المرأة في ظل حكم الانقلاب البعثي-القومي 1963 (5-7)

كاظم حبيب
5-7
المرأة في ظل حكم الانقلاب البعثي-القومي 1963
في الثامن من شباط/فبراير نُفذ انقلاب عسكري دموي بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب الناصرية والحركة الكردية المسلحة والمؤسسات والحوزات الدينية الشيعية والسنية والقوى الرجعية وشيوخ العشائر وبقايا الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية والكومبرادور التجاري الذين تضررت مصالحهم من خلال إجراءات الدولة الجديدة. وكل من هذه الجهات كانت ها مصالحها الخاصة وأخرى مشتركة تسعى إلى تحقيقها من خلال هذا الانقلاب الفاشي الدموي الذي دعت له وساندته الإمبريالية الأمريكية والبريطانية والفرنسية وشركات النفط الدولية الاحتكارية بقوة وقدمت كل ما من شأنه الخلاص من الحكم الوطني وإنزال أقسى ضربة ممكنة بالقوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية العراقية. وقد تحدث قائد حزب البعث حينذاك علي صالح السعد بصراحة كبيرة حين قال “لقد جئنا إلى السلطة بقطار أمريكي”. (أنظر: الناصري، عقيل، د.، من خفايا انقلاب شباط الدموي 1963 (6-6)، الحوار المتمدن، العدد 3253 في 21/01/2011). تحدث البعثيون والقوميون في صحافتهم ودعاياتهم في الداخل والخارج بأنهم لاحظوا انحراف النظام القاسمي عن الأهداف التي كانوا يسعون إليها، والتي يمكن تلخيصها، بناءً على أدبيات هذه القوى فيما يلي:
1 . أن النظام القاسمي نظام غير قومي عربي، بل مناهض للقومية العربية. وهو مناهض للوحدة العربية، ومنها الوحدة مع سوريا ومصر.
2 . وبهذا المعنى، فهو نظام شعوبي يخدم مصالح غير عربية ويرفض التعاون مع جمال عبد الناصر أو السير تحت قيادته.
3 . وأن النظام القاسمي خاضع للحزب الشيوعي العراقي وتابع لسياساته، وبالتالي فهو يسير في ركاب المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي.
4 . وأن عبد الكريم قاسم مستبد بأمره لا يحترم الحرية والديمقراطية.
5 . ولهذا فهو يكافح التيارات البعثية والقومية والإسلامية في العراق ويمارس اضطهاد هذه القوى.
واستناداً إلى كل ذلك رفعت شعارات تدعو إلى الوحدة العربية وإلى الالتزام بالقومية العربية وضد الشيوعية وضد الاستبداد والدكتاتورية، كما دعت إلى “الحياد الإيجابي” بعيداً عن مفهومه الناقص وبعيداً عن الاتحاد السوفييتي، حين رفعت شعار لا غربية ولا شرقية. كتب أحد قياديي حركة القوميين العرب الدكتور باسل الكبيسي بهذا الصدد يقول:
“وخلاصة القول أن “حركة القوميين العرب” انتهجت، خلال هذه المرحلة، البرنامج الذي وضعته لجنتها التنفيذية في عام 1959. ويتضمن هذا البرنامج ما يلي: التركيز على قضية الوحدة العربية، الصراع ضد الشيوعيين المحليين والقوى الرجعية في الوطن العربي، التأكيد على سياسة الحياد الإيجابي. دعم الثورة الجزائرية، وأخيراً وليس آخراً دعم الجمهورية العربية المتحدة على الصعيدين الداخلي والخارجي”. (الكبيسي، باسل. حركة القوميين العرب. تعريب نادرة الخضيري الكبيسي. بيروت. مؤسسة الأبحاث العربية. ط 4. 1985. ص 106).
أما القوى الإسلامية التي ساندت وساهمت بثورة الردة السياسية فقد تركز همّها في ثلاث نقاط هي:
1 . أن النظام القاسمي غير إسلامي.
2 . وهو نظام شيوعي ملحد يتعاون مع الشيوعية المحلية والدولية.
3 . وأن النظام يرفض الالتزام بالشريعة الإسلامية فحسب، بل أصدر قوانين ضد الشريعة الإسلامية، ومنها قانون الأحوال الشخصية ومنح المرأة حقوقاً خارج الشرع الإسلامي.
