رفقا بالفقراء بسعر الدولار

رفقا بالفقراء بسعر الدولار
باسل عباس خضير

قبل أيام انتهت مهلة الشهر التي حددها مجلس الوزراء لعمل اللجنة التي شكلها لدراسة تأثير تغيير سعر صرف العملة ، ففي جلسة 22 شباط 2021 تقرر تشكيل لجنة يترأسها ممثل عن وزارة التخطيط ، وتضم في عضويتها إلى جانب الأمانة العامة لمجلس الوزراء ممثلين عن وزارات ( المالية ، الإعمار والإسكان والأشغال والبلديات العامة ، الكهرباء ، الهيئة الوطنية للاستثمار والبنك المركزي العراقي واتحاد المقاولين العراقيين ) وتم الطلب من هذه اللجنة أن ترفع توصياتها خلال شهر إلى مجلس الوزراء ، وقد توقع البعض أن تكون توصيات اللجنة منصفة للفقراء الذين تضرروا بشكل واضح من خفض قيمة الدينار ولكن هذه التوقعات ليست كما يتمنون لأنها لجنة ناولا ولأن الهدف من عمل اللجنة ليس المواطن وإنما المشروعات الاستثمارية وبالذات أعمال المقاولات حيث هناك توجهات لإعادة تسعيرها بما يجنب المقاولين أية خسائر من تغيير أسعار الصرف ، والمواطن ليس لديه اعتراض على هكذا مقترحات ولكن العديد يأملون إنصافهم وإزالة الضرر عنهم ، لان تغيير سعر الصرف بجعله ١٤٥٠ دينار لكل دولار بدلا من ١١٩٠ دينار بعكس ما يقوله البعض القليل جدا بأنه لم يؤثر على معيشة الناس وعلى قدراتهم الشرائية ، وكنموذج للتأثير السلبي فقد تغير حجم علبة المشروبات الغازية من ٢٥٠ مل قبل التغيير إلى ١٨٥ مل أي بنسبة انخفاض ٢٦٪ والحال ينطبق على كل السلع والخدمات التي تسوق في الأسواق المحلية بدءا من رغيف الخبز وحتى العقارات والسلع المعمرة ، ومن الناحية الواقعية فانه يحق لكل من يشتري بالدولار ويبيع بالدينار زيادة الأسعار بنسبة التغير بسعر الصرف على الأقل لأنهم تجار وصناعيون وليسوا رعاة جمعيات تعاونية للحفاظ على قرارات الحكومة في تغيير أسعار الصرف والحكومة تدرك ذلك بدليل إنها شكلت اللجنة اعل لتعويض خسائر المستثمرين ، وهو ما ينفي القول إن التغيير لم يؤثر على ألمواطنين (حتى وان صدر القول من وزير) وإنها مجرد صدمة سوف يستقبلها ألجميع وستمر بسلام ويتعود عليها ألمواطن شيئا فشيء ، فكما هو معلوم فإن القدرات الشرائية لقرابة مليوني متقاعد قد تحولت من ٥٠٠ ألف دينار إلى ٤٠٠ ألف دينار بتغيير أسعار الصرف ، لان مستويات المعيشة لكل السكان انخفضت بنسبة ٤٠ – ٥٠٪ والأكثر تضررا من ذلك هم محدودي ومعدومي الدخل الذين يشكلون غالبية السكان والذين يزدادوا تضررا وفقرا بل إفقارا بفعل قرارات فرض الحظر الجزئي والكلي بدون تعويض ، ويتعجب الكثير عن أسباب عدم العدول عن السعر الجديد للدولار ما دامت الموازنة لم تقر بعد وأسعار النفط التي تمول اغلب إيرادات ألموازنة الاتحادية تحولت من اقل من 40 دولار عند تغيير سعر الصرف للبرميل إلى أكثر من 60 دولار وهي أموال الشعب ، فهل من العدالة أن يزداد الشعب فقرا رغم ارتفاع أسعار النفط والى من تذهب الفروقات واغلب السكان يعيشون في التجاوزات والعشوائيات والإيجار؟، وهذه التساؤلات بحاجة إلى تغييرات عاجلة ومحاسبة المتسبب وليس التفرج على معاناة الناس ، فصندوق النقد الدولي وغيرهم الذين يرجع البعض إليهم في سبب تغيير الأسعار لم يكتووا بنار الفقر وهم ليسوا منصبين على معيشة الشعب لان البرلمان والحكومة من المفترض أن يكونا أصحاب الحلول و القرار.
