رسالة الى ثوار تشرين : ثورة تشرين ونظرية جين شارب اللاعنفية

رسالة الى ثوار تشرين :

ثورة تشرين ونظرية جين شارب اللاعنفية :

يناشدنا السيد المسيح في موعظة الجبل احبوا اعدائكم وصلوا من اجل مضطهديكم واحسنوا الى مبغظيكم والسيد المسيح هو المعلم الاول وراعي اللاعنف من خلال كل ماعلم به واللاعنف لايعني الخنوع والضعف والركوع بل يعني ان تطالب ثم تطالب ثم تطالب الى ان تحصل على حقك .
ويذكر مارتن لوثركينغ ، اللاعنف لايعني تجنب العنف المادي مع الاخرين ، بل ايضا الروحي الداخلي انك لاترفض اطلاق الرصاص على شخص اخر فقط بل ترفض ان تكرهه، لاحظ هنا البعد الانساني والمفهوم الرائع لمعنى اللاعنف والذي يغيب عن بال الكثيرين ، ان اللاعنف يشمل لاعنف اللسان وليس استخدام ادوات واسلحة للقتل والتدمير فقط ، لان معظم الاعمال الشريرة تبدا بالعقل ثم اللسان ثم الفعل .
ويذكر غاندي احد رواد المنهج اللاعنفي في الحياة فيقول ان كلمة (ساتيا) او الحقيقة امرا مهما ، حيث ان الحقيقة عند غاندي لها اوجه مختلفة ولايمكن لفرد معين ان يمتلك كل الحقيقة بل بعضها وبهذا فاننا كلنا نحتاج لبعضنا البعض كي يكمل مفهوم الحقيقة ونصل الى الحقيقة الاكبر.

العالم جين شارب بروفسيور علم الاجتماع الأميركي من دعاة اللاعنف وواضع نظرية اللاعنف كسلاح سياسي تستعمل للاطاحة بالانظمة الفاسدة والدكتاتورية. وهو احد المتاثرين بغاندي وافكاره في مناهضة الاحتلال البريطاني. ويؤكد شارب في كتابيه من الدكتاتورية الى الديمقراطية و حرب اللاعنف ، على تفوق استراتيجية اللاعنف على استراتيجية العنف ومن اهم الاساليب التي يمكن للمتظاهرين السلميين اتباعها هي الاضرابات العامة والتظاهرات المستمرة واحتلال بعض المواقع المهمة اضافة الى عدم دفع الضرائب و العصيان المدني .ومن اهم النتائج التي سوف تظهر لاحقا مع تصاعد وتيرة الحراك اللاعنفي وبمرور الوقت سوف تنضم اعداد كبيرة من الشعب وهو من اهم العناصر التي سوف تزيد من فرصة نجاح التغيير، وهناك احتمالان لاثالث لهما للسلطة في مجابتها او تعاملها مع هذه الاحتجاجات .الاحتمال الاول وهو رضوخ السلطات للمطالب الشعبية وبالتالي انضمام اعداد كبيرة من المواطنين للاحتجاجات اللاعنفية وبالتالي نجاح الثورة والتغيير ، والاحتمال الاخر مجابهة السلطات للاحتجاجات بالقوة والعنف مما سيسفر عن سقوط شهداء وضحايا وهذا مايؤدي الى نتائج تصب في صالح المحتجين والثوار من خلال التضامن الشعبي المتزايد مع الثوار وزيادة عدد المؤيدين للثورة وكلا الاحتمالين يؤديان الى سقوط السلطة وانتصار للثوار اللاعنفيين . وتبقى الاحتمالات قائمة في عدم نجاح الثورات اللاعنفية معتمدة على ظروفها ومدى تشبث النظام القائم بالسلطة على حساب الشهداء واستخدام القوة المفرط كما في قمع القذافي للمحتجين باستخدام القصف بالطائرات وسقوط عشرات الالاف من الضحايا والبطش العشوائي سوف يفقد الثورة اللاعنفية مؤيديها وبالتالي فشلها .ومن امثلة الثورات السلمية التي ادت بالسلطة بالتراجع وتسليم زمام الامور امام الثورة اللاعنفية ، النموذج التونسي والنموذج المصري .