واتفقت على هذه الوجهة في محاربة نظام الحكم الجمهوري الأول القوى والأحزاب الإسلامية السنية والشيعية، رغم التباين والصراع فيما بينها على امتداد فترات طويلة. والآن أصبح النظام القاسمي هو عدوهما المشترك.
أما فئة كبار الملاكين وجمهرة صغيرة من الإقطاعيين فكانت تتفق مع الأفكار والسياسات المعادية لقاسم التي تطرحها هذه القوى، كما تضيف إليها بأن النظام القاسمي قد سلبها أرضها حين طبق قانون الإصلاح الزراعي وسلبها سلطتها حين أسقط الملكية، وسلبها نفوذها الاجتماعي والسياسي وحرمها من امتيازاتها الكبيرة التي تجسدت في قانون العشائر الذي كان ساري المفعول في ظل النظام الملكي وألغي من قبل حكومة قاسم بسبب انطلاق الفلاحين الفقراء والمعدمين وهم يناضلون في سبيل تطبيق قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958.
أما القوى القومية الكُردية فقد كان النظام القاسمي قد رفض تحقيق جملة من المطالب التي طرحتها وأصرت عليها ورفض عبد الكريم قاسم الاستجابة لها، رغم عدالتها، بغض النظر عن الطريقة أو الأسلوب أو الوقت الذي طُرحت فيه تلك المطالب، إذ أنها كانت قد أعلنت منذ عام 1961 ما أطلق عليه بثورة أيلول 1961 والتي كانت كما قد اعترف قادة الكرد به بأنها كانت متعجلة وكان المفروض التعامل بشكل أخر من جانب قيادة الثورة الكردية أولاً ومن جانب عبد الكريم قاسم من جهة ثانية.
لقد برهنت كل القوى التي شاركت في الانقلاب بأنها لم تكن مع الحريات العامة والديمقراطية ولا مع حقوق الشعب، ومنها حقوق المرأة، ولا مع الوحدة العربية، فسياسات نظام البعث الأول وحلفاءه من القوميين الناصريين تميزت بفرض إرهابٍ دمويٍ فاشيٍ سافرٍ أثار الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ضدهم لما حصل في البلاد من اعتقالات لعشرات الألاف من المواطنين والمواطنات وقتل المئات منهم حيث سادت الفوضى والقتل على الهوية الفكرية والسياسية، لاسيما ضد الشيوعيين على وفق بيان الحكم العسكري رقم 13 لسنة 1963 المشؤوم الذي أباح قتل الشيوعيين أينما وجدوا. في مثل هذا النظام لم تحرم النساء من حقوقهن المشروعة والعادلة والمنتزعة فحسب، بل وفقد المجتمع كله، رجالاً ونساءً كامل حقوقهم المثبتة في الدستور العراقي والقوانين العراقية.
واستجابة لحلفاء القوى القومية والبعثية من شيوخ الدين في المؤسسات والحوزات الدينية الشيعية والسنية وشيوخ العشائر والقوى الرجعية والمحافظة صدر القانون رقم 11 لسنة 1963 حيث أجريت تعديلات سيئة على قانون الأحوال الشخصية رقم 188 اسنة 1959 لاسيما في مجال توزيع تركة المتوفي حيث اضيف النص التالي إلى المادة 86 من أحكام الميراث، الباب التاسع بموجب المادة (1) من قانون التعديل الثامن لقانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959.
الوارثون بالقرابة وكيفية توريثهم:
1- الابوان والاولاد وان نزلوا للذكر مثل حظ الانثيين.
أي أن المشرع الجديد أنهى العمل بمساواة المرأة والرجل في حصتهما من الميراث عند توزيع تركة المتوفى، كما أجريت تعديلات أخرى على إمكانية تعدد الزوجات في حالة الزواج من امرأة أرملة خارج الشروط المفروضة على الرجل الذي يريد زيادة عدد زوجاته.
لم يميز نظام البعث بل عمد إلى المساواة بين الرجال والنساء في حملات الاعتقال والتحقيق والتعريض للتعذيب والاغتصاب والقتل تحت التعذيب. ولم يكن تعذيب النساء موجهاً ضد النساء اللاتي يعملن في الحقل السياسي فحسب، بل شمل كل النساء اللواتي تم اعتقالهن لأي سبب كان بهدف انتزاع الاعترافات بشأن القضايا التي اعتقلن من أجلها، حتى لو كانت التهمة جنحة أو مخالفة بسيطة. في حين أن لوائح حقوق الإنسان كلها تحرم التعذيب أياً كان نوعه ولأي سبب كان. (اللائحة الدولية لحقوق الإنسان لعام 1948).

