الإستقلال ..أولى للكرد من شراكة هجينة!!

الإستقلال ..أولى للكرد من شراكة هجينة!!

حامد شهاب

مرة في حياتي، زرت مدينة أربيل ، عاصمة أقليم كردستان، لبضعة أيام، قبل ثلاث سنوات، لحضور إحتفالية رسمية ، وقد شعرت حينها بغاية الفرح والسرور لأن تلك المدينة الجميلة ، يشم منها رائحة تطور عمراني واقتصادي ومجتمعي، يكاد يرفع الرأس ، ويشعر الإنسان أنه في بلد، يستحق أن يحافظ عليه أبناؤه ، حفاظهم على حدقات عيونهم!!

وبالرغم من أن العراقيين كشعب، يحز في قلوبهم أن تنفصل كردستان عنهم ، وهم يرونها على أنها قبلتهم التي ترنو اليها القلوب وترتاح لها الافئدة ، وهي كانت حتى عقود طويلة من الزمن جزءا فاعلا من كيانهم ومجتمعهم المتجانس ، وروابطه العزيزة التي يرتبطون بها مع الإخوة الكورد، إلا أن ما عانت منه كردستان طوال سني الديمقراطية المخادعة، يعطي المبرر لأن يتجه الإقليم الى أن يجد له مكانا في هذه المعمورة، حفاظا على بقية كرامة ، فقدت منذ أن قبل سياسيوها ، أن يتعاملوا مع حكومة بغداد ، ويشاركوها المصير، عله يكون بمقدورهم، أن يجدوا لهم من يعترف بأن بإمكان الكورد أن يكونوا شركاء فاعلين في مهمة بناء عراق جديد، شراكة قائمة على الإحترام وتحكمها القوانين والدستور وعلاقات التاريخ الضارب في وحدة الأهداف ووحدة المصير!!

لاشك أن تجربة الكورد مع بغداد، كانت مريرة ، وعانوا ما عانوا ، منذ سنوات، حين أدارت بغداد ظهرها لهم، ولم تعد حتى محاولات “الإستجداء ” للحصول على حقوقهم وفقا للدستور ، أن تجد لها صدى في بغداد، وتنكروا لإخوتهم الكورد، بالرغم من أنهم هم من دعموا حكمها وأسهموا في إقامة عمليتها السياسية ، ولولاهم، لما كان كثيرين منهم، على مقاعد السلطة ، بهذه الدرجة من التحكم ، في مراحل تجاوزت ما أسموه بعهود الدكتاتورية، التي راح الكثيرون يترحمون على أيامها، لأنها لم تفعل بهم ، كما فعل بهم ، ” رفاق الدرب” ، حين إسكثروا عليهم أن يروا كردستان وهي ترتدي أجمل الحلي ، وتكتسي روائع الجمال الخلاب، وقد تحولت وكأنها دولة أوربية، وليس أقليما يتبع للعراق ، وها هي تمتلك من بهاء الطبيعة ورونقها وعمرانها الشاهق وانضباط أهلها وتعلقهم بأقليمهم ، واحترامهم للقانون والنظام، ما يشكل ” مثلبة” لمن تحولت محافظاتهم الى مدن منكوبة يسكنها الخراب والدمار، ويعاني أهلها شظف العيش ، وهم يرون أنهم يعيشون مراحل القرون الوسطى بكل ظلاميتها وقسوتها وفجورها وطغيانها!!

كان الكثير من الإخوة ، وبخاصة النواب الكورد في الدورتين الاولى والثانية وحتى الى ما بعدها من دورات مجلس النواب، من أفضل ممن إمتلكوا لغة عربية فصيحة بليغة ، تقترب من لغة قريش في أيام الأسلام وما قبله ، من حيث إجادتهم للغة العربية نطقا ولفظا وتعبيرا عن معانيها وبيانها الساحر ، حتى أنه ليس بمقدور كثيرين من نخب العراق وساسته أن ترتقي الى فصاحة أؤلئك الشخصيات الرفيعة التي شاركت في إرساء معالم الديمقراطية في العراق في سنيها الأولى ، وقد أشدت حينها بمقالين نشرتهما في جريدة الدستور العراقية وفي مواقع عراقية ايضا ، بما إمتلكه الاخوة النواب الكرد في تلك الدورتين من فصاحة اللغة وبيان الكلام ، في جلسات البرلمان وفي مواقعهم في الحكومة ، وفي حواراتهم مع الفضائيات ووسائل الاعلام، فاقوا به أقرانهم ونظرائهم من ساسة العراق العرب، من حيث القدرة على إيصال الأفكار بسلاسة والتعبير عنها بلغة رائعة مسبوكة ، ونالوا اعجاب وتقدير كل من سمع أحاديثهم وحواراتهم، وكانت بلغة شفافة راقية، حافظت على سلامة اللغة العربية ، وأعلوا شانها، في حين هبط بها آخرون من الساسة العرب الى أدنى مراتب الاهتمام، فكان فضل الكورد في الحفاظ على هيبة اللغة العربية واضحا، بلا عنصرية بغيضة او أحلام زائفة ، وكانوا يتمنون أن يعاملوا بالرقي وما تطمح اليه النفس الانسانية، من أن من يحافظ على شرف الكلمة وقدسيتها، أن يحظى بالاحترام والتقدير وحفظ حقوق البشر والمجتمعات، لا أن يتم التنكر لهم، عندما يرى البعض أن تحالفه معهم قد إنتهى عهده، ولم يعد لتحالف من هذا النوع، أن يستمر، والأفضل من وجهة نظر البعض ممن تنكر للكورد، ان يجدوا لهم طريقا آخر، ولم يتبق أمام الكورد في هذه الحالة غير البحث عن مصير آخر ومستقبل آخر للعيش، بعدما لم يعد بالامكان ” التعايش” مع ساسة ، لم يتركوا مفردة بالية الا وهاجموا بها الكورد، ولم يتوقف رشقهم بالحجارة، طوال سنوات!!

