حين خدعتُ نفسي بنجاح بارع ! ..

بقلم مهدي قاسم ـ
اليوم صحوتُ مبكرا على نشيج بكاء حار أو نقرات ودقات مستعجلة وملَّحة على لوحة النوافذ الزجاجية ، بنقرات مبحوحة ومتكسرة متواصلة ، فكرتُ ربما هي جارتي تنوح وتنتحب بسبب مصيبة قد حلت بها فجأة ..
عندما أزحت الستار وألقيت نظراتي الناعسة طويلا سرعان ما أدركت من الذي يبكي بكل هذه الحرارة والحرقة والغزارة…
لم تكن جارتي ولا أي كائن بشري آخر ..
إنما شفيعتنا السماء وهي تهطل بدموعها المدرارة والساخنة بقطرات كبيرة و دسمة، متشحة بعباءة معتمة من غيوم كثيفة تغطي أفق المدينة كسجادة من سواد ليل كالح تماما ، بعدما اخفت الشمس خلف ظهرها ..
الأمر الذي جعلني أشعر بإحباط وخذلان إلى جانب استياء وانزعاج :
فهذا الوضع الطقسي الكئيب الحزين والشبيه بملامح متجهمة لأرملة متفجعة لتوها سيحرمني من نزهتي اليومية والطويلة بين أحضان حبيبتي الدائمة والوفية الرائعة ” جزيرة مارغريت ” الحافلة بأسراب طيورها المختلفة الأليفة والسمينة وسناجبها الوديعة و مستطرقيها اللطيفين ..
ولكي أحرر ذهني وتفكيري من أثقال شعوري بهذا الاستياء والانزعاج المستبدين بسبب هذا الطقس الجنائزي المحيط جوا وأرضا ، قررتُ أن أخدع نفسي بفكرة طارئة وهي :
ـــ حسنا !.. يجب عليك أن لا تكون أنانيا إلى هذا الحد ، ففي نهاية الأمر ، المطر ضروري وحتمي جدا ، كبشائر خير وبركة وفرة للأرض ، بل لابد منه لسقي الأرض جيدا لتحصل على الخبز والخضروات والورود والأزهار و العسل والألبان أيضا ..
حتى وجدتُ هذه الفكرة حسنة و لطيفة فعلا !، وقد بدأت تدغدغ شعوري بأصابع رشيقة ودافئة من ارتياح وسلام وهدوء داخلي باهر ، إلى درجة أخذت أدندن بأغنية محببة إلى نفسي حتى شعرتًُ بجذل واغتباطين مجهولي المصدر والمنبع يحلان محل الاستياء والانزعاج ، الأمر الذي دفعني إلى الخروج إلى الشارع ومواصلة نزهتي بدون مبالاة وعدم اكتراث بحبات المطر وهي تنهمر على وجهي بكل حماس وإلحاح بلا نهاية بدفعات من رياح مشاغبة .، مثل طفل مرح يحلو له اللعب والشيطنة بلا انقطاع أو ملل ..
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close