كتاب “بين الحقد والكراهية” الحلقة الرابعة .

ينقل “صوت العراق” القراء الى ضواحي العاصمة السويدية استكهولم حيث تقيم كثافة من المهاجرين القادمين من الشرق الاوسط وغيرها من مواطن المهاجرين ومن بينهم فيليون. وفي هذه الحلقة من حلقات كتاب” بين الحب والمراهية”وبعد مقدمة قصيرة يزور مؤلف الكتاب علي مصطفى طالب عددا من الكرد الفيليين لاستبيان آرائهم بشأن ظروف وكيفية تهجيرهم من العراق:

الحلقة الرابعة

بقلم: علي مصطفى طالب

لااعرف كيف توصل القائل الى استنتاجه “ثمة شعرة واحدة او خيط واحد يفصل بين الحب والكراهية” أيعود ذلك الى ما ورد في اسطورة أفروديت وكانت تُعد آلهة للجمال والحب والتي اشتعل قلبها بالحقد والحسد وحلت الكراهية محل الحب لديها بعد ظهور فتاة (سايكي) اجمل منها التي صارت تسلب قلوب الآخرين. الاسطورة تضيف ان افروديت قامت بملء قلب ابنها (كيوبيد) بالكراهية تجاه سايكي وطلبت منه ان يرمي بسهم الحب على سايكي قبيل رؤيتها لاقبح رجل في العالم الا ان كيوبيد وبدلا من توجيه السهم الى الرجل المعني فانه اصاب نفسه فوقع في حب الفتاة سايكي ومنذ ذلك الحين والاسطورة تقول ان الطفل الجميل كيوبيد يطلق سهام الحب الذهبية باتجاه هذا وهذه ليجمع بين قلبيهما. الا ان للاسطورة تفسيراآخرالا وهو ان كيوبيد كان يحمل ايضا سهاما مصنوعة من الرصاص تنقل مشاعر الكراهية لمن يُصاب بها.

ان مشاعر الكراهية قد تكون عميقة الجذور او انها عبارة عن ثورة مؤقتة او دائمة للتعبير عن سخط دائم متأصل اومؤقت قد يكون نابعا من تجارب الطفولة. ولعل هذه الأمراة او الفتاة، التي اتصلت بي لتقول انها تكره ابنتها، نشأت داخل بيئة تفتقر الى مشاعر الحب وليست غزيرة العواطف بل لربما تفتقر الى سلوك انساني وكان يسودها سلوك عدواني مما يؤدي او ادى الى تنامي مشاعر الكراهية.

ترى هل ان الحب هو ايضا نوعان: عميق الجذور ودائم او ظاهرة مؤقتة؟ وهل ان صديقي حميد كان مخطئا في تقييمه لما كان يبدر من تلك الطفلة، التي اصبحت زوجته فيما بعد، لكنه وبعد ان سنحت له الفرصة للتعرف عن كثب عليها فانه احبها ونبذ فكرته الاولى عنها.. من يدري ربما كان هذا هو السبب.

في رنكبي، تنستا، شيستا وغيرها..

هذه هي أسماءاحياء سكنية في ضواحي العاصمة السويدية يقطنها بكثافة مواطنون من ذوي اصول غير سويدية بمن فيهم اكراد وبالاخص الفيليون منهم. توجهت الى هذه الاحياء في زيارة