نماذج من عمليات الاعتداء على شرف الفتيات
في معتقلات وأقبية سجون حكم البعث الأول

خلال العقود الأربعة المنصرمة على نجاح الانقلاب الفاشي في شباط/فبراير 1963 نشرت الكثير من المعلومات والوثائق المهمة عن عمليات القسوة التي رافقت هذا الانقلاب وخلال الأشهر العشرة من حكم البعثيين والحلفاء القوميين في العراق، سواء أكانت عمليات التعذيب أو القتل أو الاغتصاب الجنسي لفتيات باكرات أو لسيدات متزوجات. ولكن تبقى الشهادة التي أدلت بها الآنسة (ن. خ) طالبة كلية الزراعة، التي كان عمرها حينذاك 20 عاماً، ذات أهمية كبيرة لفعل الاغتصاب الجماعي من جانب الحرس القومي. وهي حالة موثقة في دوائر الشرطة ومسجلة لدى حاكم تحقيق ولا تقبل الشك. ونورد هنا إفادتها التي سجلت بتاريخ 11/4/1963 من جانب المحقق العدلي بعد أداء القسم بصحة ما تقول كما هي:
“في يوم السبت الماضي وكان الوقت الساعة الحادية عشر ليلاً أجرى التحري بداري، وكان الذين حضروا التحري حوالي ستة أشخاص واحد منهم يرتدي الملابس المدنية وأجهل أسمه والآخرين يرتدون ملابس الحرس القومي ويحملون بأيديهم الرشاشات.. وكان أيضاً معهم شخص يرتدي ملابس عسكرية أخبرني بأنه طالب في الصف الثاني من كلية التجارة.. وقد صعدوا هؤلاء كلهم فجأة إلى غرفتي حيث كنت نائمة وقالوا لي (أگعدي.. أگعدي) (أمشي داناخذ ج معنا) فاستفسرت منهم إلى أين؟ فقالوا: – (أنتِ ما عليج)، فلبست ملابسي وخرجت أنا وأمي معهم إلى سيارة عسكرية كانت واقفة في باب دارنا وكان يجلس فيها أربعة أشخاص برتدون الملابس العسكرية. ومعهم في السيارة فتاتين إحداهما “ب.ع” وأختها “ف. ع” وتحركت السيارة بنا إلى مركز الحرس القومي ولما سألتهم (والدتي) عن اتجاههم أجابه أحدهم “إنتِ ما عليج” .. وقال آخر ذاهبين ” إلى الكاظم للزيارة” وأخذوا يضحكون.. وقال آخر.. لا.. رايحين إلى “الإدارة المحلية”.. ووصلنا مركز المأمون ونزل السائق ومعه أحد من الحرس القومي وذهبوا إلى مقر الحرس.. ثم عادوا وقالوا إلى (أمي).. أنتِ وأبنتك أنزلوا هنا في الشارع وارجعوا إلى بيتكم.. ونزلنا. وتحركت السيارة العسكرية “بالفتاتين” إلى حيث لا نعلم..