أمام هذه الواقع المرير ، راح تفكير القادة الكورد، وعلى رأسهم السيد مسعود البارزاني، بالبحث عن ” خيارات أخرى” لتحقيق أحلام شعبهم، وبخاصة انهم بنوا لشعبهم معالم عز وشموخ يفخرون بها، ولا يريدون العودة مجددا الى عصور التخلف والحرمان، بعد ان أشادت الدنيا ببنائهم الفاخر الجميل، وهم الذين وهبهم الباري طبيعة خلابة غناء، وهم يريدون أن يحولوا قلاع كردستان الى جنات عدن، وهم على حق، ويستحقون تلك المنازل الرفيعة والمكانات اللائقة بهم عن جدارة!!

كنت شخصيا أنظر باحترام وتقدير، الى مكانة الكثيرين من قادة الكورد، على أنهم هم من حافظوا على عراقيتهم ، أكثر من حفاظ ساسة العراق من العرب ، وهم ، أي الكورد، يتفاخرون بإشتراكهم مع العرب في الدين الاسلامي وقيمه الرفيعة السمحة، ويدينون للعرب بفضل هذه القيمة الربانية الجليلة، وكان همهم أن يبقوا منسجمين معهم على الدوام ومشاركين في الدفاع عن قيمهم وعن كل ما يمت الى الرسالة الاسلامية ويرفع من شأنها بين بني الأرض، وكان منهم علماء أفذاذ وأساتذة اجلاء ومقامات رفيعة ، ما يزال الكثير من العراقيين يذكر فضلها، وكيف كان لها إسهامات في تطوير اللغة العربية وعلومها وآدابها، والمحافظة على تراثها وقيمها العربية والاسلامية، وبقي إسلامهم نقيا صافيا رقراقا لايقبل الدغش أو الغش ، وحافظوا على عقيدتهم من أن ينالها التشويه والتزييف ومحاولات خداع الآخرين، وهم الانقياء كصفاء الذهب، في خلقهم وأخلاقهم، ومن الجرم أن ندير ظهرنا لهم، ونوصلهم الى مرحلة أن ينفصلوا عن العراق، بلدهم العزيز العريق بتاريخه وحضاراته، وقد شاركوا في صنع أحداثه ، ولدى رجالاتهم بطولات شاخصة في الدفاع عن شرف الارض والعرض، ولهم مآثر خالدة يشهد لهم التاريخ العراقي أنهم رجالها الصيد الميامين، ومن يستحقون أن نعلي شأنهم، ونسهم في رفع الحيف عنهم ، وبدلا من أن نكرمهم بما يستحقون، واذا بنا نخذلهم ونعاملهم معاملة من لايستحق أن يعامل، إلا بطريقة من تنكروا للتاريخ وللإخوة والمصير المشترك!!

أليس من حق الإخوة الكرد، أن يكون لهم وطن حر بهي، يعيشون فيه بأمن وكرامة ، ونحن من أوصلناهم الى أن يختاروا ” القطيعة ” معنا ، لا رغبة منهم، ولكن بعد إن وصل قطع الأرزاق معهم حدا ، لم يعد فيه للصبر من منزع كما يقال!!

ومن حق الكورد ، بعد سلسلة مماطلات ومحاولات تسويف ، ونكران للجميل ، أن يبحثوا عن ” خيارات أخرى ” ، وهم لديهم من الإمكانات والدعم الدولي ، ما يؤهلهم لأن يبحثوا عن خيار ” الإستقلال” الناجز، وليس بمقدور دول الجوار والدول الكبرى إلا أن تعترف لهم بهذا الحق، حتى أن الأمريكان أنفسهم، بدأوا يتعاملون معهم ، بطريقة تشعرهم ، بأن بمقدورهم أن يحصلوا على الإعتراف الدولي بهم.. ويبدو أن محاولات من هذا النوع ستتكلل بالنجاح، مادامت قد توفرت لها أرضيات القبول الدولي، حتى لو وقفت دول اقليمية ضد هذا الحلم حتى أصبح الحديث عن إستقلال كوردستان، وكأنه أمر أصبح ، قاب قوسين أو أدنى ، من أن يجد حلم الكورد ، نوره ، في وقت قريب!!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close