دعوة للحوار والجدال لبناء وطننا

قال تعالى “ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن”. لو التزم المسلمون قبل غيرهم بتطبيق هذه الاية في تبادلهم الاراء والافكار  مع مخالفيهم ما وصلنا الى ما وصلنا اليه من حروب داخلية ومظالم ضد الابرياء وانتشار الفقر والجهل لدى شعوبنا. وانتهاك سيادة اوطاننا من المستعمرين الاقليميين والدوليين.
ليس من العدل والانصاف ايضا ان نختار ما يناسب هونا من قواعد ومبادئ الاسلام ونهمل ونترك ما لا نريده. فقضية  الجدال والنقاش قد فتحه القران الكريم منذ اكثر من اربعة عشر قرنا. اذ نادى الله عباده جميعا على ضرورة التفكر والتبصر في ملكوت السماوات والارض ثم منحهم الحرية المطلقة في الاختيار فقال تعالى “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر “. لعل اعظم قيمة منحها الله للانسان في القران الكريم عندما منع فرض اعتناق الاسلام على الاخرين اذ اوصى الله رسوله في القران الكريم ان يقول لهم “لكم دينكم ولي دين”.
ان تعظيم قيمة الحوار السلمي غير المشروط حاضرة دائما في القران الكريم ففي سورة التوبة او براءة او سميت ايضا القتال لانها السورة الوحيدة التي لم تبدا ببسم الله الرحمن الرحيم وامرت المسلمين مع رسول الله بالبراءة والتحذير من خطر وغدر المشركين المحاربين الذين يتربصون بالمسلمين ويخططون لاستئصالهم. في نفس هذه السورة يامر الله رسوله ان يساعد ويعاون ويامن اي مشرك مسالم حيادي ويتحاور معه ويوصله الى مكانه الامن دون اية شروط على الرغم من شركه بالله. يقول تعالى “وان احد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مامنه ذلك بانهم قوم لا يعلمون”.
ان ادب الحوار متاصل في الاسلام من خلال القران الكريم. فمجرد قراءة اية “لا اكراه في الدين” تبين مدى الحرية الكاملة في اختيار العقيدة وحرمة فرضها بالاكراه. مما يدلل ان مساحة الحرية في الجوانب السياسية والاقتصادية اكبر واشمل. نستنبط من ذلك بانه لا يحق لاي ملتزم مسلم ان يحكم بالكفر او النفاق على الاخر ابا كان خطه ومنهجه السياسي او الاقتصادي.
ما احوج شعوبنا في المنطقة بعد كل هذا الحصاد المر والاستمرارية في السقوط نحو الردى. ان تعود الى مكارم الاخلاق التي كان يتحلى بها ابائنا واجدادنا وامهاتنا وجداتنا. فمثلما كنا ولا نزال نبجلهم ونحترمهم ونترحم عليهم لانهم ربونا على الفطرة والقيم الانسانية الاسلامية العالية وكانت صلاتهم وصيامهم وحجهم لوجه الله.لقد عاش ابائنا وأمهاتنا على الصدق والكرم والتضحية والعدل وحب الاخر ايا كان دينه وقوميته. كان الوالدين يسامحوننا على اخطاءنا الكثيرة. كانت امهاتنا يضحين بالغالي والنفيس لسعادتنا ويعملن على زرع الامانة والصدق والاخلاص فينا. كان الاباء ايضا يعملوا بقسوة لكسب المال الحال وزرع القيم السامية لدى الابناء. علينا اذن ان لا نعمم شيطنة المسلمين على اخواننا الاخرين ونكون معول تهديم نساعد الظالمين على تهديم بلادنا.
اليوم نرى التمزق ينتشر انتشار النار في الهشيم بين النخب الفاعلة في المجتمع سواء الاسلامية او القومية او الوطنية. فسياسة التكفير والاقصاء بين الاسلاميين انفسهم على اشدها. فبعضهم يريد من غيره ان يؤمن بالخلافة الاسلامية والعمل من اجل اقامتها. وهناك من يؤمن بالامامة وعصمة الائمة وضرورة التمهيد لدولة المهدي المنتظر. اضافة الى التشرذم والاقصاء حتى بين اتباع المذهب الواحد. والامر لا يختلف في الصراع بين القوى العلمانية بكل اتجاهاتها.
ادب الحوار ينبغي ان يكون متبادلا بين الاطراف الداخلية ويتبع موازين بناءة كي لا يكون جدل سفسطائي. لعل اهم موازينه ان يتمتع اصحاب الحوار بالمصداقية والامانة والنزاهة والتسامح والتواضع وحب الوطن وعدم التعصب الحزبي والقومي والمذهبي والديني. لقد دفع شعبنا ثمنا غاليا عندما تناسينا تلك القيم او بعضها وبات كل طرف يشيطن الاخر. فالعلمانيين يعتقدون بان جميع الاسلاميين رجعين ظلامين متخلفين. كما ان بعض الاسلاميين يتاجرون بايمانهم بالله وكان الله تعالى لهم فقط دون غيرهم ويحكموا على غيرهم بالكفر بسطحية وسذاجة. علما بان الايمان امر شخصي ينبغي ان لا ينعكس على التعامل المهني في تسيير دفة بناء الاوطان.
يجب ان نضع النقاط على الحروف وننهج نهج اخر يوحد اغلب طبقات الشعب دون اي تمييز ديني او مذهبي او قومي او عرقي. تكون اسسه العدالة والصدق والتسامح والاستقلال عن تاثير الاجانب والحرية الشخصية وحب الوطن والاخلاص في العمل وحب التعلم والبحث عن العلم.
كما يجب ان يكون عدونا الاساسي الكذب والغش والسرقة والحسد والحقد والتكبر والجهل والتجهيل والتعصب. مع ضرورة العمل في نفس الوقت على اصلاح تلك النفوس المريضة واعادتها الى جادة الصواب. عندها سوف لن يكون للدكتاتوريين والعملاء والخونة والفاسدين مكان للتسلط على بلداننا.
عندها ايضا سنبني مجتمع محصن داخليا وقادر عن الدفاع عن نفسه خارجيا .سيكون التسابق في عمل الخيرات بين مكوناته وطبقاته واجناسه الاجتماعية عامل ابداع وتقدم وازدهار. سياخذ الشخص المناسب مكانه في تخصصه وعلمه وعمله وفق الكفاءة والمهارة. في النهاية عندما تتالف قوى الخير فيما بينها وفق القيم السابقة الذكر سنرى بان قوى الشر مهما كانت قوية ستضعف وتندحر.

الدكتور نصيف الجبوري ع

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close