لماذا يرفض مسلمو اليوم الالتزام باية “اشداء على الكفار رحماء بينهم”

لماذا يرفض مسلمو اليوم الالتزام باية “اشداء على الكفار رحماء بينهم”

قال الله في كتابه الكريم “محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم …”. لقد كان رسول الله والمسلمين انذاك يتمتعون بالعزة والكرامة والشجاعة والاستقلالية والحرية. فهم اشداء على الكفار المحاربين الذين يريدون احتلال ارضهم في المدينة بعد ان طردوهم من مكة. بنفس الوقت نرى المهاجرين والانصار رحماء بينهم فهم يسمعون ويطيعون نبيهم محمد الذي يستغفر لهم ويرحمهم ويحترم رغباتهم. كما يتعاونون فيما بينهم ويساعد بعضهم البعض الاخر.
كانت ستراتيجية القران الكريم ورسول الله واضحة وضوح الشمس منذ بداية الرسالة. فقد كان الشعار الاول للمسلمين هو لا اله الا الله. الذي يعني تحرر المسلم من العبودية لارباب اخرين او سادة مقدسين او حكام او اموال او شهوات او اهواء. فاصبحوا بعد هذه الحرية الذاتية لا يخافون من مشركي قريش او الروم او الفرس او الملوك. لقد حرروا النفس من العبودية او الخوف من الناس. كان جل اهتمامهم نشر العدالة وهداية الاخرين الى مكارم الاخلاق.
هذه الاسس المتينة التي جبل عليها المسلمون الأوائل هي التي حفظت وحدة العالم الاسلامي حتى بداية القرن الماضي. من الصحيح وطيلة الخمس عشر قرنا حدثت مظالم بين المسلمين. فكان يبغي بعضهم على البعض الاخر ويظلمه. لقد تقاتل المسلمون فيما بينهم منذ الفتنة الكبرى في عهد الخليفتين عثمان بن عفان وعلي ابن ابي طالب. ثم تحولت الخلافة الراشدة الى ملك عضوض في عهد الدولة الاموية والعباسية والعثمانية. لكن لم يتجرا اي فريق من المسلمين الباغي او الباغي عليه ان يلتجا او يطلب المساعدة من الروم في وقت كان الروم يتربصوا بالمسلمين ويعرضون المساعدات على مخالفيهم.
ان الاستقلالية والكرامة علمتهم بان الموت على الاسلام خير من الخيانة والاستعانة بالحكام الكفرة المحاربين حتى لو ظلموا وفقدوا السلطة والجاه والمال. ان حدثت في الفترات المتاخرة خصوصا في وقت الدولة الصفوية والدولة العثمانية بعض الاختراقات لهذه القاعدة جزئيا. فان الدولتين كانتا تستعينان بروسيا او بريطانيا احيانا لكن لم يلبثا طويلا حتى يعودا الى استقلاليتهما.
ان قواعد اسلامية رسخت في اذهان المسلمين القدامى حول اعتماد المسلم على الله وعلى صالح المسلمين. ولا يطلب العون من غير المسلم ضد اخيه مهما كانت الظروف. انهم يعلمون بان التعامل مع الكفار المحاربين خيانة للاسلام وهي من أكبر الكبائر. فقد قال تعالى في القران الكريم “لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المومنين..”. او قوله “يايها الذين امنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء بعضهم اولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين.”. هناك ايضا الكثير من الاحاديث النبوية منها على سبيل المثال اجتنبوا السبع الموبقات منها الفرار يوم الزحف. اي ترك المسلمين لقمة سائغة للكفار المعتدين. او حديث اخر يقول كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه.
نرى اليوم العجب العجاب لدى طائفة من الحكام العرب الذين باعوا كرامة اوطانهم وعظمة دينهم. ذلك بالتزلف والتوسل والاستسلام والذل والعبودية لاعداء الاسلام التاريخيين من غير المسلمين كالصهاينة والمتعصبين. لقد ارتكب هؤلاء الحكام كل المحظورات والمحرمات المغلظة التي حرمها الله ورسوله. ثم تخلوا عن اسس دينهم دون ان يصرحوا بها علانية. لقد اختاروا طريق النفاق والدجل والتدليس لتغفيل شعوبهم. هؤلاء في الحقيقة اخطر على الاسلام وشعوبهم من المشركين والملحدين قال الله في مصيرهم “ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار”. لذلك فليس من الغريب ان نجدهم قد تخلوا وخذلوا اهل فلسطين وفرطوا بالمسجد الاقصى وكانوا في صف الطغاة ضد مسلموا البوسنة والهند والصين والشيشان.
