في الوطن والوطنية

في الوطن والوطنية

الوطن حيز جغرافي وطبيعة محايدة قد تستوطنه شعوب مختلفة في حقب مختلفة، وتهاجر منه شعوب أو جماعات الى حيز آخر لتستوطنه. فاسطنبول أصبحت تركية منذ أكثر من 500 عام، بعد ان كانت يونانية لقرون عديدة. وغرناطه وأشبيلة والأندلس أحتلها العرب وعربوها ثم أجبروا على مغادرتها فلم تبك منهم ولا بكت عليهم.

إرتباط الانسان بالوطن في حقيقته أرتباط بالأهل والصحب الذين يسكنوه. أي هو إرتباط الأنسان بالأنسان، وليس بالبقعة الجعرافية. ولو سكن الأنسان في أي فردوس وحيدا فلن يراه وطنا وقد يختار بديلا له مكانا متواضعا يجد فيه قريب أو حبيب أو صديق يأنس له.

إذن هل نضحي من أجل الوطن، أم لا يكون الوطن وطنا إلا بما يعطينا ويمنحنا، وحينها يستحق تضحياتنا؟

الواقع ان طرفي العلاقة في معادلة الأخذ والعطاء ليس الانسان والوطن، بل الأنسان والمنظومة الاجتماعية، وبالنهاية الأنسان والإنسان. وثمة عوامل عديدة تتحكم بمقايضة الأخذ والعطاء بين الأنسان ومحيطه الأجتماعي منها موقعه في المنظومة الإجتماعية، وطبيعة هذه المنظومة،والعلاقات السائدة والقوى المتحكمة فيها، وقبل كل شئ ما طوره المجتمع من قيم أخلاقية ومفاهيم حقوقية وثقافة سياسية.

الوطن كبقعة جغرافية لا دور له في مقايضة الأخذ والعطاء، وإذا ما تقدمنا خطوة للأمام في فهم العلاقة بين الإنسان والوطن، سنجد ان الإنسان ـ المجتمع هو من يخلق الوطن وليس العكس. فالجماعة البشرية التي تستوطن بقعة ما، هي من ترسم حدود تلك البقعة بما يتناسب مع حاجاتها، ومع قدرتها على حماية تلك الحدود من الجماعات البشرية الأخرى، ولهذا ظلت حدود مختلف الأوطان عرضة للتوسع والتقلص على مر التأريخ.

الأنسان، ومحيطه البشري هما اللذان يخلقان الوطن على عكس ما حشي في أدمغة أجيالنا، وهما من يمنحاه قيمته الإعتبارية، وهما من يرسيا أسس تطوره ويدفعا بها سلبا أو إيجابا. هما من يحددا إمكانيات رقيه ويوجدا أسباب تخلفه ودماره. الوطن في محل مفعول والفاعل هو الأنسان.

عبدالله عطية شناوة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here