وفي يوم الخميس الماضي أي قبل أسبوع ذهبت إلى ذار أختي في (الأرضرملي) وفي حوالي الساعة الثانية عشر ليلاً من نفس اليوم، طرق الباب.. ولما فتحناه شاهدت (والدتي) ومعها أثنين من أفراد الحرس القومي أحدهم السائق الذي جاء إلي في المرة الأولى وشخص أخر يرتدي ملابس مدنية ويحمل بيديه رشاشة وطلبوا مني أن أرتدي ملابسي واصحبهم مع والدتي إلى مركز الحرس القومي.. فطلبت منهم إبراز ورقة إلقاء القبض عليَّ إلا أنهم أجابوني بكلمة “أنتِ ما عليج” وهذه والدتك معنا لا تخافين.. فطاوعتهم وركبت السيارة وأخذونا إلى دار في الصالحية مقابل الإذاعة، وشاهدت هناك جماعة كثيرين من الحرس القومي، وعندما دخلنا الدار منعوا (أمي) من المجيء معي.. وأصعدوني إلى غرفة في الطابق العلوي، وحضر ضابط من الحرس القومي اسمه (علاء) وأخذ يضربني على وجهي ثلاث ضربات وقال لي اعترفي.. “أنتِ مو كنتِ شيوعية” … فأقسمت له بالله وبشرفي لم أكن شيوعية ولم أعرف معنى الشيوعية ولا أي حزب.. وطلبت منهم أن يجروا التحقيق معي ويسألون عني الجيران وأهل المحلة والأمن والشرطة إذا كان عندي أي ميول شيوعية.. فصرخ في وجهي وقال ما تعترفين “فراح نأخذ شرفك”.. فأجبته بأن شرفي هو أمانة في أيديكم.. وأنا أطلب حمايتكم.. وأنا أختكم. فتقدم حارس قومي آخر وبيده (عصا) وأخذ يضربني ويطعن بها بطني، وقد أصابتني غشاوة على عيني من الخوف والألم ولم أستطع أن أتبين وجه الذي كان يضربني بالعصا ويطعنني في (بيت الرحم) وأخذت أتوسل بهم.. وأطلب الرحمة منهم.. ” إلا أنهم طرحوني أرضاً، ونزعوا عني ملابسي إلى حد النصف” وأنا اقاومهم وأتوسل بهم. وأن أحدهم مسكني من ساقي وهو الذي ضربني كما أخذ (يقبلني من فمي) كأنه سكران.. ثم شاهدت أحدهم وعلمت اسمه (مدحت) وهو ذو شارب أصفر شاهدت وجهه وهو يمسك بي، كما وضع الوسادة على وجهي.. وأن ثلاثة منهم أو أربعة قاموا (بالفعل الشنيع ضدي) الواحد بعد الآخر، وقد أغمي عليَّ، بعد أن أصبح عندي نزيف دموي.. وأنا لا أستطيع بالضبط أن أشخص الذي زال “عفافي” منهم أولاً.. ولكن أستطيع أن أوكد أنهم عملوا معي الفعل الشنيع بالقوة واحد بعد الآخر..
وعلى سبيل المثال لقد ذكرت لي إحدى الموقوفات هناك، أن المعتدين على شرفها أيضاً كثيرون لكنها تستطيع أن تشخص واحد من الحرس القومي اسمه (زهير) هو الذي زال (…) أولاً.. كما أني بعد أن فقت من الإغماء ونهضت وأخذت ابكي وأندب حظي التعس الذي أوقعني بيد هؤلاء… في هذا الوقت جاءني أحد الحرس القومي وهو أبيض اللون متوسط القامة وأخذ يتوسل بي أن أفسح له المجال (بالاعتداء ثانية على شرفي).. فصرخت في وجهه إلا أنه لطمني بشدة على وجهي وطرحني أرضاً ثم (قام بالفعل الشنيع معي).. بينما كان بقية المعتدين عليَّ “يتفرجون” ويضحكون.. ويشجعونه بالقيام.. بكذا.. وكذا.. من الأعمال أللا خلقية التي مارسوها معي. وبعد أكثر من ساعة من الوقت.. طلبوا مني أن أنزل وأغتسل، وأعالج النزيف الدموي الشديد الذي لطخ ملابسي.. وقد حذروني أن أتكلم بشيء إلى أمي أو إلى الموقوفين أو الموقوفات هناك.. وسلمت أمري إلى الله.. ونزلت فاغتسلت وبعدها أخذوني إلى موقف كان فيه (ثلاث فتيات).. وبعد الحديث استفسرت من (الفتيات) عما إذا كان قد جرى ضدهم ما جرى لي من العمل الشنيع.. فقالوا “نعم” لقد اعتدى الحرس القومي على شرفنا وزالوا (…) منذ الأمس. وفي اليوم الثاني نادوا عليَّ، وربطوا عيوني بمنديل وقدموني إلى الملازم ظافر لإجراء التحقيق معي، وعندما لم يجدوا شيئاً ضدي.. هددني بالقتل لكل عائلتي إذا أفشيت لأحد (العمل الشنيع) الذي قام به الحرس القومي ضدي، ووافقت على ذلك.. ثم أركبوني سيارة لإيصالي إلى أهلي، لعدم وجود شيء ضدي.. بعد أن عصبوا عيوني.. وفي الطريق رفعوا العصابة عن عيوني وقال ضابط الحرس القومي المدعو (علاء) … (غداً نتقابل في الجسر أو أي محل آخر تحبين) فأجبته أنا ما أقابل أحد.. وقد اعتديتم على شرفي بدون ذنب.. فمد يده في جيبه وناولني (منديل) وقال لي خذي هذا (المنديل) تذكار مني.. فرفضت وبعد الإلحاح أخذته منه.. وهو الآن لدى أخي المدعو (ز.خ) وبعد أن وصلت أهلي.. أخبرتهم بما جرى.. وأخيراً قدمت شكوى إلى الشرطة.. وأني أطلب اتخاذ الإجراءات القانونية بحق الفاعلين وهذه إفادتي..
