اخترنا لكم : لقمان سليم ، سينمائي حتى آخر نَفَس*

بقلم مهدي قاسم

“تدمر” للقمان سليم ومونيكا بورغمان.

“تدمر” للقمان سليم ومونيكا بورغمان.

 قُتل لقمان سليم مغدوراً بست رصاصات في جسده. إلى عمله ناشراً مهموماً ومولعاً بالتوثيق والتسجيل، كان الرجل مخرجاً سينمائياً لعدد من الأفلام التي ينبغي العودة اليها في هذه اللحظة تحديداً، فهي باتت تحمل دلالات أقوى ومعاني أخرى واشارات أبعد غداة الاغتيال الجبان. رغم عددها القليل، تركت هذه الأفلام أثراً عميقاً في نفوس دائرة ضيقة من الناس الذين شاهدوها. أفلام نبشت في الماضي اللعين، حكت عنّا بصفتنا ضحايا العنف الأهلي المستجد والمتواصل، فقرأت سيرة هذا الظلم الذي لا يزال مستمراً إلى اليوم في زمن السلم المزعوم. أتمّ لقمان سليم مع مونيكا بورغمان (شريكة حياته) ثلاثة أفلام استثنائية لا مرجعية ولا امتدادات لها في السينما العربية. لا يمكن ربطها بأي تجربة أخرى في المنطقة العربية، لا سابقة ولا لاحقة لها. اذا كان لكمبوديا ريثي بان(ه)، فللبنان لقمان(ه). كلاهما مشغول بانتشال الذاكرة الوطنية من تحت الركام. أول هذه الأفلام “مَقَاتل”، الذي عُرض في العام  ٢٠٠٤. فيلم صادم بكلّ الاعتبارات أتحدّث عنه في الأسطر الآتية. الثاني هو “في المكان” (٢٠٠٩) عن أربعة مقاتلين يروون أمام الكاميرا، في سلسلة كادرات ثابتة وعريضة، نشاطهم الحربي من خطف وتعذيب وممارسات مرعبة أصبحت خبزاً يومياً عند هؤلاء. أما الثالث فهو “تدمر” (٢٠١٦)، وثائقي يتركنا عاجزين أمام معاناة معتقلين لبنانيين سابقين في السجن الأسدي، لنشهد على فظاعات نظام يحرم البشر أبسط الحقوق وينتهك كرامتهم. من أجل تجاوز هذه المحنة، يُتاح للسجناء السابقين الذين قرروا البوح والمواجهة، اعادة تمثيل ما عاشوه في مدرسة مهملة بالقرب من بيروت.  الأفلام الثلاثة مهمة، كلٌّ على طريقته، كتوثيق أولاً، كفعل مواجهة مع واقع اختار الصمت ثانياً، وكفنّ سينمائي خالص ثالثاً. الا أنني أميل إلى “مَقَاتل” لتوفيره عمقاً لا آخر له. هذا الفيلم تجربة كابوسية لا يمكن الفكاك منها لفترة طويلة بعد المشاهدة (شارك في الإخراج هيرمان تايسن). المخرجون الثلاثة ذهبوا إلى “حيث لا يجرؤ الآخرون”، اذا أردنا استعادة الشعار الذي كانت ترفعه احدى الميليشيات. أخبرني سليم يومها ان حضور القتل إلى هذه الدرجة من حولنا يصدمه. لكن أكثر ما كان يصدمه هو اننا نتغابى عنه ولا نتغاضى فقط. القتل كجزء من ثقافة استقتال وكفاءة. عندما قرأتُ المقابلة التي كنت أجريتها معه، لغرض كتابة هذا المقال، استوقفتي هذه الجملة التي أعلنت باكراً موته واستشففته: “عندما يكون لدى أحد هذه المقبولية في إبادة  ..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close