العراق يبدل هويته من زمن السومريين الى زمن العرب ! (*) ح 4 والاخيرة

العراق يبدل هويته من زمن السومريين الى زمن العرب ! (*) ح 4 والاخيرة د. رضا العطار

لقد ظهر اسم الملك عند الكنعانيين (الفنيقيين) ثم العبرانيين والاراميين والعرب. ويؤشر هذا التغيير في اسم الحاكم السياسي، ترسيخ الدولة لخدمة الناس والاشياء – بينما يدل استعمال السري بدل الملك عند – الأفوة الاودي – على تصور لمطلب الدولة البسيطة في الازمان الغابرة – – وكان استعمال اسم الملك في العربية الجاهلية في سياق تطور المفردة المشتركة من غير ان يتبنى الجاهليون مضمونه الخاص – وبمرور الوقت تم استبعاد اسم الملك وابداله بالخليفة في رئاسة الدولة الاسلامية الاولى.

يلاحظ على اي حال ان العقوبة القاسية التي شرعها الملك السومري (اوركاجينا) تتوسع في شريعة حمورابي التي يحتاج تطبيقها الى اجهزة واسعة النفوذ ورهيبة في نفس الوقت – لكن وضع شاروا لم يتغير كثيرا زمن العموريين – ولما جاء الاشوريون واظهروا على مسرح السياسة الدولية سلوكا همجيا من طراز روماني. وقد افتخر الشارو (الملك) سرجون بانه وفّر القوت للشعب. فهل كان يتصرف على طريقة زعماء القبائل الذين كانوا يغزون قبائل الاصقاع المجاورة – ثم يوزعون عليهم المغانم بالتساوي ؟

اما نبوخذ نصر فكان اقل قسوة بالمقارنة مع الهمجية الاشورية – – واستمرت مجالس الملأ حتى نهاية الدولة الكلدانية على يد الاخميديين الفرس حيث توقفت تلك التقاليد نهائيا، – والدولة الفارسية كانت منذ البدأ ناجزة التطور معقدة ومستبدة لانها ظهرت في مجتمع مدني ضعيف التقاليد المشاعية وكانت تسوده انظمة القنانة المشابهة للقنانة الاوربية – – وقد طبق الفرس هذه الانظمة على المجتمع العراقي حتى الفتح الاسلامي حيث اعتبرت غير شرعية، فتحرر الفلاحون من قيودها ليهاجروا الى الامصار التي تطورت حينذاك على حساب الريف.

كانت دولة الراشدين بمثابة عودة الى التقاليد السومرية مع قيم وافكار مضافة لانها جاءت بعد مجتمع شبه مشاعي عديم الدولة. واتبعت سبيل اللقاحية (المعارضة) الجاهلية لكنها كانت كالجزيرة المحاصرة وسط امبراطوريات قاهرة تحكم مجتمعات من العبيد (بيزنطيا) والاقنان (الساسانية) وكان العرب والمسلمون الاوائل مدركين لطبيعة هذه الامبراطوريات عندما اختاروا لدولتهم خلفاء لا ملوكا او اباطرة.
ولما ظهر الامويون بنظامهم الاستبدادي اطلق العرب عليهم اسم الكسروية، تذكر الشعب بنظام الساسانيين الا انهم غلبوا على امرهم في اخر المطاف- اذ لم يكن ممكنا لهم ضد الموجة العاتية لانظمة الاستبداد راسخة في عموم المنطقة. وسرعان ما انتقل الامويون الى حكام من النمط الكسروي والبيزنطي.

الا ان استفحال عناصر الدولة المستبدة احتاج الى العباسيين لكي يعمل الى غايته فقد بقيت طيلة الحكم الاموي تاثيرات الجاهلية بارزة في مرافق الدولة. لكن عندما تمكن العلويون و الموالي من اسقاط هذه الدولة، وقيام الدولة العباسية، ظهر الارهاب الرسمي متمثلا في خلفائهم، وبالتحديد من عهد هارون الرشيد فصار القمع والتنكيل يجري على المزاج متخطيا الاعتبارات السياسية – – وقد ادلج الاداريون والوزراء الفرس للخليفة سلوكه وفق السوابق الساسانية – وصارت للخليفة العباسي ومن بعده السلاطين الاطراف شخصية الامبراطور الروماني المتمثلة في نيرون روما او في الاكاسرة المتأخرين – وجاء ذلك مصداقا للمخاوف التي عبر عنها المعارضة في معسكر
علي بن ابي طالب من ان الامويين انما يقاتلون لكي يصبحوا (جبابرة وملوكا)
وقد وضعت هذه المعارضة اسسا واضحة ومتينة لدولة عادلة قريبة من الناس تقتصد في القمع ولا تكون بلاء على الخلق – – – هذا موروثنا الاخر الذي ننطلق منه في نضالنا على الجبهتين : جبهة الحركة المشاعية المعادية للتملك الخاص وجبهة الديمقراطية المعادية للتسلط والبلطجة.
* المرئي واللامرئي في الادب والسياسة للمفكر العربي هادي العلوي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close