كتاب “بين الحقد والكراهية” الحلقة الثالثة

يتابع “صوت العراق” نشر كتاب “بين الحقد والكراهية” لمؤلفه علي مصطفى طالب الذي يتناول قصة اغتصاب فتاة عراقية فيلية خلال حملات تهجير الكرد الفيليين الى ايران. كما يتضمن الكتاب حكايا اخرى جانبية تتناول هي الاخرى ملف الحب والكراهية والعلاقة بينهما. اليكم فيما يلي الحلقة الثالثة من هذا الكتاب:

بقلم: علي مصطفى طالب

صديقي حميد

بعد تلك المكالمات الهاتفية التي تعرفت منها على تفاصيل محنة هذه الأم الشابة، لعلها كل التفاصيل او بعضها، وسمعت ما كانت تكرره “انها تكره ابنتها”، تذكرت مجددا ذلك الجار والصديق وزميل الدراسة الذي قال لي، يوما ما، انه يكره تلك الطفلة الصغيرة. بالمناسبة ان اسمه هو حميد ويقيم حاليا في استكهولم بعد ان هرب من العراق هو واهله خشية من قيام السلطات آنذاك بتسفير اهله وباحتجازه هو لانه كان في سن الشباب. اذ ان تلك السلطات كانت تقوم بتهجير العراقيين المسنين والنساء والاطفال ليكونوا عالة على الطرف الآخر، اما من هم في سن الشباب فانهم يبقون رهن الاحتجاز لاستخدامهم كدروع بشرية في الحرب التي كانت دائرة بين العراق وايران او لاكتساح تلك الاراضي بين البلدين التي يُعتقد انها كانت مزروعة بالالغام. كما ان تلك السلطات كانت تخشى ان تقوم ايران بتجنيد هؤلاء الشباب ضمن جيشها او ضمن تشكيلات شيعية معارضة او كردية كانت تتخذ من ايران قاعدة لها في شن الهجمات.

نعم ان صديقي (حميد) ذاك موجود في المدينة التي اقيم فيها الآن واعمل انا. فلماذا لا اتوجه اليه واستفسر منه عن تفاصيل تلك التهجيرات والتسفيرات لعله يعرف شيئا عن مصير اهل هذه الفتاة او عنها بالتحديد.

انا ملزم ان اقول ان صديقي حميد اخبرني بعد سنوات وقد التقيته في بلاد الغربة بعد ان تعرضنا هو وانا ومئات الآلاف غيرنا الى التهجير والهجرة والاغتراب الاضطراري :”انه نادم على تلك المشاعر الكئيبة تجاه تلك الفتاة”.

وعندما تعرفت على زوجته .. كانت المفآجئة.. قال لي صديقي :”هذه هي زوجتي.. انها من عكد(محلة) الاكراد.. فهل عرفت من هي؟ كان وجهها ليس بغريب علي: انها أمرأة جميلة . فكرت وتأملت مليا دون ان اتوصل الى معرفة صاحبة هذا الوجه الوسيم. لكنني كنت على يقين انه سبق لي وان التقيتها ربما عندما كانت صغيرة. ولما عجزت عن الوصول الى اية نتيجة سارع صديق الطفولة الى نجدتي قائلا:”هل تتذكر تلك العبارة التي قلتها لك قبل سنوات عديدة: “انا اكره هذه الطفلة الواقفة امام باب دارها وتبتسم لي”..؟. صديقي قال لي ذلك بعد ان جرني

الى شرفة المنزل بحجة تدخين سيجارة، هذه الالتفاتة جعلتني ادرك ان زوجته ليست على اطلاع على عبارته “البريئة” وثقيلة الوطأة تلك. فسألته :

– هل تقصد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تقيم بجوار بيتكم في محلتنا ببغداد؟..

– نعم..

– عجيب أمر هذه الدنيا، انها لاتعرف مشاعرك القديمة تلك.. لذا فانها وافقت على الاقتران بك!

– “نعم انها لاتعرف ذلك.. في الواقع انها كانت ومازالت تكن لي مشاعر الحب فبالرغم من صغر سنها آنذاك: كانت في الخامسة من العمر اما نحن واقصد هنا انت وانا فقد كنا في الخامسة عشرة.. وانت الوحيد الذي تعرف هذه التفاصيل وسمعت عبارتي الشهيرة تلك “انا اكره هذه الفتاة”.

