الطب والشعر / ذكرياتي مع التراخوما

الطب والشعر / ذكرياتي مع التراخوما
د. حسن كاظم محمد
المشهد الأول
التراخوما أو الرمد الحبيبي داء يصيب العين فيحدث إلتهابا واحمرارا ويتسبب بإفراز مادة قيحية صفراء أو بيضاء، تسببه بكتريا تنقلها حشرة تدعى البگّه. الاختلاطات المصاحبة لهذا المرض هو تلف القرنية وفقدان البصر وتشكّل هذه نسبة قليلة.
انتشر المرض في بغداد في أربعينيات القرن الماضي وأصبت به وأنا بعمر أربع سنوات مع أختي ووالدتي رحمة الله عليها. كنا في الكاظمية وكان العلاج أن نذهب مع الوالد أو الوالدة إلى مستوصف قرب الصحن الشريف، يبعد عن محلتنا (الشيوخ) نحو عشرين دقيقة مشياً، وكان يعمل فيه مضمد يدعى كاظم رمده مع مجموعة بسيطة من المساعدين. العلاج تقلب الأجفان وتغسل بمحلول البوريك، حك الحبيبات بنترات الفضة، قطرة السلفا ودهن السلفا مشفوعة بالصراخ والبكاء من قبل الأطفال، لنعود في اليوم التالي وهكذا لعدة أسابيع لحين الشفاء. وإذا تطلبت الحالة أكثر من ذلك علينا أن نراجع مستشفى الرمد في جانب الكرخ قرب دائرة التقاعد حالياً. كنّا نذهب إلى محطة الگاري في نهاية سوق الاسترابادي، لنركب الگاري وهو عبارة عن كابينة متواضعة من طابقين يستوعب كل طابق نحو ثلاثين شخصا، تسير على سكّة وتُسحب من قبل حصانين والوقت يستغرق ساعة واحدة والعودة كذلك. في المستشفى قاعة كبيرة مكتظة بالحضور والكل وقوف ونحن محمولان على كتفي الوالد رحمة الله عليه. وعند وصول دورنا تتم الاستشارة من قبل الطبيب الوحيد المتوفر والذي يقرر أن يعطى العلاج في المستشفى أو نستمر على العلاج في مستوصف المنطقة لحين الشفاء.
المشهد الثاني
بعد شفائي الكامل وعمري أربع سنوات، كانت عندنا قطة لطيفة ومطيعة، أخذتها ذات يوم الى السطح العالي ووضعت قطرة السلفا في عينيها. شاهدت والدتي عيني القطة الدامعتين، وسألتني عمّا جرى. أخبرتها بما فعلت وأن ذلك لكي أجنّـبها مرض الرمد، وكذلك لأني أرغب بأن أكون طبيباً في المستقبل. كان جوابها “إن شاء الله تحقق ما تريد”.
المشهد الثالث
التقيت في ثانوية الكاظمية بالطالب حسن البصير الذي فقد بصره عند الطفولة بهذا الداء واختار القسم الأدبي، وكان ذكيا متفوقاً على زملائه. وكنّا نتبارى بما يُعرف بالمطاردة الشعرية (حيث يأتيك ببيت شعر وتجيبه ببيت آخر يبدأ بقافية العجز وتتكرر الحالة لحين عجز أحدهم ليستسلم لزميله). تابعته حتى تخرجه من كلية الآداب وحصوله على شهادة عالية ثم أصبح أستاذا فيها.
المشهد الرابع
خضعت لفحص النظر كجزء من متطلبات القبول في كلية طب بغداد، وأخبرني الطبيب بأن مرض التراخوما قد ترك عندي آثارا سلبية على سطح القرنية بما يعرف بالاستكماتزم، وأني بحاجة إلى عدسات طبية. وهكذا واظبت على استعمال النظارات الطبية في القراءة لهذا الحين.
الدارمي
الحبيب:
خَـبّـروني مِـن بِـعِـد عَـيـن الـمُـحِـب رَمده
قـرّرت جَـيّه مِـن وكِـت وِلبوسه مِـن خَـدّه
الحبيبة:
يـا مـرحـبه بْجَـيّـتـك مَـلگاك بي لهـفـه
گلبي تِـرِف دگـّـته لو شبگه مِـن وِلْـفه
الأبوذية
عَـين لْـمُحـب گالـو جَـتهه بَگّـه
دمـع وألـم چَــنـهـه حـال بَـگّـه (إصابة العين)
أجي وحـدي أضـمّـدهـه وبْگـه (بمعنى أبقى)
عـيـني وعـينچ يطـيـبن سويّـه
والى اللقاء

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close