ثورة تشرين ثورة كل الشرفاء العراقيين كانت ولاتزال ثورة سلمية لاعنفية بامتياز وجوبهت هذه الثورة بالحديد والنار والقتل المتعمد وكما بينا سابقا وحسب نظرية جين كان يفترض ان يزداد عدد الملتحقين لهذه الثورة وهذا ماحصل وتم اسقاط رئيس الوزراء وحكومته ولكن لم يتم اسقاط المتحكمين بالعملية السياسية او الدولة العميقة التي سوف تبقي على نفوذها وسلطتها وان تغيرت الوجوه والمناصب ويمكننا ان نعزي ذلك الى ان من اهم مصادر القوة للسلطة الحاكمة هي قوات الجيش والشرطة والمؤسسات الحكومية والسلطة القضائية والمؤسسات الدينية ، ويضاف لهما عامل مهم اخر الاعتماد على القوى الخارجية.

ثورة تشرين وعلاقتها بالشرطة والجيش النظاميين كانت بلاشك جيدة وايجابية ولكن في حالة الوضع العراقي فان الجيش والشرطة لايمثلون التشكيل الرئيسي والفعال على الارض مقابل سلطة وسطو المليشيات المسلحة ونفس الشئ ينطبق على المؤسسات الحكومية والسلطة القضائية التي تسيطر عليها الاحزاب والمليشيات وحالها لم يكن افضل من الجيش والشرطة. و المؤسسات الدينية المستفيدة كالاوقاف فهي بالتاكيد تقف الى جانب السلطة لفسادها واما المراجع الدينية والتي كان يمكن ان تلعب دورا حاسما ليس في تغيير الوجوه والابقاء على الدولة العميقة التي سوف تستمر بانتاج نفس الوجوه وقيادة البلد الى المجهول لسنوات طويلة قادمة ، وكان بامكان المرجعية من اصدار فتوة كفتوة الجهاد الكفائي لمقاومة داعش تثمينا للدماء الزكية التي سقطت في هذه الثورة والتي لو حصلت لكانت فرصة ذهبية للاطاحة بدولة المليشيات والاحزاب العميلة والفاسدة “والتي هي اخطر من داعش لان داعش عدو مكشوف وتكاتف الشعب للقضاء عليهم وهؤلاء ذئاب بثياب حملان” وتاسيس للدولة المدنية ودولة القانون وانتشال العراق والعراقيين من هذا الوضع البائس حيث لايزال معظم العراقيين يعيشون على الهامش وخارج ايقاع الزمن والحضارة. ومن عوامل قوة السلطة الحاكمة ايضا الدعم الخارجي والمقصود به في الحالة العراقية هو الدعم الايراني لاتباعها من المليشات والاحزاب الفاسدة التي تستند عليها في نهب ثروات العراق واستباحة حقوقه واراضيه وتنفيذ اجنداتهم التي تصب في خدمة شعبهم اي الشعب الايراني.

لابد لثوار تشرين ان لاينسوا بان اية سلطة رجعية او قمعية او دكتاتورية بان من اهم مصادر قوتها هو الشعب وطاعته لهذه السلطة ان كان حاكم او سياسي او رجل دين وفي حالة فقدانهم لهذه الطاعة وهنا نقصد كل انواع الطاعة وخاصة العمياء عندها سوف يكتب لثورة تشرين النجاح والانتصار ليس بتغيير الاوجه والاقنعة لابل بالتغيير الشامل والجذري لكل اوجه الفساد والعمالة والاستبداد والتوجه نحو بناء عراق حر وطني ديمقراطي وبلد امن ومتطور ويسع لكل طوائفه دون تفرقة او تمييز .. فهل سوف نشهد عراقا خالي من العراقيين اللذين يمنحون طاعتهم مجانا ولاية جهة كانت ليحصدوا الفقر والدمار والتخلف وضياع الوطن ام انهم مع ثوار تشرين سوف يسحبون هذه الطاعة ويوجهوها الى العراق فقط وليس غير العراق لنبدا بناءه من نقطة الصفر لاننا لازلنا تحت خط الصفر من مرحلة بناء الانسان وبالتالي بناء وطن اسمه العُراق بضم العين كما اجاب الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري: لماذا عندما تقول عراق تلفظها (عُراق) بضمّ العين؟ قال: لأنّه يعزّ على الجواهري أن يكسر عين العراق . وهكذا كان رئيس الوزراء العراقي الراحل نوري السعيد يضمّ العين حين يذكر العُراق في بعض خطاباته الشعبية.

د.عامر ملوكا

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close