلى تحفيز كافة فئات المجتمع للمشاركة في المظاهر والفعاليات الثّقافيّة والفكرية، بعد أنْ أدركت أهمية التّنمية الثّقافيّة كمكوِّن أساسيٌّ من مكوّنات التّنمية المستدامة في الدول، والتي تتطلب بناء الإنسان معرفيًا وثقافيًا وفكرياً، والأخذ بأسباب الفعل الثّقافي الإيجابي، وتأصيل المعرفة باعتبارها عاملاً مهمًا في التّنمية الناهضة إضافة إلى تحقيق الاستدامة الثّقافيّة، والعمل على توظيف الثّقافة في التّنمية حتى تنضج في ترسيخ التّنمية الثّقافيّة في تلك المجتمعات فتصبح أكثر وعيا وتفهما إلى حد ما لقيم المعرفة والثقافة والفكر والفن لتتماشى مع التّوجهات الرّسمية والمجتمعية الرامية إلى إعلاء شأن الثّقافة والفنون والإبداع والابتكار بما يتوفر لها من مقومات ثقافية وتاريخية وموروث تراثي .

الثقافة تعتبر من أكثر المفاهيم تعقيدا، بغض النظر عن مدى الادراك بالمفهوم اللغوي و الفكري والمعرفي للثقافة والاتفاق على مضامينه ومكوناته، و الأمر الذي اتفق عليه في شان الثقافة هو: أن لكل إنسان ثقافة تميزه عن غيره وأن لكل مجتمع ثقافة اجتماعية تميزه عن باقي حياتهم، وكما أن الثقافة تلعب دورا فاعلا في حياة المجتمعات ،إذ تشكل الثقافة بمفهومها العام البنية الأساسية لطرائق التفكير وآليات التفاعل الاجتماعي الأمر الذي يؤثر على فلسفتهم، والأفراد والمؤسسات ،وهي الوعاء الحاضن للفكر الذي هو مجموعة من الآراء المتشكلة التي يُعبّر بها. فإذا مزجنا تعرفي الثقافة والفكر على التوالي فإن الآراء والأفكار التي يعبر بها شعب ما عن اهتماماته ومشاغله تُرى من خلال النظارة الملونة التي يرى المجتمع العالم من خلالها، وهي وعاء هوية المجتمع و المنظومة العقائدية والقيمية والأخلاقية والسلوكية له، وهي التي تشكل خريطته الإدراكية وتحدد مجال إدراكه ووعيه وأنماط الشخصية فيه. باختصار شديد، الثقافة هي النظارة الملونة التي يرى أفراد المجتمع العالم من خلالها كوعاء هويته ومصدر تماسكه وهي كلمة قديمة وعريقة تؤثر في الأفراد، بشرط ان يكون المثقف جزء من ثقافة بيئته ، ومغيّر للمرتكزات المتخلفة فيها، كما أن ثقافة الإنسان وأفكاره تتأثّر بوسائل الحياة المدنيّة التي يستخدمها في الإنتاج وتقديم الخدمات وتتأثّر حياته بالتطوّر الصناعي والعلمي الكبير الّذي وصلته البشرية، بمعنى أن المادة تنعكس على طبيعة تفكير المثقف والمجتمع عموما وتؤثر في هذا السلوك تطورا أو تراجع وتعني صقل النفس والمنطق، وفي المعجم جاء بمعنى ،ثقف نفسه، أي صار حاذقاً خفيفاً فطناً، وثقفه تثقيفا أي سواه، وثقف الرمح، تعني سواه وقومه، والمثقف في اللغة هو القلم المبري، وقد اشتقت هذه الكلمة منه حيث أن المثقف يقوم نفسه بتعلم أمور جديدة كما هو حال القلم عندما يتم بريه، ولطالما استعملت الثقافة في عصرنا الحديث هذا للدلالة على الرقي الفكري والأدبي والاجتماعي ، وبلاشك فأن المجتمع الواعي يصنع قيمه وعاداته بنفسه، بعد ان يحصل عليها من عمقه التاريخي، ولا يحتاج الى تقليد غيره من المجتمعات او الثقافات، ولكن هناك صنفان من الناس في قضية تلقِّيهم للثقافة والمفاهيم الحضارية والمدنية، من الأفكار والسلوك واللِّباس والطّعام والتعامل، وأسلوب العيش، وطريقة العلاقات الاجتماعية، والموازنة بين المادي والفكري، لاسيما أن كليهما مهم لبناء الحياة المجتمعية المتوازنة.

أن الفكرة إذا وجدت من المثقفين من يتبناه بشكل صحيح ويعمل من أجلها تتحول مع الوقت إلى ثقافة عامة يتبناها، ويفخر بها معظم أبناء المجتمع، ما عدا الشواذ منهم، وهؤلاء موجودون في المجتمعات والعصور كافة، إلا أن هذا لا يعني أن الثقافة لا تنشئ الفكر، وتبعثه، بل إن الثقافة المستمدة من فكرة تولد فكرة، بل أفكارا جديدة، حسب الظروف، والمستجدات في الحياة، فالفكر الاقتصادي الحديث هو مجموعة أفكار تبلورت وفق سياقات ثقافية، خاصة، فعلى سبيل المثال المصارف في الأوطان الرأسمالية جاءت نتاج ثقافة عامة قائمة على مبادئ، وأسس الرأسمالية، وثقافته الخاصة بالاقتصاد وكذلك الثقافة السياسية تؤثر في الثقافة العامة للمجتمع عن طريق الإحساس بالمساواة بين الإفراد وعدم التمييز والتفرقة بينهم ويعد هذا المحور تحولا ايجابيا للمشاركة السياسية بالمجتمع ، والشعور بالمسؤولية العامة وإعلائها على المصلحة الخاصة والاهتمام بالقضايا المحلية ومحاولة حلها و خلاصة قولي أن الثقافة والفكر يجب أن تنبع من القيم والمبادئ وأصالة رسالة والشعور والاعتزاز والفخر بالقيادات المثقفة المخلصة والاوطان تحتاج الى شباب فهل الحكومات الحالية جاهزة لتسليم راية المستقبل وتحمل المسؤولية التي على عاتقهم فيه للعطاء والإبداع الى الطلائع الواعدة من الشباب الامين، اذا ما اردنا ان نتمسك بما يؤكد الهوية والثقافة والعلاقة والفكر ، وتعطي دور للتواصل مع العالم الآخر ثقافياً وحضارياً، ونحن علينا إقناع أنفسنا بدور الثقافة والإبداعية التي تؤصلنا وترسمنا على خريطة الثقافة العالمية.

عبد الخالق الفلاح

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close