زينة وأحمد…

زينة وأحمد…
كعادتها وقبل أن تبدا هي وأخيها أحمد عرضهما وبرنامجهما الخاص يشربان قهوة الصباح التي يحبان، لا تدري زينة لِمَ خطر ببالها ذكريات طفولتها عندما اخذت رشفة من شفاه فنجان القهوة التي شعرت بلسعتها الساخنة ثم تطلعت الى يدها التي عليها آثار حرق منذ طفولتها فاستعادت تلك الذكريات كأنها خيط دخان تصاعد مع دخان فنجان قهوتها، كان أحمد مشغولا عنها حينما نظرت إليه وهو يستعد متألقا… تذكرت نفسها في ذكريات من طفولتها ..
فها هي ما أن تدخل البيت حتى تسارع الى دُمَاها التي تعشقها، تضع حقيبتها حيث اعتادت الى جانب مكتبها الصغير ومن ثم تقوم بتحية الدمى التي اسمتهن بسوسن وأمل وأحلام وسحاب ما عدا لعبة واحدة لم تطلق عليها أي إسم تكاد تكون الوحيدة الممزقة الثياب والمهملة، إنها ترهب مشاعرها لبشاعتها، لم تكن دميمة من قبل لكن سوء حظها قادها لأن تنال منها نار المدفأة فأحرقت نصف وجهها فشوهته، أما هي فقد تركت النار على يدها أثارها، بعد انتشالها لدميتها دون أن تعي أنها تتعرض الى الحرق.. لذا كانت تلومها كلما تشاهدها وتجعلها مذمومة بعيدة عنها، لم تمشط لها شعرها الذي احترق نصفه، لم تبدل لها ثيابها حتى اقدامها التي انصهر جزء منها لم تحاول ابدا او تفكر بإستبدالها او تنظيفها… لذا كان عقابها ان تكون بمعزل عن بقية الدمى. إمها تدرك جيدا ما تعانيه لذا تتركها تتصرف كما تحب فهي فتاة محبة لدراستها تقوم بواجباتها على اكمل وجه لكنها تعشق ان تكون مذيعة في التلفزيون لذا ترصف لعبها كأنهن جمهورها ومن ثم تجلس على مكتبها الصغير ثم تمسك بأوراق وتتخيل أنها تلقي عليهن برنامج ما، تأخذ تحدثن عن النظافة وعن الحذر من النار وأهمية الدراسة وهكذا تحلق في عالم خيالها البريء حتى تمل، والأجمل بالنسبة لها أن أحمد يجاريها فكثيرا ما شاركها في تقديم نفسه على أنه مذيع ذائع الصيت.. بعدها تقوم بجمع لعبها قائلة: لقد جاء الوقت لإستبدال ثيابي والذهاب الى أمي لعلها تحتاجني في شيء بالتأكيد ساعود كي ألعب معكن طويلا.. أما أنتِ ملتفتة الى لعبتها الدميمة ستكونين بعيدة عن الاحتفال الذي ستعده والدتي لأخي أحمد في عيد ميلاده اليوم..
دخل أحمد وسلم على والدته قَبَّلها وهو فرح يفرك يديه قائلا لزينة: ترى ماذا تتوقعين ستكون هدية عيد ميلادي من أمي او أبي؟ بالطبع أنت ولاشك انك قد فكرتي بهدية لي، لا تنسي أني قد أهديتك حزمة من الأقلام الملونة وبعض الملصقات للعب مختلفة أظنك أحببتها كثيرا حينها، نظرة خاطفة رأى دميتها المشوهة فأردف الى الآن يا زينة لم تتخلصي من هذه الدمية المشؤومة؟ لقد تسببت لك بالأذى ولا أظنك ترغبينها فشكلها يدل على أنها مهملة من قبلك عكس تلك الدمى الأخرى…
زينة لا عليك احمد دعك منها إن لها ذكرى في نفسي موجعة لكنها علمتني الكثير..
تركها وتوجه الى غرفته التي ما ان دخلها حتى افترش الأرض قرب قطاره وعرباته التي قَسّم احلامه بينها فكل عربة تحمل طيفا من حلم يراوده كصبي، يعمد الى تشغيلة وهو يصيح هيا إنطلق حيث عالمي الذي أحب انفث دخانك لتغطي السماء، إعلن انك ستتوقف في محطات أنا قد اخترتها دون أن يكون لاحد يد في اختيارها هيا أنطلق… صدقني كم أتمنى أن تخرج عن الدائرة التي تدور فيها؟ فأنا لا احب لك ذلك ولا احبه لأحلامي أن تدور ثم تعيد لي أمنياتي الى حيث تنطلق منذ البداية… هذا يؤلمني لكن ما باليد حيلة، أعدك اني سأنطلق بك بل سأحلق الى مساحات لا انوي الإقامة فيها دون ان اسمح لك بالتوقف وحتى احلامي وطموحاتي التي تنفث لن أجعلك تقف في محطات كي تنزلها بعيدة عن النهاية… ستصل معي أعدك بذلك الى ما لانهاية..
