في طريق الشمس: الشهيد وافي كريم مشتت

في طريق الشمس:
الشهيد وافي كريم مشتت

يوسف أبو الفوز

(مساهمة في الملف الخاص عن الشهداء. طريق الشعب العدد 48 ليوم الخميس 11 شباط 2021)
في سجل الأسماء، في الهاتف، يصادفك أحيانا أسم لعزيز رحل، وكذا في قائمة الأصدقاء في (فيس بوك) وغيرها. وتسأل نفسك لماذا لم أقم بحذف الاسم؟ شيء ما يمنعك. هو ارتباطك بصاحب الاسم وكونه راسخ الوجود في حياتك وروحك وذكرياتك، لدرجة أنك عند الحديث عنه، تجد نفسك أحيانا، لا تستخدم صيغة الماضي. هذا الأمر ينطبق تماما على الشهداء. تابعت شخصيا ذلك في اللقاءات والمناسبات العامة، فوجدت الكثير من الأصدقاء والمعارف يتحدثون عن الشهداء بصيغة الحاضر وكأنهم معنا وغائبون في رحلة قصيرة سيعودون منها ويفاجئوننا بمشاركتهم لنا جلساتنا وأحاديثنا.
هكذا حين يجري الحديث، مع الأصدقاء، عن الشهيد وافي كريم مشتت (أبو فكرت)، صديقي الأقرب، أيام الدراسة في كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة البصرة، في سبعينات القرن الماضي.
عند قدومه للدراسة في جامعة البصرة، وكان في الموسم الدراسي 1975، كنت محظوظا بتكليفي من قبل التنظيم باستلامه حزبيا. كان الموعد عند المكتبة العامة في منطقة الساعي في البصرة، والعلامة (باليد اليسرى كتاب واليمنى جريدة)، نسي وافي الجريدة ولكننا تعارفنا، ومن يومها صرنا لا نفترق.
ولد وافي في بغداد، عام 1956، وهو من سكنة مدينة الثورة. كان من الطلبة النشيطين في اتحاد الطلبة في مدارس مدينة الثورة. بعد اغتيال الرفيق فكرت جاويد عام 1974 اختار لنفسه كنية (أبو فكرت). تميز بوسامته وقامته الرياضية، فقد لعب لفئة الشباب في نادي الزوراء لكرة القدم، ونال اهتمام أبرز اللاعبين الدوليين أيامها، وكان ينتظره مستقبل باهر لولا انتقاله الى البصرة، وصار انشغاله أكثر بكتب الاقتصاد والعمل الحزبي، ومع ذلك لعب مع فريق كلية الإدارة والاقتصاد لكرة القدم، مباريات مهمة، وكانت تسديداته حاسمه لتحقيق الفوز، رغم انه لم يلتزم بجداول تمرين كبقية أعضاء الفريق، ويذكر الأصدقاء الأحياء المباراة الحاسمة مع فريق كلية الهندسة لبطولة الجامعة، واعتقد كانت في العام 1977.
وفي المجموعة الحزبية التي عمل فيها الشهيد وافي، أستحق بجدارة، ان يتم اختياره ليكون نائبا لسكرتير المجموعة، التي ضمت خيرة المناضلين من الطلبة، وكثير منهم مازالوا أحياء يرزقون، وتميز بقدراته في إدارة النقاش والاقتناع وتطورت بشكل ملحوظ ثقافته الاقتصادية لتتجاوز المنهج الدراسي المقرر فلفت اليه أنظار الاساتذة.
وصلنا تلك الأيام، توجيه حزبي، بضرورة التوجه لكسب المزيد من العمال والكادحين لصفوف الحزب، وتطلب التوجه لمواقع عملهم وتجمعاتهم والنشاط بينهم. مع العزيز وافي توجهنا لمقاهي العمال في منطقة العشار والداكير، صرنا نصحب معنا كتبنا ونحضر دروسنا هناك ونشارك رواد المقاهي طعامهم البسيط وجلساتهم الصاخبة، وبعد عدة زيارات ظهرت “طريق الشعب” بيننا، ورحنا عن قصد، نختار منها مقالات معينة، ونبدأ بالحديث والسجال حولها. ووفق اتفاق مسبق نتبادل الأدوار: من سيطرح الرأي الصحيح ومن يطرح الخاطئ، رغم اننا متفقان أساسا. ولطالما تشاجرنا بجدية حول توزيع الأدوار، إذ كان وافي يحب دائما أن يلعب دور صاحب الرأي الصحيح فكنت أشعر بالظلم لأنه يجبرني على ذكر الكثير من المغالطات والآراء الساذجة. وواصلنا مهمة الجدال المفتعل بحماس، ومن حولنا يتسمعون لنا، وشيئا فشيئا صار بعض رواد المقهى يشتركون معنا في الحديث. وبفخر أستطيع القول إننا بعد عدة أشهر، نجحنا في تكوين صداقات وكسب العديد من العمال لنشاطات الحزب الشيوعي، وتوجهت لنا الدعوات لزيارة بيوت العديد من العمال وللمشاركة في مناسباتهم الاجتماعية المختلفة. ولم تكن أعين رجال الأمن البعثية غافلة عنا، فاضطررنا لتغيير التكتيك واختيار مواقع أخرى.
مع اشتداد الحملة البوليسية الإرهابية، أواخر سبعينات القرن الماضي، كان وافي من ضمن مجموعة الطلبة الذين رفضوا حملة التبعيث القسرية، واضطروا لترك الدراسة وانتقلوا للعمل الحزبي السري، وكان من ضمن المجموعة التي نشطت لشد أواصر الشيوعيين، بعدما أصاب الشلل التنظيم وتقطعت الصلات. في بغداد، في الخفاء، التقينا مرارا وعملنا لفترة جنبا الى جنبا ومعنا الشهيد ناهل (نجيب هرمز يوحنا)، لكن ضراوة الهجمة، واشتداد الاعتقالات وانهيار بعض الأسماء أجبرنا على الافتراق وتغيير خطط العمل.
تخبرنا المعلومات المتوفرة لاحقا من مصادر مطلعة قريبة، أن الشهيد وافي نجح في الاتصال مع تنظيم حزبي بقيادة الرفيقة الشهيدة عائدة ياسين مطر (أم علي)، وفي عام 1981 تهيأ للصعود الى جبال كردستان والالتحاق بصفوف الأنصار في كردستان، لكنه وشيوعيين آخرين للأسف وبسبب من خيانة واندساس، وقعوا في كمين معد من قبل الأجهزة الأمنية البعثية وتم اعتقالهم. بعد سقوط النظام العفلقي الصدامي كشفت الوثائق انه تم إعدامه دون تسليم جثته لأهله.
• يذكر أن الشهيدة أم علي مواليد البصرة 1944، اختطفت يوم 15 تموز 1980 قريباً من قناة الجيش في بغداد، وظل مصيرها مجهولا.
• والشهيد ناهل مواليد البصرة 1956، الطالب في كلية الإدارة الاقتصاد، غادر العراق وعاد الى أرض كردستان، وعمل ضمن مجموعة الطريق البطلة، واستشهد في مواجهة بطولية مع كمين لجهاز الاستخبارات الصدامي عند عبور نهر دجلة في أيلول 1984.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close