متى يتخلص العراق من الهيمنة الإيرانية؟

د.عبدالخالق حسين

غني عن القول أن الشعب العراقي هو ليس الشعب الوحيد الذي يتكون من تعددية الأثنيات، والأديان، والمذاهب واللغات، فمعظم شعوب العالم هكذا، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الشعب الهندي يتكون من أكثر من 2000 أثنية ودينية ولغوية (حسب غوغل)، ولكن مع ذلك فالهند تُعد أكبر دولة ديمقراطية متماسكة بوحدتها الوطنية. ونفس الكلام ينطبق على روسيا الاتحادية وغيرها. ولكن الفرق بيننا وبينهم، أن أغلب هذه الشعوب تعيش في وحدة وطنية متآخية بين مكوناتها، وفق مبدأ (الوحدة في التعددية=Unity in the diversity)، بينما العراق الذي هو مهد الحضارة، ومخترع الكتابة والعجلة، وأول مدونة قانونية (شريعة حمورابي…الخ)، صارت التعددية فيه وسيلة لتفتيت الشعب، وإثارة النعرات والصراعات الدموية، فبدلاً من الولاء الوطني للعراق، راح السياسيون يمنحون ولاءهم لدول الجوار، وكل فئة سياسية تحاول الإستقواء بدولة مجاورة لإلحاق أشد الأضرار بالوحدة الوطنية العراقية.

فالعراق ما أن يتخلص، أو يكاد أن يتخلص من خطر داهم حتى ويظهر له خطر آخر. فبعد دحر عصابات (داعش) ظهرت له مخاطر المليشيات الولائية الموالية لإيران، والتي هي لا تقل خطورة من داعش. وهذه المليشيات وقواها السياسية والإعلامية راحت تستخدم المشاعر الدينية والمذهبية، والمصطلحات السياسية ذات النكهة الرومانسية الثورية والجاذبية لدى أغلب العراقيين البسطاء، مثل (المقاومة الوطنية)، و(خط المقاومة) ويقصدون بها مقاومة “الاحتلال الأمريكي”، وكأن العراق فعلاً محتل من قبل أمريكا. بينما الكل يعرف أن وجود عدد قليل من العسكريين الدوليين من بينهم أمريكان، جاؤوا بناءً على دعوة من الحكومة العراقية لمساعدة العراق في حربه على داعش، وليسوا قوات احتلال إطلاقاً.

فقد كتب في هذا الخصوص الباحث الأكاديمي العراقي الدكتور عقيل عباس، مقالاً قيماً بحلقات بعنوان: (“المقاومة” من خطاب التحرير إلى اضعاف الدولة)، شرح فيه بمنتهى الموضوعية، والوضوح مخاطر التلاعب بالألفاظ لإظهار الحق بالباطل والباطل بالحق، لدغدغة مشاعر المواطنين الدينية والوطنية وتوجيهها لتدمير الوطن وإضعافه بدلاً من تقويته وإعماره. (1، 2).

فمن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي، يقرأ العجب من تعليقات ومجادلات، وبمختلف الدرجات من السخف والتفاهة والهراء، و الحدة، والعنف اللفظي في التخوين والتكفير ضد كل من يختلف معهم، وتعليق كل مساوئنا على نظرية المؤامرة وشماعة الآخرين.

فعلى سبيل المثال، نقرأ هذه الأيام عن زيارة قداسة البابا فرانسيس للعراق، التي في رأي كل ذي عقل سليم ومخلص للعراق، أن هذه الزيارة لها فوائد كبيرة وكثيرة للشعب العراقي الجريح المحروم من الأمن والاستقرار. فهذه الزيارة مناسبة للتقارب بين الأديان، والتآخي بين مكونات الشعب العراقي، و الفات نظر العالم إلى ما يتمتع به العراق من مواقع أثرية وتاريخية ودينية، حيث وُلد فيه أبو الأنبياء النبي إبراهيم، ومنه ظهرت الأديان السماوية (الإبراهيمية) الثلاثة الكبرى: اليهودية والمسيحية والإسلام، وسيستفيد منها العراق اقتصادياً، وإعلامياً، ومعنوياً في تشجيع السياحة الدينية من أتباع مختلف الديانات في العالم… إلى آخره، فيما لو تم التعامل مع هذه المناسبة المهمة بطريقة حضارية راقية تتناسب ومكانة العراق التاريخية.

ولكن بدلاً من ذلك نرى البعض الآخر وخاصة من أنصار إيران، يحاولون تسميم عقول العراقيين، و الرأي العام العالمي، فيتمادون في تضليل الجهلة، فيقولون أن الغرض الوحيد من زيارة البابا للعراق هو لخدمة الصهيونية بالترويج لسياسة التطبيع مع إسرائيل!!