المشكلة عميقة لان الامر لا يتعلق بالحكام العرب فقط انما وصلت خيانة المبادئ الإسلامية الى كثير من الاحزاب العربية بعضها تدعي التقدمية والاشتراكية اضافة الى بعض منظمات المجتمع المدني المدعومة من قبل امريكا والغرب. لكن ثالثة الاثافي خيانة بعض المتحزبين المنتمين الى حزب اسلامي لدينهم. لقد اصطفوا في العراق مع المحتل الامريكي واذنابه من الطائفيين الشيعة الولائيين لامريكا وايران. باعوا كرامة دينهم مقابل حقيبة او حقيبتين وزاريتين. في حين كان شعارهم المعلن الاسلام هو الحل لكسب قلوب الشعوب المسلمة. لكنهم كانوا يتاجرون به ويوظفوه وفق ما يتماشى مع مصالحهم الحزبية الفئوية.
بعد ان سأم العرب من أنظمتهم الظالمة خرجوا بالملايين ضد الطغاة. فقد نهضوا في 2011 وما بعدها ابان ثورات الربيع العربي ضد الانظمة الدكتاتورية التي سلطها الاستعمارين الراسمالي والروسي. كانت اهداف هذه النهضة تحررية من اجل نيل الاستقلال الحقيقي واللحاق بركب الدول المتقدمة. لقد نجحت تلك الانتفاضات في معظم الاقطار العربية باستثناء الدول الملكية الرجعية المتصهينة. لكن ركوب الاخوان المسلمين الموجة واختطافهم قيادة تلك الثورات حول ذلك العرس آلى مآتم. فما لبثت ان عادت قوى الثورة المضادة من جنرالات الجيش الدكتاتوريين من جديد للاستحواذ على جميع السلطات. هكذا وبسبب تآمر الاثنين كل وفق طريقته واهدافه تم واد انشاء انظمة حرة ديمقراطية ربما لعقود.
مثلما لا يسع الاسلام مذهب واحد لا يمكن ان يسعه حزب واحد حتى لو كان صادقا عادلا. ان من يمثل الاسلام في حقيقة الامر كل المسلمين الاحرار بكل اتجاهاتهم السياسية والاقتصادية. مجموع هذه النخب الوطنية وتالفها هو الذي سيحقق استقلال اوطانها من هيمنة الاجانب المستكبرين. لا يمكن ان يمثل هذا الارث الحضاري العظيم والذي سبق ان اخرج الناس من الظلمات الى النور حزب اسلامي بعينه او امام او فقيه. انما تجد ممثليه في كل رجل او امراة يعملا بصدق وامانة واخلاص في المزارع والمعامل والاسواق والجامعات والدوائر الحكومية.
ينبغي ان نحطم الحواجز التي صنعها بعض المتزمتين بشعائر وظواهر الاسلام. فلا فرق بين ملتحي وحليق وبين محجبة وسافرة وبين مصلي وغير مصلي. فالايمان والالتزام بالهوية الحضارية الاسلامية ليست حكرا على هذا دون ذاك. ان هناك من يعتنق الفكر اليساري او الليبرالي او القومي لكنه لا يعادي الاسلام وحريص على استقلال وطنه ويضحي من اجله. هناك مسيحيين ويهود يدركون الواقع ويحترمون خيارات الاسلام في مقاومة الاعداء والتضحية من اجل الوطن. هناك ايضا قوى ديمقراطية تجاهد وتناضل من اجل ترسيخ العدالة واحترام دين وعقيدة الاغلبية.
متى سينطلق بركان التغيير في بلداننا العربية؟ يبدو ان النخب العربية الحرة قد استوعبت الدرس الذي افشل ثورات ربيع 2011. اذ لا يمكن قيادة التغيير من طيف واحد او حزب واحد. ان النخب الوطنية لكل بلد مدعوة لتحمل مسؤلياتها لتنظيم امرها دون اقصاء لاي وطني حر لانجاح التغيير المرتقب واستمراريته. بالاعتماد على الكفاءات لسد الفراغ لبناء دول مدنية ديمقراطية عادلة تحترم خيارات شعبها. عندها فعلا نردد الاية القرانية بفخر واعتزاز “اشداء على الكفار رحماء بينهم”. حينها نكون اشداء على المستعمرين والظالمين في الدفاع عن بلداننا. ونكون رحماء مع مواطنينا نتسامح ونتعاون معهم ونعطي كل ذي حق حقه.
الدكتور نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close