نزعة إنكار الشناعات في تأريخنا

نزعة إنكار الشناعات في تأريخنا

عبدالله عطية شناوة

نشر أحد الأصدقاء بوستا عن ولع الخلفاء المسلمين باقتناء الجواري اللواتي سبين في الفتوحات الأسلامية، وعن أسعارهن في أسواق النخاسة في الحواضر الأسلامية، وكيفية التعامل معهن. وتضمن البوست أرقاما مهولة عن أعداد الجواري خاصة الأمازيغيات التي ولع بهن الخليفة عبدالملك بن مروان وأبنه وخليفته هشام أبن عبد الملك.

الأرقام التي وردت في البوست مستلة من كتب التأريخ الإسلامي التراثية المعتمدة على مدى قرون، لكن أحد المتفاعلين مع البوست اعتبره تشويها متعمدا للإسلام. وفي هذا إفتراض ضمني بمعاداة صاحب البوست للدين، وسعي إلى هدمه، ومعروف ما يمكن أن يترتب على وضع شخص ما في دائرة معاداة الدين. فما هي الحقيقة؟

لا ريب أن المؤرخين المسلمين كانوا يبالغون كثيرا في أعداد السبايا، ليس بقصد التشويه بالطبع وإنما بقصذ التفاخر، كما كانوا يبالغون بأرقام القتلى من الأغداء في الفتوحات الإسلامية. وذلك يعود إلى أن مدوناتهم لم تكن تعتمد على وثائق كما هو حال مؤرخي اليوم، وأنما على روايات متداولة. ولا شك أيضا أن من علق على البوست لم يكن ليعتبره تشويها للدين لو أنه عاش في الزمن الذي يجري الحديث عنه، فالعبودية وأسترقاق النساء لم تكتسب آنذاك الصورة البشعة التي هي عليها الآن، بل كانت نشاطا تجاريا مشروعا، وظلت كذلك حتى الحرب الأمريكية التي أنتهت بتحرير العبيد، دون أن تساويهم بشكل كامل مع الآخرين، وحتى خمسينات القرن الماضي كان يتعين على أحفاد العبيد ذوي البشرة السوداء أن يتخلوا عن مقاعدهم في حافلات النقل العام لصالح أي أبيض لا يجد مقعدا شاغرا فيها.

ليس في التذكير بشناعات الماضي أي محاولة للتشوية أو الإساءة الى دين معين أو مجتمع معين، وفيما يتعلق بالإسلام فأن كتب الفقه الإسلامي تتضمن أبوابا مطولة تتعلق بالعبودية، وبالتعامل مع العبيد والإماء، والجوانب الحقوقية المتعلقة باستغلالهم جسديا وجنسيا. لكن التعصب الديني أنسى صاحب التعليق هذه الحقائق، وحال بينه وبين ما إراد كاتب البوست الوصول إليه، وهو أن الغرض من الغزوات ((الفتوحات)) التي صبغت بصبغة دينية لم تكن لوجه الدين قدر ما كانت لأغراض أخرى منها نهب الخيرات والموارد الطبيعية والبشرية للمجتمعات المفتوحة. ومثل هذا الإستنتاج لا يمكن نفيه أو أستبعاده، إلا إذا تأكد من يتصدى للنفي من خلو الخلفاء والطبقات الحاكمة في المجتمعات الأسلامية من نوازع الطمع والعدوان، وقدم براهين مقنعة على قناعاته، وعدم الإكتفاء بأنكار الوقائع التأريخية والزعم بأن أيرادها والتذكير بها ليس أكثر من ((تشويه متعمد للدين)).

أن مواصلة صبغ تأريخنا بصبغة دينية وتقديس ذلك التأريخ، والحيلولة دون تحليله تحليلا علميا، لا يلحق الضرر بالدراسات التأريخية فقط، بل يرسخ حالة الجهل والتعصب في الوعي الفردي والجمعي، ويديم توالد تيارات وحركات الإرهاب التي تتلفع بالدين.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close