قولي صواب يحتمل الخطا وقول المخالف خطا يحتمل الصواب

قولي صواب يحتمل الخطا وقول المخالف خطا يحتمل الصواب

كان رسول الله يقول لاصحابه الذين يريدون تعظيمه ما انا الا ابن اكلة القديد. ويقول لهم دائما بانه لا يعلم الغيب ويمسه الضر وحتى قضاءه بين الناس فيخضع لظاهر حجتهم وصدق ادعائهم. فقال لهم: إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحوٍ مما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار
اما عنوان هذه المقالة فهي قول للامام الشافعي رحمه الله احد علماء المذاهب الاربعة. انه يوضح بجلاء تواضعه الجم رغم علمه الغزير وفكره الواسع وشانه الكبير لدى اهل عصره. ان مذهب الشافعي او الشوافع منتشر اليوم لدى الملايين من المسلمين في كل مكان. اذ كان فكر وايمان ذلك الامام الرباني واسع ويتالف مع الظروف الاجتماعية بحيث كان يفتي بمسالة ما في بغداد بفتوى معينة لكنه كان يفتي في نفس المسالة بمصر بفتوى اخرى حسب ظروفهم الاجتماعية هناك.
نحن اليوم بحاجة الى استراتيجيين يعلمون مصالح الناس وممن يعيشون معهم كالشافعي. ويدينون بدينهم ويعلمون اساليب حياتهم كما يعلمون العالم المحيط بهم بتشابكاته ومطامعه ومصالحه. هذه النخب المثقفة تعوض علماء وفقهاء وقضاة العالم العربي والاسلامي سابقا. بحيث يمكنهم ان يفقهوا ويعلموا ويستنتجوا أحكام المصالح والمفاسد والامور المصيرية،
فالاسلام اصلا جاء لسعادة المسلمين وتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، فالمطلوب من هذه النخبة ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا معاً، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعاً، وان تحصل المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما. لقد اختلطت الحسنات بالسيئات ومن هنا يجب على النخبة ترجيح هذا على ذاك وفق المصلحة العليا للشعب..
نحن اليوم في عصر اختلط فيه الحابل بالنابل فنعتقد بان هذا العمل او ذاك حسنة وسيقودنا الى الخير ويظهر لنا بعد فترة عكس ذلك. ونفس الحكم بالنسبة للسيئة التي يتبين ان نتيجتها قد تكون حسنة. ان عالم اليوم والتشابكات الداخلية الحزبية والمذهبية والدينية والقومية اضافة الى التدخلات الاجنبية والقوى العالمية التي لا يهمها سوى مصالحها ومصالح شعبها لا تتماهل او تتساهل للتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الضعيفة.
امام كل هذه الاحتمالات والخيارات والتدخلات الاجنبية غير المحسوبة كيف يمكن التخلص من السلطات المحلية الحالية التي ترتكن الى القوى الظالمة امريكا إسرائيل روسيا فرنسا. ثم كيف يمكن لحكامنا الوطنيين فيما بعد اتخاذ القرارات الصائبة لمصلحة الشعب. هناك تحديات جمة وخيارات عسيرة لا يمكن البت فيها بسهولة. دون الاعتماد على الله وعلى صلابة الشعب الذي ينبغي ان يتحمل التبعات. لان لا احد مستعد ان يتنازل عن مكاسبه التي كدسها عبر عقود للغير. سواء فيما يتعلق بالقوى الاجنية او بالخصوص اذنابها المحليين.
ما اروع مقولة الامام الشافعي السابقة الذكر والتي تعلمنا درسا في التواضع وفي حرية الراي ومناقشة المخالفين.انها فعلا الديمقراطية والابتعاد من احتكار الحق. فان لكل شخص حق بان يدلوا بدلوه ويطرح ما يفكر به بحرية وبوضوح دون مواربة او تعصب. فلعل الرأي الاخر اعظم حجة وقد يكون راي مكمل. ان الحقيقة المطلقة لا يمكن ان يمتلكها شخص او حزب او دولة واحدة. نحن اذن في هذا الميدان نعتمد على النسبية فكل شخص او حزب يمتلك جزءا من الحقيقة بهذه النسبة المئوية او تلك.
الدكتور نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close