التوحش الذي يصيب الناس ناجم عن توحش النظام السياسي القائم!

كاظم حبيب
التوحش الذي يصيب الناس ناجم عن توحش النظام السياسي القائم!
إن بروز المزيد من مظاهر القسوة والتوحش لدى المزيد من الناس في التعامل اليومي مع عائلاتهم والمحيطين بهم، بما فيه القتل، يعتبر نتيجة واقعية لفعل عوامل كثيرة، في المقدمة منها نهج الحكم في الاستبداد والتوحش والتعامل القاسي مع الفرد والمجتمع، سيما المعارضين له، وابتعاده كلية عن كل ممارسة للحرية والحياة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وكرامته.
لم يعرف العراقيون والعراقيات طيلة حياتهم طعم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لم يعرفوا طعم الهدوء والراحة والطمأنينة، لم ينعموا بوطنهم الذي يسمى أيضاً دار السلام ولا بخيراته، لاسيما النفط وأرضه الطيبة، بل سالت بسبب النفط الخام الدماء والدموع. حتى تلك الفترة القصيرة من حكم ثورة 14 تموز 1958 انقلبت ضدهم منذ العام 1959 وأصبحت فاشية قاتلة ووبالاً منذ انقلاب شباط 1963. تكالبت عليهم قوى الشر الداخلية وتحالفت مع قوى الاستغلال والضيم الدولية والإقليمية لتجعل من العراق مجزرة بشرية مستمرة على امتداد قرن من الزمان 1921-2021، لاسيما سقوطه ضحية الاستبداد والجشع والحروب والاجتياحات والاستباحات والتدخل الخارجي المستمر.
وحين اعتقد كثير من الناس في العراق بأن الحرب الخارجية، التي أشعلها التحالف الدولي خارج الشرعية الدولية بقيادة الدولتين الباغيتين، الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ستنقذ الشعب من جحيم الدكتاتورية البعثية الصدامية الغاشمة، من جبروت وظلم وقسوة وعنجهية الدكتاتور صدام حسين، سقط الشعب في جحيم الظلم والظلامية، في عمليات قتل على الهوية والمزيد من الموت بالعربات المفخخة والانتحاريين والقتل الجماعي والاجتياح الدموي والاستباحة والتمييز الديني والطائفي والفكري والسياسي، ثم النهب والسلب لموارد البلاد محلياً وإقليمياً ودولياً. ثم كانت عاقبة تلك الحرب أن أقام المحتلون، وبدعم مباشر من إيران الباغية ومساومة معها، نظاماً سياسياً طائفياً فاسداً ومدمراً للبلاد منذ 18 عاماً. هذا النظام يرتكز على عدة قوائم سيئة: * ممارسة الأدلجة الدينية والمذهبية للدولة والمجتمع، لاسيما للمؤسسة العسكرية بكل أصنافها؛ * دور الدولة العميقة بكل مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية والطائفية وميليشياتها الطائفية المسلحة وتبعيتها التامة لإيران وهيمنتها عل الدولة الرسمية المهمشة؛ * فسادها وإفسادها الممنهج والمنظم للدولة بسلطاتها الثلاث والمجتمع بحيث أصبح نظاما؟ سائداً ومعمولاً به في الدولة والمجتمع؛ * استخدام سياسة الجزرة والعصا في تزييف الانتخابات وتزويرها وفي التعامل مع سلطة القضاء وحرمانها من أي شكل من أشكال الاستقلالية؛ * ممارسة الإرهاب اليومي بكل أنواعه ضد الأصوات المناهضة لكل تلك الانتهاكات التي يتعرض لها المجتمع والقوى المعارضة لنظام الحكم الفاقد للشرعية الدستورية.
هذه الدولة، التي يعيش المجتمع العراقي تحت وطأة ظلمها وظلاميتها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان وحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب والتي تمارس التمييز بأقسى وأبشع أشكاله، تحكمها بعض النخب الرثة والفاسدة والمعبرة عن مصالح الفئات الاجتماعية الطفيلية، (البيروقراطية الكبيرة والمالية والتجارية الكومبرادورية والعقارية والمقاولة..)، المناهضة للتنمية الاقتصادية الإنتاجية، لاسيما الصناعة والزراعة والبنية التحتية الإنتاجية، والتنمية البشرية، بما يسهم في خلق بشر واع ومدرك لما يجري في البلاد وقادر على المشاركة في عملية التنمية والتصنيع وتحديث الزراعة. هذه الدولة الراهنة تُحكم من الدولة العميقة والميليشيات الطائفية المسلحة. سواء أكانت باسم فيلق بدر، أم كتائب حزب الله، أم عصائب أهل الحق، أم ميليشيات حزب الفضيلة، أم ميليشيات جيش المهدي وسرايا السلام أم الحشد الشعبي، أم غيرها من الميليشيات والمكاتب الاقتصادية وفرق الاغتيال والاختطاف والتغييب التي زرعتها إيران في البلاد ودول جوار أخرى، وسواء أكانت شيعية أم أخرى سنية. هذه القوى والأحزاب والميليشيات تمتلك ثلاث مقومات لها داخلية: هي الدولة بسلطاتها الثلاث أولاً، والميليشيات المسلحة الضاربة ثانياً، والمال المنهوب من خزينة الدولة العراقية ومواردها الأولية خاصة النفط الخام، ثالثاً، كما تجد الدعم والتأييد من إيران مباشرة وبكل السبل المحرمة دولياً، وسكوت مطبق من المجتمع الدولي والمحتل الأمريكي السابق، بحيث أصبح العراق حالياً شبه مستعمرة للدولة الباغية إيران. وليس حكامها سوى إمعات بيد المرشد الإيراني الأعلى، ومن يحرك ذيله ولو قليلاً يقطع مباشرة قبل أن يقطع رأسه! رغم أن ليس هناك بين الحكام الحاليين من رفع ذيله ولو قليلاً بل برهنوا جميعاً على خضوع وخنوع تامين يتعارضان مع شموخ وشهامة وكرامة المواطنة الإنسان العراقي.
