ثلاثون عام مضت .. لانتفاضة شعب

محمد علي مزهر شعبان

الحياة الكريمة لابد أن تفتح أبوابها لأولئك اللذين صبروا وصابروا وهم لم يملكوا من حطام الدنيا المملوكة للطغاة، غير الموت في ميادينه المتعددة، وعلى رمضاء ساحاته، ومن تعداه الموت تابعته صحبة الاعتقال والأتهام، ورغم القسط الكبير من عذابات الناس وأستلابها فأنهم، لم ينالوا إلا اليسير من الحركة في أن يدبوا كبهائم سائرة مأمورة تحمل أزمة نفسها وغضب القرون السالفات، وألمها وتعسفها من تسلط ما بدأه أمراء المؤمنين وتبعهم السلاطين والمندوبين السماويين . مجمل ما حملته القرون من تهميش وتعذيب واستلاب، ولو قدر أن توزن هذه العذابات كلها في كفة، فأنها لا تزحزح كفة الأحد عشرة للأعوام الماضية من حكم الطاغية.

ان الغاية في الخلاص شيء مريع من القدرة في الوصول إليه سواء بالإمكانات البسيطة الجرداء أو المعقدة النافذة، ومهما أختلفت الوسائل سواء على الطريقة السوية في التفكير أو الطريقة الميكيافيلية، الشريفة منها والدنيئة.

غاية التخلص من الطاغية والتحلق بأجواء جديدة ربما تزيل هذا الثقل الهائل، وتكتسح هذا المارد حتى لو بأيدي عارية . هذه غاية حاولت رغم عريها وسهولة كشفها وبساطة وسيلتها، قابلتها غاية من يريد البقاء مدنا معصوفة بالحزن واليباب. يقبض زمامها إلة السطوة والجبروت بتينيك اليدين الملطختين بالدماء دوماً والنفس المسكونة بالهوس والمجبولة بداء العظمة .

إرادتان متنافرتان, أولهما تنشد الحياة الكريمة لتطل على المستقبل الحر وتكافح من أجل الخلاص، وإرادة تقابلها وترتكز على مبدأ متهور ونظرة فردية مستبدة، تصطدم حدٌ النقطة مع الإرادة الأخرى . إرادتان مختلف توازنهما، بين شعب برمته وفرد وأسرته وجوقته تتنازعان من أجل غاية .   كلتاهما تنشد البقاء ونتيجة الصراع معروفة المفاد ومحسومة الرجحان …. شعب أنبثق الماضي والحاضر أمامه بسجله الدموي، إلتقى الأمس القريب بالبعيد، صفحة تاريخ قاني . لقد ذابت الحدود والتواريخ والأسماء في مجرى الدم والمحرقة التي تلفع بها الملايين. في هذا الجو المريع ولدت اللحظة التي أسست توقف مجرى زمن الإذلال . زمن إزدحمت فيه صور المأساة, ولو تركنا تاريخ الاغتصاب المتعمد ومصادرة الحريات منذ العام(1921) لمجيء البعثيين في(1968) بأستثناء بعض من سنوات قاسم . لو ترك الناس ورائهم نهر الدماء في معركة إيران، والتي لم تزل بصماتها الحمراء بين جثث طٌحنت، فذرتها الرياح وجيفاً أزهقت الضواري والأسماك شبعاً، لم تزل بصماتها السوداء بيارغ وأعلام ولافتات تسجل تاريخ الموت والموقعة . إنها النهاية المأساوية لمن رحلوا فلم يأتوا أبداً، ومن رحلوا ولكن أين همَ لا أحد يعلم ؟  لازالت اللافتات تسجل نكبة شعب لحد هذه اللحظة الراهنة في إنتظار، وانتظار ولدً السام واليأس . كل عائلة تعلقت أذهانها بالأحلام، والحلم غذاء شهي لبعض الناس التي استكانت للصبر ولهم في الصبر ذخيرة لا تنفذ . أمل عند البعض حين يفتر فاه عن أبتسامة مشوبة بالقلق لسماع خبراً، ولو من صنع الأحلام، إذ لا حول ولا قدرة في أستلام الخبر الأكيد، لمن يأتي بخبر الأحبة اللذين رحلوا ولم يأتوا البتة .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close