اسباب تصاعد حملات الحقد والكراهية ضد الاسلام في فرنسا

اسباب تصاعد حملات الحقد والكراهية ضد الاسلام في فرنسا

لقد ازدادت حملات الحقد والكراهية ضد الاسلام والمسلمين في فرنسا. رغم ان عديد الجالية المسلمة في تزايد مطرد نسبة الى عموم سكانها. كما انها جالية قديمة تمكنت من التآلف مع المجتمع الفرنسي. انها ايضا تعمل باخلاص في شتى المجالات الحياتية على تربة هذا الوطن. يشتغل افرادها في الدوائر الحكومية والخاصة في القطاعات التعليمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والصحية والصناعية والزراعية. كان ولا يزال افراد الجالية يحترمون القوانين الفرنسية. اندمجوا من خلال الكثير من الصدقات والجيرة والعمل والزواجات المشتركة بينهم وبين باقي الفرنسيين.
هذا التألف والاندماج المجتمعي لا يريق لقوى اليمين المتطرف والحاقدين على الاسلام. لذلك فهم يستغلون اية ثغرة لتشويه سمعة مسلمي فرنسا. المسلمين كغيرهم ليسوا ملائكة او معصومين من الخطا فهناك ثغرات عديدة واتكالية واسعة تمكنوا من خلالها شن حملة الكره والاضطهاد بصورة غير مسبوقة. لقد وصل الامر بهم الى حياكة افترائات ضد مسلمي فرنسا منها الانعزالية بعد ان الصقوا بهم قبل اعوام تهمة الارهاب. هناك اسباب ذاتية تتعلق بقادة الجالية وانقسامهم وفوضوية تعاملهم مع الاحداث. وعوامل اخرى تتعلق بالاحوال السياسية الاقتصادية في فرنسا والثالثة تتعلق بالظهير الاسلامي في الدول العربية والاسلامية.
لعل اهم سبب هو اسلوب تنظيم الجالية وتواصلها مع السلطات الرسمية. فمنذ بداية التواجد الاسلامي في فرنسا وقت استعمارها للكثير من الدول الاسلامية في افريقيا. وصل ابناء الجالية الى فرنسا اشبه ما يكونوا بالعبيد. فوصلوا اما من اجل الدفاع عن فرنسا في حروبها او من اجل العمل الصعب لتحصيل لقمة العيش. لقد جاءوا اذن الى فرنسا من مركز ضعف ولا تاثير لهم في اتخاذ القرارات المهمة. استقر العمال بفرنسا بعد تدهور احوال بلدانهم وبعد ان سمح لهم بجلب زوجاتهم في بداية سبعينات القرن الماضي فأصبح اولادهم فرنسيين ودرسوا في جامعاتها وتالفوا مع المجتمع.
كان مسجد باريس الذي تاسس بعد الحرب العالمية الاولى هو الممثل الوحيد للجالية ولم يكن لديهم شيء سوى الامور الدبلوماسية والاحتفال بالاعياد مع بعض السفراء. جاءت مرحلة ثمانينات القرن الماضي حيث ظهرت قوة اخرى وهي اتحاد المنظمات الاسلامية uoif الذي توسع نفوذه بسرعة الى سائر ارجاء فرنسا وعمل بنشاط في احياء فعاليات ومؤتمرات كثيرة. هذا الغريم الجديد اجبر مسجد باريس التحرك على الجزائريين في ارجاء فرنسا وعمل المغرب في لتجميع مناصريه عبر الفيدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا وبعض المساجد وتبلورت تجمعات اخرى مهمة للجالية التركية والافريقية لجنوب الصحراء من غير العرب.
هذه القوى وبالخصوص قيادة مسجد باريس وقيادة اتحاد المنظمات الاسلامية والقوى المغربية اجبرها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على تاسيس المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية. لم يستوعب مسلمي فرنسا خطورة تدخل الدولة الفرنسية في شؤونهم الداخلية فاستمروا في خوض صراع غير شريف للسيطرة على مقدرات الجالية لخدمة السياسيين الفرنسيين. هذا الاستسلام سمح للسلطات من شبطنة مسلمي فرنسا رغم خضوع قادتهم. ترك الاعتماد على الجالية والصراع الشديد بين الجمعيات الاسلامية الكبري اضطر او جعل السلطات الفرنسيه تتدخل ليس لربىء الصدع او الاصلاح بينهم بل التدخل في شؤونهم. في ظل صراعات تلك القوى الانانية وعدم قدرتها على الاعتماد على نفسها اضحت عاجزة من تجديد كوادرها وتوسيع مجال عملها لخدمة الجالية.
كان ينبغي ضم او دعوة الفرنسيين اللذين اعتنقوا الاسلام لقيادة تلك الجمعيات لانهم يعرفون شعاب فرنسا التاريخية والدينية والسياسية افضل من غيرهم. اضافة الى ضرورة الاعتماد على كوادر مخلصة للاسلام من الذين لا يستطيعون الصلاة في المساجد. ومن الذين لا يلتزمون بها او من المستقلين الذين لا يريدون العمل مع تلك القوى. دون الاعتماد على جميع تلك القوى لا يمكن الخروج من المازق الخطير الذي استمر منذ اكثر من اربعين عاما. الجميع هنا يعلم بالنهاية ان تلك القوى المهيمنة على الجالية تخاف من ضياع مصالحها الانانية والفئوية. ولا تسمح لغيرها من الكوادر الاسلامية غير الفئوية او الحزبية او المناطقيه من اصلاح الاحوال.