كانت أمهما قد أنهت كل الترتيبات اللازمة لعيد ميلاد أحمد الزينة والكيك والشموع والهدايا التي ما أن رآها حتى حركه الفضول ليسأل أمه ما هي هدية عيد ميلادي يا امي؟ ابتسمت وقالت: كيف تكون مفاجأة إن اخبرتك يا أحمد!؟ لا تخف ستفرحك بالتأكيد فوالدك أحضر لك الهدية التي تتمنى وحتى زينة جلبت لك هدية.. مثل كل مرة سنفرح مع بعضنا البعض ونختصره على افراد عائلتنا الصغيرة بسبب الظروف وجائحة كورونا… هيا استعدوا الى ان يأتي والدكم..
زينة فرحة كل الفرح شرعت بتغيير ملابسها وتغير ثياب لِعَبَها إلا تلك اللعبة المشوهة، تنظر إليها سنحتفل كلنا انا وصديقاتي وأخي وأمي وابي كلنا مدعوين لعيد ميلاد احمد، اما انت ستبقين هنا وحدك يعتصرك الحزن والألم، تذكري أنك السبب الرئيس في حرق يدي وتشويهها كنتِ حمقاء عندما قفزتِ الى نار المدفأة ترى ما الذي جعلك تفعلين ذلك؟ لابد أنها حماقتك بئس ما فعلت.. فجاة صدر صوت كأنها سمعته بكل وضوح زينة لا تخافي فقد أنصتي لي وتذكري أني لست الملامة بل تسرعك وهوسك هو الذي أودى بك الى ذلك لقد شوهتني ورميت بي الى مكان لم اتخيل أني سأكون فيه أبدا، كم تمنيت أن تتخلصي مني؟ حتى لا أرى نظرة الشزر التي ترمقينني به والتقزز او الإشمئزاز… إني أنا التي اعاني واتمنى أن لا اراك ابدا فقد حطمتني وشوهتني فعدت لا أرى نفسي سوى شبح مشوه، أكره ان ارى نفسي في المرأة بسببك انت التي رميتي بي وعللتي ذلك لنفسك بعد ان تسارع والدك و والدتك لتلقفك من نار المدفأة، ولولا انك كنت مخطئة ما مددت يدك لإنتشالي، لكن شعورك بالذنب جعلك تفعلين لا إراديا على إنقاذي.. لا اطيل عليك فأنا أرى الوجوم قد لبس وجهك والخوف قد احتقنه هيا أصرخي لا مانع عندي، لعلهم الآن يعلمون أنك مهمووسة بعالمك الفنتازي الذي طالما حدثتني عنه عبر نافذتك التلفازية أتذكرين عندما كنت تقصين من بعض علب الكرتون لتصنعي نافذة كشاشة التلفاز ومن ثم تستعرضين لي عن احداثك المدرسية وما تحبين وتحذرين وامنيتك الوحيدة التي تسعين لأن تكوني من خلالها مذيعة مشهورة… لعلك تحسبين ان التشوه الذي أصاب يدك سيعيق حلمك ابدا، فالعوق يا زينة هو العوق النفسي وانا اعلم جيدا مدى قوة شخصيتك، ستتغلبين على إحساسك فقط تحتاجين الى الوقت لا اكثر… لا عليك هيا اذهبي واحتفلي واستمتعي مع عائلتك وصديقاتك من الدمى الأخرى أما انا فقد تعودت الوحدة والظلمة…
خرجت زينة مسرعة وهي تحمل بين يديها لعبها بأجمل ثياب وقد وضعتهن الى جانبها ليشاركنها الاحتفال لا حظت والدتها وجهها ومسحة الخوف فقالت: هل حدث شيء يا حبيبتي زينة؟
لا ابدا امي لاشيء اظن والدي هنا أليس كذلك؟ نعم بالتأكيد سنحتفل الآن هيا احمد تعال الى هنا اطفئ الشموع عامك سعيد حبيبي وكل عام وانت بخير، كان احمد متلهفا الى الهدايا اكثر من ان يطفي الشمع خاصة أنه رأى والده يحمل علبة كبيرة ويضعها الى جواره وهو يقول: ميلاد سعيد وعمر مديد حبيبي احمد.. الغريب!! أن زينة لم تكن متواجدة فصاح احمد أين ذهبت زينة؟؟
نادت والدتها زينة اين أنت؟
زينة: أنا هنا يا امي حالا ساكون بينكم.. لحظات وجاءت زينة تحمل بيدها دميتها المشوهة الى صدرها بعد ان غيرت لها ثيابها وغطت رأس دميتها بإشارب صغير وسط إستغراب الجميع!! وهي تقول: لا تستغربوا فقد عادت دميتي الى مكانتها في نفسي بعد ان أتضح لي بأن التشوه الحقيقي في النفس والروح والتعامل مع الآخرين بجفاء او تكبر او تعالي….
إلتفتت الى احمد وهي تقول عيد ميلاد سعيد اخي العزيز احمد… كان أحمد منشغلا بفتح العلبة الكبيرة التي أحضرها والده والتي صرخ قائلا: شكرا يا والدي الآن استطيع ان انطلق مع احلامي حيت اللانهاية فطائرتي هذه ستحلق بي الى فضاءات بعيدة حيث لا محطات توقف أو عناوين كاذبة…
ثم أحست بيد أحمد وهو يربت على كتفها قائلا:: زينة هيا قومي أين سرحت؟ لقد شارفنا على البدء… هل أنت جاهزة؟
القاص والكاتب
عبد الجبار الحمدي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close