– ولكن قل لي كيف تم ذلك ؟

– بعد ان غادرت العراق انت.. وفي ظل تلك الهجمة الوحشية ضدنا نحن الكورد الفيليين تعرض كثير من اهلنا الى موجة من الاعتقالات والتهجير من قبل السلطة التي كانت تحكم البلاد. حينذاك قررت عائلتي الاستعانة باحد المهربين للتوجه الى ايران سرا.. فانت تعرف ان السلطات في بغداد كانت تهجر العجزة والمسنين اما الشباب مثلنا فكانوا يظلون رهن الاعتقال لتحويلنا الى كاسحات الغام بشرية خلال الحرب التي كانت تدور رحاها آنذاك بين العراق وايران اذ كانت السلطات العسكرية في العراق تزج بشبابنا في أتون تلك الحرب. وتشير بعض الارقام الى غياب نحو عشرين الف شاب من الكرد الفيليين بعد ان تم انتزاعهم من بيوتهم ومن احضان اهاليهم ليكونوا في مقدمة اولئك الجنود الذين ارسلهم النظام لغزو اراض ايرانية.

– هذا الشئ معروف لدينا ولكن قل كيف تزوجت من فتاة كنت تكرهها؟

نطقت بهذه العبارة الاخيرة بصوت خافت تجنبا لسماعها من قبل زوجته.

– بعد ان نجحنا في عبور منطقة الحدود العراقية- الايرانية وقمنا بتسليم انفسنا الى اول مخفر للشرطة الايرانية الذي كان في الواقع اشبه بثكنة عسكرية منه الى مخفر للشرطة نظرا للعمليات العسكرية التي كانت تدور رحاها بين العراق وايران. ومن هناك تم نقلنا الى مخيم للاجئين والمهجرين، كان مكتظا، هناك التقيت عددا من الفارين وكذلك المهجرين من معارفنا ومن بينهم عائلة زوجتي، زوجتي التي تحولت الى أمراة بعد ان كنت اعرفها طفلة ويبدو ان مشاعر الحب اشتعلت في قلبي بعدذلك اللقاء.

لست متأكدا من صحة العبارة الاخيرة اذ ان زوجته كانت تكن الأعجاب ولربما عاطفة الحب لصديقي هذا منذ ان كانت طفلة صغيرة لايتجاوز عمرها الخمس سنوات بعكس ما كان ينتابه

هو من مشاعر. وهنا تأكدت من ان شعرة واحدة تفصل بين الحب والكراهية .. في الواقع ان ذلك ينطبق على تحول الحب الى كراهية وليس العكس لكن يبدو ان العكس صحيح ايضا.

بين الحب والكراهية

لااعرف كيف توصل القائل الى استنتاجه “ثمة شعرة واحدة او خيط واحد يفصل بين الحب والكراهية” أيعود ذلك الى ما ورد في اسطورة أفروديت وكانت تُعد آلهة للجمال والحب والتي اشتعل قلبها بالحقد والحسد وحلت الكراهية محل الحب لديها بعد ظهور فتاة (سايكي) اجمل منها التي صارت تسلب قلوب الآخرين. الاسطورة تضيف ان افروديت قامت بملء قلب ابنها (كيوبيد) بالكراهية تجاه سايكي وطلبت منه ان يرمي بسهم الحب على سايكي قبيل رؤيتها لاقبح رجل في العالم الا ان كيوبيد وبدلا من توجيه السهم الى الرجل المعني فانه اصاب نفسه فوقع في حب الفتاة سايكي ومنذ ذلك الحين والاسطورة تقول ان الطفل الجميل كيوبيد يطلق سهام الحب الذهبية باتجاه هذا وهذه ليجمع بين قلبيهما. الا ان للاسطورة تفسيرا آخرالا وهو ان كيوبيد كان يحمل ايضا سهاما مصنوعة من الرصاص تنقل مشاعر الكراهية لمن يُصاب بها.

ان مشاعر الكراهية قد تكون عميقة الجذور او انها عبارة عن ثورة مؤقتة او دائمة للتعبير عن سخط دائم متأصل اومؤقت قد يكون نابعا من تجارب الطفولة. ولعل هذه الأمراة او الفتاة، التي اتصلت بي لتقول انها تكره ابنتها، نشأت داخل بيئة تفتقر الى مشاعر الحب وليست غزيرة العواطف بل لربما تفتقر الى سلوك انساني وكان يسودها سلوك عدواني مما يؤدي او ادى الى تنامي مشاعر الكراهية.

ترى هل ان الحب هو ايضا نوعان: عميق الجذور ودائم او ظاهرة مؤقتة؟ وهل ان صديقي حميد كان مخطئا في تقييمه لما كان يبدر من تلك الطفلة، التي اصبحت زوجته فيما بعد، لكنه وبعد ان سنحت له الفرصة للتعرف عن كثب عليها فانه احبها ونبذ فكرته الاولى عنها.. من يدري ربما كان هذا هو السبب.

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close