توقيع
ن. خ المحقق العدلي حليم عباس”
11/4/1963 (هيئة الدليل الدولي، المنحرفون، مصدر سابق، ص 103-105).

وفي كتاب صادر عن ضابط استخبارات مركز البصرة وموجه إلى آمر حامية البصرة بعدد /1س/131 بتاريخ 17/6/1963 يؤكد فيه بأن كافة أهل البصرة يتحدثون عن أن عدداً من أفراد الحرس القومي قد اعتدوا على شرف فتاتين موقوفتين هما “ع. س.” و “ف. أ”، وأن والد المجني عليها “ع. س” قد سافر إلى بغداد لتقديم الشكوى. والضابط الذي رفع هذا الكتاب يطلب “مفاتحة الجهات المسؤولة بوضع حدٍ لهذه التصرفات اللاقانونية والأعمال الجرمية التي ازدادت في الآونة الأخيرة من قبل الحرس القومي.. وعلى رأسهم قائد الحرس القومي المدعو (فتحي). (نفس المصدر السابق. ص 122)”.
وعرض كتاب “المنحرفون” صوراً لفتيات عراقيات جرى قتلهن ودفنهن بملابسهن في قبور مختلفة وبعضهن تركن في الصحراء حيث تم التهامهن من الحيوانات المفترسة، إضافة إلى صور مواقع تعذيب النساء وآثار الدماء، وكذلك وثائق أخرى تدين عناصر من الحرس القومي باغتصاب عشرات النساء أثناء التحقيق معهن. (نفس المصدر السابق، 64-71، ص 101-122).
إن التقارير المنشورة وما ورد في كتاب “المنحرفون” من فضح لطبيعة سلوك قادة وأعضاء الحرس القومي ولجنة التحقيق الخاصة تؤشر عدداً من القضايا التي قام بها بعض أفراد الحرس القومي أو لجنة التحقيق الخاصة، وينسى أربعة أمور جوهرية، وهي:
1. أن النظام كله، قيادة وقاعدة وأجهزة، كان منحرفاً عن جادة الصواب وعن مراعاة حرية الإنسان وحقه في حياة آمنة وحق التعبير عن الرأي والعقيدة وعن بقية مبادئ وأسس لائحة حقوق الإنسان.
2. وأن النظام يفضح البعض من الجرائم التي ارتكبها الحرس القومي ولجان التحقيق الخاصة، ولكنه يبتعد عن الإشارة إلى جرائم أبشع ارتكبت أيضاً بحق الناس العراقيين وقوى المعارضة أولاً، كما يبتعد عن الإشارة إلى دور القوى القومية التي شاركت ومارست كل تلك الجرائم مع البعثيين، سواء أكانت عمليات مطاردة وتعذيب وقتل أم اغتصاب وسرقة أموال وابتزاز الناس.. الخ.
3. وأن القوى القومية التي أعدت بعض التقارير والكتاب المذكور مارست في أعقاب سقوط نظام البعث وتسلم السلطة من قبلها بانقلابها في 18 تشرين الثاني 1963 نفس أعمال التعذيب والقتل والإعدام والسرقة والاغتصاب التي فضحتها في مواجهة المعارضين والتي سنتحدث عن بعضها في المبحث القادم.
4. وأن النظام كله مسئول عن الحرب التي شنها الجيش العراقي ضد الشعب الكردي، إذ لم يشر التقرير إلى الجرائم البشعة التي ارتكبت بحق هذا الشعب وقواه السياسية بعد أن فجرها النظام في حزيران/يونيو 1963. إذ لم تتعرض القوى المسلحة الكردية والقرى والأرياف إلى قصف جوي متواصل وتدمير واسع فحسب، بل وإلى حملة اعتقالات واسعة في صفوف المواطنين وزجهم في السجون وتعريضهم للتعذيب الشرس والقتل تحت التعذيب أو الإعدام بحجة المشاركة في العمليات العسكرية ضد الجيش العراقي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close