الجنة السهلة

عاصم العكيلي

[email protected]

يفتتح القرآن الكريم جميع سوره ( عدا واحدة ) بالآية المباركة ” بسم الله الرحمن الرحيم ” وحتى سورة التوبة التي لا تفتح بسم الله الرحمن الرحيم ، تم تعويض تلك البسملة في سورة النمل . وبالتالي نفهم أن سبحانه وتعالى يبشر جميع عباده بالرحمة لأنه هو الرحمن الرحيم وليس الجبار المنتقم الذي يهدد مخلوقاته بالويل والثبور.

و القرآن الكريم مليء بآيات الرحمة و الغفران حتى يخيل لمن يقرأه إنه قد ضمن المغفرة و الرحمة و بالتالي الجنة لمجرد طلب ذلك من الله .فالله سبحانه وتعالى يطلب فقط الإيمان الصادق به و العمل الصالح : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ( العنكبوت 9 ) و الإيمان بالله عز وجل فطري و من الصعوبة بمكان عدم الاعتراف به . و ترى أكبر ملحد في عصرنا الحالي أنتوني فلو Antony Flew المؤلف لكتاب الإلحاد الشهير ( لايوجد إلهThere is No God ( اعترف بعد سنوات طويلة أنه كان مخطئا و أصدر كتابا آخرا بعنوان ( هناك إله There is God ) أما العمل الصالح فهو فطري أيضا فجميع مكارم الأخلاق هي أعمال صالحة . و يمكن الاستدلال بالتالي أن جميع مساوئ الأخلاق هي أعمال غير صالحة .

وربما يخيل للفرد أنه أخطأ كثيرا فيما مضى من حياته وبالتالي يعتقد أن رحمة الله لن تشمله بسبب ما قام به من أعمال سيئة . لكنه سبحانه و تعالى يطمئن عباده المسيئين بقوله : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( الزمر 53 )

وكل المطلوب من أولئك المسئين المخطئين ، وكلنا كذلك ، التوبة وعندها حتى الملائكة ستستغفر لهم : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ( غافر 7 ) . وليس دعاء الملائكة ذلك للمخطئين بأن لا يعاقبهم الله و يغفر لهم ، بل يكافئهم و أزواجهم و ذرياتهم الصالحين : رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( غافر 8 ) و يدعون لهم بالفوز العظيم في جنان الخلد : وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( غافر 9 ) و كل المطلوب من العبد الصالح الدعاء المخلص ، و ما أسهلها

من دعوة : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ( غافر 60 )

و تتكرر تلك البشرى لنا نحن البشر المخطئين بشرط بسيط واحد فقط و هو في النهاية لمصلحتنا أصلا وهو الاعتراف بوحدانية الله و الاستقامة و ما أسهله من شرط : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون ( الأحقاف 13 ) . ويصف سبحانه و تعالى توحيد الله و الاستقامة بأنه عمل عظيم يستحق الخلود في الجنة ، ما أكرمك يا ربنا : أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( الأحقاف 14 ) .

و لا يمكن تخيل من أساء و أخطأ لكرمه سبحانه و تعالى وينسى قول عز وجل في الآيات العظيمة ، انظر : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ( الفرقان 68 ) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ( الفرقان 69 ) و الآن تأمل الرحمة الواسعة و الكرم العظيم فسبحانه لا يغفر تلك السيئات و إنما يكافئ عليها : إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ( الفرقان 70 ) . فالذي يتوب و يندم على أعماه السيئة السابقة و يصيبه الحزن كلما تذكرها و يقول في نفسه يا ليتني لم أفعلها ستكون مكافأته من الله سبحانه و تعالى تبديل تلك السيئات إلى حسنات .

و لو أردنا الغوص في كل سور القرآن فسنرى مئات الأمثلة لما كتبناه في هذه العجالة فالمهم دائما و أبدا الإيمان المطلق برحمة الله الواسعة و عدم القنوط منها . و كما كان يدعو الإمام موسى الكاظم عليه السلام : اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء إليك و هو التوحيد ، و لم أعصك في أبغض الأشياء إليك و هو الكفر ، فاغفر لي ما بينهما . فسبحانه و تعالى لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ( النساء 48 ) و لا يشرك بالله أو يلحد به إلا قليل الفهم و الإدراك أو من الذين لا يريدون الالتزام بالمعايير الأخلاقية و الخلق الحسن .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close