الحراك المدني لقوى الانتفاضة وتلك المطالبة بحقوقها اليومية تضرب بالرصاص الحي وتقتل على أيدي الميليشيات الطائفية المسلحة التي ترتدي مرة اللباس الأسود ومرة أخرى القبعات الزرقاء وأخرى قبعات من لون أخر أو اللباس الخاكي، ولكنها كلها تحمل بيدها السلاح المنفلت لتهاجم المتظاهرين وتقتل وتجرح من تشاء (قتل متظاهر وجرح 50 آخرين في واسط أخيراً)، ومن ثم تأتي السلطة التنفيذية بأجهزتها الأمنية لتعتقل المتظاهرين (100 متظاهر) ولم تعتقل القتلة المهاجمين الذين ارتدوا اللباس الأسود وهجموا على المتظاهرين في الكوت (واسط)، أو كما حصل في بغداد والبصرة والناصرية والديوانية والحلة وكربلاء والنجف و.. وإلخ.
إن المسؤولين عن القتل هم المحافظين ومدراء الشرطة وعموم الأجهزة الأمنية في تلك المحافظات، إضافة إلى وبالأساس هي السلطة التنفيذية المسؤولة أولاً، ومجلس النواب السادر في فساده وغيّه، ثانياً، والقضاء العراقي الفاقد للإرادة المستقلة والخاضع لإرادة وقرارات الدولة العميقة وميليشياتها المسلحة.
مرَّ على وجود مصطفى الكاظمي في رئاسة الحكومة العراقية أكثر من سبعة شهور، فهل فعل هذا ما كان مطلوباً منه؟ كل الدلائل تشير إلى أنه لم يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، بل هو في تراجع مستمر في مجالات كثيرة نشير إلى أهم ثلاثة أساسية فيها:
أولاً: عدم تقديم ملفات كبار الفاسدين المتوفرة في أدراج الحكومة الحالية وهيئة النزاهة وجهاز المخابرات الوطنية، وجلهم مازال في قوام النحب الحاكمة وأحزابها السياسية والحشد الشعبي.
ثانياً: عدم التحرك صوب نزع السلام المنفلت الموجود في أيدي الميليشيات الطائفية المسلحة والأعضاء في الحشد الشعبي ولدى العشائر والأفراد، بل تؤكد الدلائل كلها على زيادتها، وتكديس المزيد من السلاح والعتاد المتنوع في العراق، بما فيه الصواريخ، القادمة من إيران، إضافة إلى خضوع منشآت التصنيع العسكري تحت إدارة وإشراف الحشد الشعبي والدولة العميقة.
ثالثاً: عدم اتخاذ خطوات فعلية صوب اعتقال وتقديم قتلة المتظاهرين جرحاهم إلى المحاكمة، علماً بأن أسماء هؤلاء القتلة موجودة في ملفات الحكومة وأجهزة الأمن والمخابرات العراقية، من جهة، وعدم إنقاذ حياة وإعادة حرية المختطفين المغيبين حتى الآن من قبل الميليشيات الطائفية المسلحة والحشد الشعبي وبعض الأجهزة الأمنية المتواطئة معها من جهة ثانية.
مع واقع وجود كثرة من الأمور المهمة والأساسية الأخرى التي لم يتحرك صوبها رئيس الحكومة العراقية لاسيما قضايا الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والمواصلات والاتصالات، وارتفاع أسعار السلع والخدمات والعقارات …إلخ.
إن استمرار توحش الدولة بسلطاتها الثلاث منذ أكثر من نصف قرن في العراق، قد انعكس بوضوح كبير على أوضاع النفسية والعصبية وعلى القيم والمعايير الإنسانية في المجتمع وفي تصرفات مجموعة غير قليلة من الناس، بما في ذلك قتل الآباء أو الأمهات لأطفالهم أو رميهم في النهر أو تفاقم عمليات الانتحار والقتل بذريعة غسل العار ولأسباب عديدة بما فيها الجهل والفقر والحرمان وغياب الوعي الاجتماعي.
يقف الشعب أمام أوضاع معقدة ومتدهورة باستمرار كالتي سبقت الانتفاضة الشبابية، وبالتالي فاحتمال تفجر هذه الانتفاضة من جديد حقيقة قائمة فعلاً، ولهذا تحاول قوى الدولة العميقة بكل فصائلها ومؤسساتها القيام بهجومات استباقية مكثفة ومسلحة على المتظاهرين السلميين والقوى المساندة للتغيير المنشود في عدد متزايد من المدن والمحافظات العراقية. إلا إن هذا الأساليب الردعية، بما فيها القتل والاختطاف والتغييب لن تزيد الشبيبة والشعب إلا إصراراً على التغيير والخلاص من جحيم نظام سياسي طائفي فاسد مريع وتابع، وإن غداً لناظره قريب!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close