لبعض معارفي ممن هم على المام اكثر مني بحملات التهجير التي تعرض لها اهاليهم خلال سبعينات وثمانينات القرن العشرين ولعلهم كانوا انفسهم من بين اولئك المهجرين.وبينما كنت بانتظار احد المعارف، الذي وعدني بالحضور واصطحابي لمقابلة عدد من المهجرين الفيليين، لاحظت وجود اشخاص، ذوي وجوه وملامح شرقية ربما كانوا من الاكراد، جالسين على مصاطب مدورة تنتصف الفسحة الارضية للمول التجاري. كانوا يمسكون بايديهم كراريس واعلانات من احزاب سياسية تحث المواطنين السويديين للتصويت لصالح هذا المرشح او ذاك. قفز الى ذهني فجأة شريط من الذكريات: حينما كنت يافعا رأيت في حينا السكني ببغداد رجلا، عُرف عنه المزاح وروح النكتة، يدعى (سالم) وكان يحمل بعض الاوراق. رمى سالم بتلك الاوراق التي كان يحملها الى حضن صاحب دكان يدعى (محسن) قائلا:”ان الشرطة تطاردني وهذه الاوراق ما هي الا منشورات حزبية ارجوك احتفظ بها لحين خروج رجال الشرطة من الحي”. فما كان من (محسن) الا ان يخرج ويبتعد عن دكانه بعد ان اغلقها بحركة بهلوانية سريعة قائلا:” لااريد مشاكل مع رجال الشرطة، ابتعد عني وخذ هذه المنشورات الحزبية.. لااريد المشاكل مع الشرطة” ثم هرب (محسن) متوجها الى داره محتميا بها. وفي رواية اخرى ربما تشير الى نفس الحادث ولكن بنبرة اخرى جاء: ان (سالم) كان معتادا على الجلوس على اريكة في احد مقاهي الحي. وذات مرة وجد (سالم) شخصا غريبا اخذ مكانه على تلك الاريكة، فقفزت الى ذهنه فكرة تساعده في التخلص من هذا الضيف الثقيل واستعادة مكانه على تلك الاريكة فوقف على مسافة قصيرة من الرجل الغريب قائلا لأحد اصدقائه:

” قبل قليل رأيت رجال الامن وهم يفتشون الجالسين في المقهى القريبة هناك بحثا عن ادبيات حزبية”. وهنا رد عليه ذلك الصديق، الذي يبدو انه ادرك ما يقصده (سالم):”وماذا عن المنشورات الحزبية التي كانت بحوزتك؟” فاجاب (سالم) :”ما عليك انها في مكان آمن، لقد اخفيتها تحت المخدة التي يجلس عليها هذا الرجل الغريب”. وما ان سمع الرجل الغريب ذلك حتى قفز وهرب من المكان تاركا الاريكة فارغة ليجلس عليها (سالم).

هذا ما تذكرته وانا ارى كيف ان هؤلاء الرجال، في المول التجاري باستكهولم، وكانوا مسنين يطالعون المنشورات والاعلانات الحزبية وكأنها امور طبيعية عادية اعتادوا عليها: حقا ان البيئة تغير من طباع الانسان وسلوكه. فهؤلاء نسوا او تناسوا ان مجرد امتلاك اوراق تصدر عن احزاب معارضة في بلادهم كان كفيلا بزجهم الى غياهب السجون.

عودة الى المول او المركز التجاري في رنكبي والى احياء عديدة تقيم فيها غالبية من الاجانب وجلهم من ابناء الشرق الاوسط. فبسبب المكالمات الهاتفية من ذلك الصوت الغريب اصبحت زياراتي لتلك الاحياء متكررة اذ ان زيارة واحدة لم تكن كافية للاستماع الى هذا الكم من الروايات المختلفة وعلى ألسن اناس من شتى الاعمار.انها روايات ترسم وتحكي مآسي المهجرين قسرا من العراق. ان ما سمعته من هؤلاء بخصوص تلك التسفيرات والتهجيرات كانت متشابهة الى

حد كبير بالرغم من ان ضحاياها كانوا ضمن مجموعات وفترات واوقات مختلفة من حملات التهجير والتسفير. ويمكن ان ألخص ما قيل لي بما يلي:

يطرق رجال الأمن ابواب تلك العوائل المشمولة بالتهجير ويُطلب من افرادها الذهاب الى مراكز الشرطة حيث يأمرهم مسؤول او رئيس المركز او المخفر ابراز هوياتهم وجنسياتهم وشهادات الجنسية بل وكل ما يمتلكون من وثائق ومستمسكات تثبت عراقيتهم.