والأسوأ من ذلك طلع علينا جهبذ آخر يقول: أن ((زيارة البابا الى العراق في هذا الوقت بالذات لها علاقة بالتنبؤات التوراتية والانجيلية.. انهم يحاولون تأخير ظهور الامام المهدي القائم صاحب العصر والزمان ارواحنا لتراب مقدمه الفداء .. وتأخير عودة السيد المسيح على الحبيب المصطفى نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام .. وذلك ليحافظوا على مكاسبهم الدنيوية الفانية… ولكن هيهات فإنهم لن يستطيعوا( وان اجتمعوا ) تحدي مشيئة الخالق وإيقاف عجلة التاريخ…)) أنتهى الاقتباس، وأترك الحكم لنباهة القارئ الكريم على هذا التخريف.

وإذا ما ذكرت لهم خلاف ذلك فسرعان ما يتهمونك بأبشع التهم، وينعتونك بأسوأ النعوت من بينها أنك جاهل، وجوكر أمريكي، وعميل صهيوني، …الخ. وهذا بالطبع نوع من الإبتزاز، ولإسكات كل من يتجرأ ليفهمهم الحقيقة.

فمنذ سقوط النظام البعثي الفاشي في العراق استغلت إيران الوضع الجديد الهش في العراق، وعملت على إضعافه وحرمانه من أي استقرار، وذلك عن طريق تشكيل عشرات المليشيات المسلحة الموالية لها والممولة من قبلها. والسؤال المهم هو لماذا تصر الحكومة الإيرانية الإسلامية على إضعاف العراق وإبقاء شعبه مفتتاً، وفي صراعات دائمة بين مكوناته وقواه السياسية، وتريد مواجهة أمريكا في العراق؟

في الحقيقة إن إيران ليست وحدها التي لا تريد نجاح الديمقراطية في العراق ولا استقراره، بل جميع دول الجوار تسعى لهذا الغرض الدنيء ، وذلك بسبب خوفها من نجاح الديمقراطية التي يسمونها بـ”الديمقراطية الأمريكية” لتقبيح صورتها، وذلك خوفاً من وصول عدواها إلى شعوبهم، وخاصة إيران لأن ظروفها تشبه ظروف العراق.

فإيران تعاونت مع الامريكان في أول الأمر لتغيير نظام صدام في العراق، ونظام طلبان في أفغانستان، ليصبح العراق تحت سيطرتهم، والتخلص من طلبان عدوتهم. ولكن الايرانيين لن يسمحوا للعراق ان يستقر سياسياً، ويزدهر إقتصادياً في الصناعة والزراعة والخدمات وغيرها، لأنهم يريدون العراق أن يبقى متخلفاً وضعيفاً وساحة لتصفية حساباتهم، وسوقًا لبضائعهم، وامتدادا الى حدودهم …. وقد أخبرني صديق مطلع على السياسة الإيرانية نقلاً عن مسؤول ايراني كبير، قائلاً: “لن نسمح للعراق ان يستقر لأن استقرار العراق يفتح علينا ابواب جهنم. لأن الشعب الإيراني مثل الشعب العراقي مكون من قوميات وأديان وطوائف متعددة، ونجاح التجربة الديمقراطية العراقية سوف يشجع هؤلاء للمطالبة بنفس الاشياء، وتكون لهم نفس الاهداف.” لذلك لن يسمحوا للعراقيين ان يستمتعوا بالديمقراطية.

والجدير بالذكر أن إيران تاريخيا سبب عدم استقرار العراق منذ الدولة الساسانية وإلى اليوم. والحكام الملالي رغم أنهم يدَّعون التشيع إلى الإمام علي وأهل البيت، إلا إنهم عملياً يتبعون سياسة معاوية وعمر ابن العاص في الخبث والدهاء. فإيران لم تبعث جيشاً لتحتل العراق، بل شكلت عشرات المليشيات الولائية من العراقيين، والتي تأتمر بأوامر الولي الفقيه الإيراني، وتعمل على إضعاف الحكومة العراقية، وبعد أن أضفت القداسة الدينية على هذه المليشيات واعتبرتها ضمن الحشد الشعبي. وهذا ما يسميه المفكر الإيراني الراحل علي شريعتي بـ(الإستحمار)، أي أن الدولة الأجنبية تستحمر أبناء البلد، ويسيطرون عليه عن طريقهم. وهذا ما اتبعته إيران في لبنان، وسوريا، واليمن بالإضافة إلى العراق طبعاً. وقد وضحنا ذلك وأكدنا عليه في مقال لنا بعنوان (المليشيات (الولائية) ليست من الحشد الشعبي)، أن هذه المليشيات هي ضد استقرار العراق وتحقيق الأجندة الإيرانية.(3)

لقد ذكرنا مراراً ونعيد عسى أن تنفع الذكرى، أن إيران تستغل شيعة البلدان العربية، والقضية الفلسطينية لأغراضها السياسية التوسعية، وبذلك فهي أضرت بمصلحة الشيعة العرب حيث جعلتهم في موضع الشبهة في ولائهم لأوطانهم العربية، كما ألحقت أشد الأضرار بالقضية الفلسطينية.

[email protected]

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close