الظاهرة الطائفية في العراق من منظور المفكر هادي العلوي ، كشف الجذور وتفكيك الرموز، ح 7 والاخيرة !

الظاهرة الطائفية في العراق من منظور المفكر هادي العلوي ، كشف الجذور وتفكيك الرموز، ح 7 والاخيرة ! د. رضا العطار

يقول الجواهري الكبير عام 1924 نظما هذا مطلعه :

جددي ذكر بلادي انني * * * بهواها ابد الدهر رهين

انا لي دينان : دين جامع * * * وعراقي وغرامي فيه دين

هذه بغداد وهذا كرخها * * * هذه دجلة والماء المعين

تذكر هذه الابيات شعبنا العراقي البار بان منزلة الوطن عندنا يجب ان تكون اغلى واعز من عقائده الدينية و المذهبية بمختلف انواعها !

نعود الى موضوعنا السابق ونقول : لو رجعنا الى التاريخ لوجدنا ائمة الشيعة المذكورين اعلاه ينقسمون الى فريقين : فريق الثوار السياسيين الذين قاتلوا بني أمية وقريش وهم اتباع على بن ابي طالب وولداه الحسن والحسين والعباس وهم شهداء ومحبوبوب من قبل السنة. اما الكاظم والعسكريان فهم من ائمة الطائفة لا من زعماء المعارضة – وكانوا يندرجون في النشاط الديني الخالص. ولم تصدر عنهم انتقادات ضد المقدسات السنية المتمثلة اصلا في الشيخين عمر وابي بكر. وثمت اشكالات كبيرة في الرموز السنية الثلاثة – فقد خضع تاريخهم للتزوير والطمس من جانب الشيعة بينما قدسهم السنة لعدم المامهم بتاريخهم الحقيقي.

ففيما يخص ابي حنيفة فقد ظهر قبل ظهور الطائفة السنية بحوالي المئة عام – ولا مندوحة بالتالي لاعتباره سنيا – وقد ذكر بعض مؤرخي الفرق انه كان من المرجئة ولم يثبت ذلك عند المحققين منهم فهو فقيه وصاحب مذهب ولم ينغمس كثيرا في المجادلات العقائدية – ومن حيث الاتجاه السياسي كان ابو حنيفة من اركان المعارضة للامويين والعباسيين وقد ايد ثورة زيد ضد هشام عبد الملك، كما ايد ثورة ابراهيم الحسني ضد المنصور وانتهى به ذلك الى الموت في سجن المنصور – – وهكذا فترميز ابي حنيفة سنيا لا يأتلف مع سيرته. – وينبغي التنبه هنا الى ان السنة المعاصرين يعتبرون هشام بن عبد الملك والمنصور من امراء المؤمنين، معتبرين الثائرين عليهم بغاة، وهم – السنة – يجرون على خط الاوزاعي الذي كان يندد بابي حنيفة ويتهمه بانه يدعو الى الاقتتال بين المسلمين.
ومسالك ابي حنيفة هذه معروضة في مصادر التاريخ العام والخاص ومنها مصادر الفها سنة واخرى الفها شيعة، بقدر ما يخص اليعقوبي كمؤرخ محترف وابو الفرج الاصفهاني وهذه المصادر مقروءة ومتداولة، وليست من الكتب السرية او الممنوعة ولكن رجال الدين من الطائفتين يحرصون على عدم تسرب محتوياتها الى الناس.
ولما استهل الفيلسوف العربي هادي العلوي الكتابة حول هذا الموضوع، افتى بعض خطباء لبنان بقطع يده. – – وهذا يدل على خوف رجال الدين من الطائفتين من كشف الغطاء عن حقائق تاريخية، لعلها لو انكشفت في الماضي، لدحضت الكثير من مسلماتهم التي يتحركون عليها اليوم، وذلك لضمان دوام تمرسهم الطائفي، الممزق للمجتمع، الذي بدونه لا يجدون ما يشتغلون به ويرتزقون منه.

اما معروف الكرخي، فهو من اقطاب الصوفية في القرن الثالث، وينسلك في عداد التصوف الاجتماعي اي التصوف المناضل من اجل الشعب وضد سلطة الدولة والمال، وتدل سيرته على انه كان متنورا، لا يشبه رجال الدين الا في اداء الفرائض – وقد اشتغل في التصوف ولم يشتغل في الفقه، ومع انه عاصر ظهور الطائفة السنية فلن تكن له مساهمة في نشاطاتها البعيدة عن اهتمامات اهل التصوف – وهو معدود في التصوف المؤمن لكن ايمانه صوفي لا ايمان سني. وادعاء اهل السنة اياه وجعلهم من رموزهم في العراق هو افتنات عليه ولا مرجع له من تاريخه وسيرته وقد حولوا تربته الى مدفن – ونأمل ان نستطيع في المستقبل ان يعاد ترتيب مسجده ليكون مركز جذب لمحي التصوف بعيدا عن طقوس الاغيار.

اما عبد القادر الكيلاني : ولقبه الاصلي الجيلي، وتحول الى الكيلاني في العصر العثماني – من اقطاب بغداد في القرن السادس الهجري وكان يتفقه للمذهب الحنبلي وهو معدود ضمن التصوف المؤمن – لكنه شطح شطحات من نوع اخر وسلكه هو سلك التصوف الاجتماعي وكان في هذا السلك هجوميا، فهو بخلاف معروف الكرخي الميال الى المعارضة الصامتة. وقد حدد الكيلاني للتصوف مهمته الكبرى وهيب (ايجاد راحة الخلق) ودعا الى توزيع المال على الجياع محرضا هؤلاء على افتكاكه من مختلسيه. وهو القائل (لو كانت الدنيا بيدي لاطعمتها للجيالع) واشتد نفوذه بقوة العامة البغدادية والتي كانت مستعدة للتحرك باشارة منه لمواجهة الخليفة – ومن شطحاته انه تبرأ من الدنيا والاخرة – اي من سعادة الدارين التي تحك سلوك رجال الدين – – والمفترض بالزهاد انهم يتبرؤون من الدنيا لنيل السعادة في الاخرة لكن هذا بخصوص الزهد الديني. – – اما المتصوف كما هي الحال عند الكيلاني فانه يستغني عن الدارين ساعيا في نفس الوقت لخدمة الناس في الدنيا – وهذه معادلة صعبة لا يفهمها الا من توغل في حقائق التصوف الخفية.
اي علاقة تجمع بين هذا القطب الغريب وبين الطائفتين من سنة بغداد ؟
اي اساس واه يقوم عليه الاحتراب الطائفي في العراق ؟
• مقتبس من كتاب المرئي واللامرئي في الادب والسياسة لهادي العلوي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close