إن شعبنا المعروف بتعرضه للصدمات منذ عقود سواء ما يتعلق بالحروب (بإشكالها العديدة) او الحصار او الفساد او القرارات الفاشلة للحكومات والذي وجد في التغيير بعد 2003 أملا يحقق العدالة له في التمتع بثرواته الوطنية حاله حال شعوب الأرض ، لا يبحث عن هو خارج الممكن او عن امتيازات خارج الاستحقاق كما انه لا يطالب بالمستحيلات ولكنه يرفض أن يصحوا من نومه في يوم 19 /12/ 2020 ليجد إن رواتبه ومعيشته انخفضت بمقدار الربع بعد أن بشروه بإلغاء قرار فرض الضريبة على رواتب 2021 ، وهذا الانخفاض لم يتأثر به الموظف وإنما الجميع وبغض النظر عن كونهم يمتلكون دخلا للمعيشة كلا او جزءا او لا ، والمصيبة إن جميع المسوغات لتغيير سعر الصرف لم تكن مقنعة للجميع فحتى الأثرياء والميسورين وأصحاب الأعمال الذين يحتفظون بالدينار في منازلهم او كإيداعات في المصارف تعرضوا للضرر الكبير( وكأنه بوري) والفئات التي تمت مكافأتها بزيادة ثرواتهم فهم من مكتنزي الدولار بالحرام او بالحلال ، واغلب التبريرات التي خرجت لتبرير تغيير سعر الصرف استندت إلى الرأي السائد وهو انه القرار اتخذ من قبل محافظ البنك المركزي العراقي باعتبار انه يترأس هيئة مستقلة ذات الاختصاص بالأموال وان لا أحدا يستطيع أن يضغط عليه من باب الاستقلال في عمل السلطات ، وهو رأي يمكن تفنيده بسهولة لان :
. إن مهمة البنك المركزي هي بيع الدولار لمصلحة وزارة المالية وتعويضها بالدينار العراقي بمعنى إن الدولار هو للمالية وليس البنك المركزي .
. إن قرار تغيير سعر الدولار ل1450 دينار قد تم اعتماده في مقترحات موازنة 2021 أي قبل شهرين من اتخاذ البنك المركزي هذا القرار بمعنى إن المالية سبقته بكثير .
. إن مجلس النواب هو من أعلى السلطات في البلاد وترتبط به الهيئات المستقلة جميعا وان من حق البرلمان إشهار الفيتو على الجميع حتى وان تطلب الأمر إصدار تشريع ملزم لأية هيئة من خلال قنوات التشريع التي حددها الدستور .
. إن منصب محافظ البنك المركزي يشغل وكالة وليس أصالة ولو كان له موقفا متصلبا من الموضوع ( لاسمح الله ) لأمكن إبداله او استضافته او استجوابه حول هذا الموضوع بالذات لإعطاء إيضاحات مقنعة للجمهور على الأقل .
واليوم ، وبعد مرور أكثر من 4 شهور على تغيير سعر الصرف وبقاء الموازنة دون مصادقة لحد الآن فان ما تحقق هو انخفاض مبيعات البنك المركزي من نافذة العملة وتذبذب أسعار صرف الدينار في أسواقنا المحلية بحيث لم تصل الأسعار إلى 1470 دينار لكل دولار قط وكأنه تعبير عن عدم واقعية السعر الجديد ورفضه من قبل الجميع ، كما إن الأعمال تشهد فتورا وكسادا واضحا في مجمل حركة الأسواق سواء ما يتعلق بالمنتج المحلي او المستورد ، والمتوغل في تفاصيل الحياة اليومية للعراقيين الذين لم يغنيهم او يسمنهم توزيع بطل الزيت او زيادة المشمولين بالحماية الاجتماعية الذين يعيشون تحت خط الفقر بكثير ، نقول إن المتوغل في تلك التفاصيل يدرك الآثار على معيشتهم في شراء حليب الأطفال الذي لم يوزع في البطاقة التموينية منذ 15 عام كما يظهر الأثر في القدرة على العلاج والشفاء لان سعر أدوية المزمنة وغير المزمنة قفزت مع الدينار ، ولعل واحدة من أسباب زيادة الإصابات بفيروس كورونا هذه الأيام يعود إلى الفقر لان حالة المبالاة تسود كثيرا بسبب المعيشة والأسعار .
والهدف مما تقدم أعلاه ليس معاكسة أحدا في القرار المتخذ ولكنها دعوة وطنية صادقة لمقارنة الوضع الاقتصادي والمعيشي والنفسي وغيرها من الانعكاسات بالسعر القديم وما أحدثه سعر صرف الجديد (مع إن الاثنين في أكثر من السوء ) ، وقد تكون المدة غير كافية للمقارنة من الناحية الإحصائية ولكن ملامحها واضحة للعيان ، والموضوع لا يحتاج إلى تعمق وتشكيل مزيدا من اللجان التي تنقضي مدة عملها دون نتائج تذكر ،لان الأمر بات واضح وجلي ومعروف ويعيشه غالبية العراقيين فهو واضح وضوح الشمس كما ذكرنا في البداية عن علبة المياه الغازية التي تم تقزيمها بنسبة التغير بسعر الصرف ، ومن يدعي الوطنية والنزاهة للعراق لا يقبل أن تقزم معيشة المواطن العراقي في ( الكولا ) او غيرها فنحن شعب نشتري المياه للشرب رغم سكننا على ضفاف دجلة والفرات كما إننا جزءا من جائحة عالمية تأكل الأخضر واليابس وسببت الكساد لكل البلدان ، ونذكر ليست الغاية معاكسة أحدا لأجل المعاكسة وإنما الدعوة للعدول عن القرار دون تأخذ من يعنيهم الأمر العزة بالإثم والتراجع عن الخطأ فضيلة ، فهذا القرار فاقد للتوقيت و سنقف لجانبه بحماسة المخلصين عندما يكون المنتج الوطني قادرا على منافسة المستورد وان كان بالحدود الدنيا .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close