حكاية حجي وحجية ..

حكاية حجي وحجية ..

بقلم مهدي قاسم

أثناء زياراتي للعراق كان البعض ، هنا وهناك ، ودون معرفة مسبقة ، كانوا ينادوني ب” حجي” أينما حللتُ في العراق وخاصة في العاصمة بغداد ، وقد استغربتُ في البداية من هكذا مناداة ، لأنني بكل البساطة لم أذهب إلى الحج ، و بالتالي لم أكن ” حجيا ” أو حاجا . لكي أحمل هذا اللقب أو الصفة ، وكان سبب استغرابي في الحقيقة يكمن في أنه كيف يمكن لشخص لا يعرفك قط ، ليطلق عليك ألقابا أو أوصافا معينة ؟!..
ثم لاحظتُ نفس المناداة يستخدمونها في الأسواق و المحلات و في الدوائر والمؤسسات الرسمية بين الموظفين والمراجعين من قبيل:

ــ تعال حجي ..روح حجي .. نعم حجي ..لا حجي ..

و لكن بالأخص في سيارات الأجرة وكذلك في المطاعم و المقاهي ، حينما يرّجع لك السائق الباقي قائلا :

ــ الباقي حجي .. أو.. الله بخير حجي ..أو الله يخليك ماعندك خردة حجي ؟!..

وعندما تجلس في المطعم لتختار الطعام الذي تشتهيه يأتيك عامل المطعم ليسألك:

ــ ها حجي ؟.. كباب ؟ .. تكة ؟.. فاصوليا ؟ ..باميا حجي ؟ ــ بعد فترة يرجع سائلا ــ .. عوّزِة حجي ؟ ..

بطبيعة الحال عبثا كنتُ أقول لهذا و ذاك محتجا :

ــ أخي والله أني مو حجي .. وبالعربي الفصيح ليستُ حاجا ! ..

فكان بعضهم يرد بكل بساطة :

ــ أن شاء الله قريبا تصير حجي !! ..ليش هو أكو شي أجمل من لقب الحجي ؟..

فما كان مني إلا قلت لأحدهم في مناسبة وهو منحني هذا اللقب الديني ، فقلتُ له مختبرا ردة فعله :

ـــ شكرا درويش !..

فرد بعصبية وضيق ، كأنه يدافع عن نفسه إزاء تهمة ظالمة وباطلة..

ــ عفوا استاذ ترى اني مو درويش

فأجبته وأنا بالكاد أحبس ضحكتي

ــ ولا أنا حجي !..

في هذه الأثناء كان أحد الراكبين بجنبي يهز رأسه ضاحكا فلما شاركته الضحك مشجعا فروى لي قصة طريفة بالفعل ، دون أن أتأكد من نسبة مصداقيتها ، فقال بصوت خافت لكي لا يسمعه أحد غيري :

ــ ( قبل شهر صعدَّت معي إلى سيارةالتكسي إحدى النساء ، التي التقطتها من الشارع ، فقدمتُ أنا مبلغا نقديا من فئة كبيرة للسائق كأجرة النقل ، إلا أن السائق شكا متذمرا من عدم وجود فئات نقدية صغيرة عنده لكي يرّجع المبلغ المتبقي ،عازا ذلك إلى كون معظم الركاب يقدمون له مبلغا من فئات كبيرة فتنفد الفئات الصغيرة سريعا ، فتبرعت المرأة الجالسة معي قائلة عندها فئات نقدية صغيرة كثيرة فسلمتها للسائق بصمت وحماس ..

فصاح السائق بصوته الجهوري والحاد معبرا عن شكره لها وهو يقول :

ــ شكرا حجية !..

وما كان منا إلا أن نظرنا إلى بعضنا بعضا هي و أنا ، و استغرقنا في ضحك مكبوت )..

وبعدما أنهى قصته ، تحدثنا عن مفردات المخاطبة الرسمية بين الغرباء ، و ذلك ما قبل سقوط النظام السابق ، من قبيل السيد فلان أو الأستاذ فلان ، وأن صفة أو لقب ” الحجي ” ما كانت لتُطلق إلا على مَن ذهب للحج فعلا و أصبح ” حجيا ” أو حاجا حقا ..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close