هناك سبب مهم اخر وهو العامل السياسي الاقتصادي لفرنسا في هذا الشان. فمن المعلوم ان فرنسا بلد اوربي مهم ولا بد ان يسيطر على تمزق قادة الجالية الاسلامية على اراضيها. من الطبيعي ايضا ان يمرر السياسيين مصالحهم الذاتية لجالية ابتليت بقادة جلبوا امراض بلدانهم الاصلية من الدكتاتورية والتخلف الى فرنسا. ويرفضون تفضيل مصلحة الجالية على مصالحهم الشخصية. ان فرنسا كبلد ديمقراطي يتألف مع الظروف ويغير خياراته وفق مصالح شعبه او احزابه الحاكمة. اصبحت الجالية في ضياع فهي في واد وقيادتها في واد اخر فلما ازدادت حملات الحقد والكراهية فقد قادة الجالية توازنهم ولا يعرفون كيفية الدفاع عن الجالية. لا بد اذن من الحكومة من اتخاذ قرارات رسمية فرضت عليهم وليس لهم سبيل اخر غير القبول بها.
ان صعود اليمين المتطرف في اوربا وامريكا قبل سنوات قد غير الكثير من المعطيات في ظل تصاعد الحركات الشعبوية ابان فترة الرئيس الامريكي ترامب واليمين المعادي للاسلام. هذه المتغيرات فاقمت الصراع بين التألف الديغولي الليبرالي اليميني وبين التآلف الاشتراكي اليساري. ان ضعفها كان يصب في حساب تنظيمات اقصى اليمين. لقد مر التالفين بظروف استثنائية سمحت لحزب الرئيس الحالي امانويل ماكرون من اختراقهما واستلام السلطة. وجد الرئيس نفسه امام مرحلة جديدة ينبغي فيها تاليف الحكومة. لكن في غياب كوادر مهنية لدى حزبه اضطر الى الاعتماد على كشكول من حزاب اليمين واليسار الكلاسيكي. ثم جاء وباء كورونا الذي اسقط برنامجه الاصلاحي تماما. هذا الفراغ السياسي لفشل حكومته في حل عقبات صندوق التقاعد ومطالب ذوي السترات الصفراء والبطالة ثم جائحة كورنا جعله يبحث عن مخرج يشغل الفرنسيين فيه فلم يجد غير الخاصرة الضعيفة مسلمي فرنسا. ان السلطات تعلم بان الجالية يركبون سفينة لا قائد لها. كان هدف الرئيس استغلال حملة الكراهية ضد الاسلام لتحقيق مكاسب سياسية انتخابية يربح من خلالها كما يعتقد اصوات اليمين المتطرف.
ينبغي ان لا ننسى الظروف الاقتصادية العسيرة التي خلفتها كورونا من بطالة وغلق للكثير من القطاعات الخدمية والصناعية والزراعية. من المعلوم ان الازمات الاقتصادية في اية دولة تكون سببا للانطواء على النفس وزيادة المشاعر الشعبوية الوطنية المتطرفة. ولما كانت الجالية المسلمة هي اضعف الحلقات في المجتمع فقد حملتها السلطات اوزارا كثيرة. لقد ترك قادة مسلمي فرنسا الجالية لعبة بيد السياسيين يامرونهم كما يشائون. فمرة يقولون لهم لا تتدخلوا بالسياسة وبنفس الوقت يطلبون منهم اتخاذ موقف سياسي في امور فرنسية داخلية.
اما السبب الثالث فان مسلمي فرنسا لا ظهير لهم كغيرهم فمثلا اذا تعرض اي يهودي الى مضايقة بسيطة تتدخل اسرائيل لمساعدته. اما الدول العربية فان اغلب حكامها مسلمين بالاسم فقط. فلا تهمهم الحمية الاسلامية ولا يعيروا اي اهتمام لحديث رسول الله القائل مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. ان جل اهتمام القادة العرب منصب على ارضاء الغرب. ليس لهم اهتمام الا بمصالحهم الذاتية وخوفهم من غضب امريكا واسرائيل اكثر بكثير من خوفهم من الله. هكذا طبيعة الامور فان الذي لا يهتم ولا يعطي قيمة لشعبه المسلم الذي يحكمه لا يعطي اية اهمية لمسلمي فرنسا او امريكا او بريطانيا.
حملة الحقد والكراهية ضد الاسلام التي تشنها السلطات الحالية في فرنسا وبعض الدول الأوربية وامريكا في عهد ترامب. ما هي الا مسلسل قديم لترهيب واستئصال صوت الحق والعدالة. لقد بدأ منذ عهد رسول الله. فالحملات الصليبية واحتلال وجرائم الصهاينة في فلسطين ومذابح البوسنة والجرائم الحالية ضد مسلمي بورما والصين والهند.
الدكتور نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close