يقوم مأمور المركز او مخفر الشرطة بعد ذلك بارسال هؤلاء الى دائرة الامن العام سواء في بغداد او في مدن اخرى،تعرض بعض اهليها الى التهجير والتسفير.ثم يتم جمع هؤلاء المشمولين بالابعاد عن العراق في ساحات او مستودعات او معتقلات قبل نقلهم على متن شاحنات الى خط الحدود بين العراق وايران. وقد تستغرق فترة بقاء هؤلاء في تلك المعتقلات بضعة اسابيع او لربما بضعة اشهر. ويجمع كل هؤلاء بان تلك المعتقلات كانت عبارة عن مستودعات او مآرب وكراجات لحافلات الباص تفتقر الى ابسط الظروف للاقامة والسكن وحتى ليوم واحد ناهيك عن اسابيع او اشهر. واكد الجميع ان عددا من الاطفال فارقوا الحياة وهم رهن الاعتقال اما من شدة الحر او من جراء البرد او بسبب الافتقار الى الادوية والغذاء ولاسيما الحليب. وبعد مرور تلك الفترة من اسابيع وحتى اشهر وبعد ان يتم تجريدهم من اموالهم وممتلكاتهم والاوراق الرسمية التي تثبت عراقيتهم فان شاحنات تأتي لنقلهم الى خط الحدود مع ايران الممتد من الكوت جنوبا وحتى المناطق الحدودية القريبة من كردستان شمالا. وبعد ان يتم رميهم عند خط الحدود تبدأ المرحلة الرهيبة الثانية من رحلة العذاب تلك:

اذ ان عليهم المشي لمدة ايام على ارض وعرة وفي جو بارد ليلا ومشمس ساخن نهارا وعبور صخور وممرات بين التلال والجبال فيها وحوش برية او حيايا الى جانب وحوش من بني البشر بالاضافة الى الالغام. واذا كانوا من المحظوظين فان دوريات تابعة للجيش الايراني قد تعثر عليهم وتقوم بنقلهم الى اقرب بلدة او قرية ايرانية من حيث يتم بالتالي نقلهم الى مخيمات للاجئين والمهجرين.

هذه باختصار بعض عذابات هؤلاء المهجرين. الا اني بدوري كنت احاول جر الحديث الى عملية اغتصاب الفتيات خلال رحلات العذاب تلك. لقد اكد الكثير من الذين تحدثت اليهم على وجود مثل هذه الحالات. لكن ما هو مصير تلك الفتيات؟ ان معظمهن اختفين عن الوجود في حين تم العثور على جثث بعضهن بالقرب من مناطق تواجد هؤلاء المهجرين وتعرضهم لهجوم اولئك الوحوش البشرية واغتصاب تلك الفتيات.

ذات مرة وعندما كنت في بيت احد المضيفين للاستماع الى قصته وتفاصيل تسفيره من العراق، بلغ سمعنا صوت صندوق البريد (وهو صندوق داخلي على الشطر الداخلي لباب الشقة او البيت). قال مضيفي: يبدو ان ساعي البريد قد زج في الصندوق ما في جعبته لنا من رسائل او اعلانات. عاد الرجل ومعه حصيلة اليوم من الرسائل والاعلانات قائلا:

“انظر انها اعلانات ودعايات لاحزاب سياسية معارضة وحاكمة، لو كنا في العراق لكانوا قد زجوا بنا الى السجون بسبب تصفحنا لمثل هذه الدعايات” واستطرد ” ماذا اقول؟ انني اتذكر ان باب منزلنا في بغداد في سنة 1963 كان قد طُلي بدهان اسود بحرف لم استطع حل لغزه وانا صغير آنذاك: اذ قرأت على الباب حرف “شين”. وعندما سألت والدي عن معنى هذا الحرف. اجاب وهو متأكد من قوله: يبدو ان الذين كتبوا هذا الحرف على الباب يريدون الاشارة الى اصلنا وفصلنا : نحن شيعة. ويتوجب علينا انتظار اوقات اكثر صعوبة .. وهنا تدخلت والدتي لتقول: لعلهم يريدون القول اننا شيوعيين؟ فهنا تكون الطامة اكبر. اما اخي الصغير فانه اضاف ضاحكا” لعلهم يشيرون الينا باننا “شركاويين”(من شرقاوي) وكانت هذه التسمية تُطلق على عشائر تقيم في جنوب العراق وبالتحديد في مدينة العمارة. وبالفعل عندما سمعت المداولات بين وجهاء الحي وجدت ان بيتا او اكثر كتبت على بابه ثلاثة حروف كلها “شين”.

وبعد فترة غير قليلة جاء شباب مسلحون ربما لم تكن اعمارهم قد تجاوزت العشرين عُرفوا فيما بعد باسم “الحرس القومي” يطرقون ابواب هذه البيوت ويجمعون شبابها ويزجون بهم الى معسكر “خلف السدة” في ضواحي بغداد حينذاك.هذا ما قاله مضيفي. في الحقيقة كنت قد سمعت هذه الرواية من مصادر اخرى. ففي ذلك العام واقصد 1963 تولى السلطة في بغداد فريق من الحكام، جلهم من العساكر، مارسوا اساليب في غاية الوحشية بحق شرائح واسعة من المواطنين العراقيين ولاسيما اهالي منطقة “عكد الاكراد” الشعبية بوسط العاصمة بغداد. وقيل آنذاك ان ذلك كان انتقاما من هؤلاء الاهالي بسبب موقفهم ومقاومتهم لانقلاب 8 شباط 1963 اولعل ذلك بسبب موقف هؤلاء العراقيين من حكومة عبد الكريم قاسم.

ربما يكون هذا صحيحا ولكن تلك الممارسات طالت اهالي احياء ومناطق اخرى ايضا في طول البلاد وعرضها.

وفي زيارة اخرى قال لي احد الاشخاص وهو يتذكر تلك الاحداث: (هل تعلم يا صديقي ان امي عندما كانت ترسلني لشراء الخبز في صبيحات تلك الايام، غالبا ما كنت ارى جثث رجال قتلى. ومنذ ذلك الوقت اقسمت على مغادرة وطني العراق، عندما اكبر، لانني لااطيق مشاهد العنف والقتل هذه. وبالفعل غادرت العراق في اول فرصة سُنحت لي).

وعندما سألت هذا الشخص عن حالات الاغتصاب، وهو موضوع كان يهمني بدرجة خاصة ومن اجله قمت بتلك الزيارات، قال هذا الشخص ان حالات من الاغتصاب وقعت في مقار احزاب في معظم انحاء العراق وفي مقار اجهزة الامن وان اهالي تلك الفتيات كانوا لايعرفون كيف التصرف في تلك الحالات اذ ان تلك الفتيات لايتحملن مسؤولية الاغتصاب وانهن ضحايا هذه الممارسات لكن بالرغم من ذلك فاننا سمعنا بقيام احد الآباء بقتل ابنته “غسلا للعار” .. الا ان احد الآباء الآخرين هجر هو وابنته المنكوبة بل وجميع افراد عائلته هذه المحلة والعاصمة كلها الى جهة مجهولة، لعدم تمكنه من تنفيذ “حكم الاعدام على ابنته غسلا للعار”. كما ان هناك

حالات من انتحار عدد من تلك الفتيات المنكوبات تجنبا لتوريط اهاليهن في عار ليس لهم (ولها) فيه ذنب او مسؤولية.

وعندما سألت هذا الشخص عن حالات الاغتصاب في صفوف المهجرات والمسفرات فانه قال ان ما حدث من حالات كهذه ونتائجها التي قمنا بذكرها ينطبق على حالات الاغتصاب في صفوف المهجرات.

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close